يصعب كثيراً اليوم تحديد ملامح أدب مخصص للأطفال. يمكننا أن نتحدث بثقة عن كتابات موجهة للطفل وليس أكثر. وعموماً فإن المشاكل المتعلقة بثقافة الطفل في سورية لا تنفصل في العموميات عن المشاكل التي تعانيها العملية الثقافية بمجملها لدينا. معلوم أن القسط الأكبر من كتب الأطفال يصدر عن وزارة الثقافة, يليها في ذلك اتحاد الكتاب العرب, ثم دار أو داران من دور النشر الخاصة المتخصصة في هذا الميدان, لكن السمة الغالبة في الكتابة للأطفال, حتى في المؤسسات الحكومية, هي الفردية, بمعنى الغياب المؤسساتي الاحترافي شبه الكامل في هذا المضمار, أو على الأقل غياب ما يسمى (حركة أدب الطفل). ما نشهده في الغالب هو ميل إلى تنفيذ خطط موضوعة, أو نزوع شديد نحو الترجمة لسداد النقص, وإذا ما أردنا الحديث عن ما يصدر في القطر من مجلات أطفال فإن الصورة ستصير أوضح كثيراً, وأشد إيلاماً. وللمسألة جانبان مهمان: الجانب الأول هو ضعف القراءة! الناس لدينا قلّما يقرؤون, وبالتالي فإن أي مشروع ثقافي مهدد بأن يكون خاسراً من الناحية التجارية. والجانب الثاني: هو ضعف ما يطرح للقراءة. وكما نلحظ فإن هذين الجانبين مرتبطان ارتباطاً عضوياً, ولا يمكننا معالجة القصور في أحدهما بغير التفكير في الوقت نفسه بالجانب الآخر. قد يكون أحد الأسباب المؤدية إلى عدم الاهتمام بالقراءة هو المفاهيم المغلوطة لدى الناس التي باتت تُردد كما تردد الأمثال, مثل (المعرفة تجلب وجع الرأس), (العلم لا يطعم خبزاً), لكن الشكوى التي تردد باستمرار هي الوضع المعيشي ووجود أولويات في الاقتصاد المنزلي ليس الكتاب من بينها. قد تكون هذه الشكوى محقة في العموم, لكننا كثيراً ما نلحظ كيف يفضل أصحاب الدخل المحدود الإنفاق على أمور استهلاكية كثيرة قد يكون اقتناء كتاب واحد في السنة, وهذا أضعف الإيمان, أقل إرهاقاً على الجيب منها. أما الأسباب المؤدية إلى ضعف ما يقدم للقراءة فأظن أن أهمها هو العائد المادي المنخفض, وقلة جبهات النشر, وعدم تفرغ الكاتب للعمل الإبداعي الحقيقي, فنرى كاتب قصة الأطفال هو ذاته كاتب المقالة السياسية وهو نفسه كاتب القصائد شعرية وهو كذلك مترجم وصحافي, وثمة سبب آخر هو غياب النقد الحقيقي الموضوعي عن حياتنا الثقافية عموماً, فإما كاتبنا في منزلة (الإله) الذي لم يأت من قبله أحد ولن يأتي من بعده أحد, وإما أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة. لا شك في أن أدب الطفل المترجم قد غطى فراغاً كبيراً في مكتباتنا, وهو ضروري لأطفالنا بغض النظر عن هبوط مستوى أدب الأطفال المحلي أو ارتفاعه, لأنه يعتبر أحد أول أبواب الانفتاح ثقافياً وإنسانياً على الآخر وأحد أهمها. وإن كان ثمة ما يعيب ترجمة أدب الطفل فهو, مرة أخرى, غياب العمل المؤسساتي المنهجي, والاعتماد على انتقائية المترجم وجهوده الذاتية وأحياناً كثيرة نكون رهن إمكانات المترجم الفنية. المستوى الآخر (الأرقى) من المسألة مرتبط بماذا على القارئ أن يقرأ وماذا على الكاتب أن يكتب أو ماذا على المترجم أن يترجم. إذا كانت معالجة المستوى الأول المنحصر في إطار القول إن المهم هو أن يقرأ الناس, وأن يوجد بينهم من يكتب, ممكنة بجهود فردية, ولو كانت قاصرة, فإن هذا المستوى الأرقى مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسات المتبعة على نطاق اجتماعي وثقافي أوسع. يشكو الكثيرون من أن الكتابات الموجهة لطفلنا مملة, وسمجة, وباهتة. هذا صحيح في الغالب, فالطابع العام لما نكتبه للأطفال هو الوعظ, والتلقين والتدجين, وكثيراً ما نلبسهم مشاكلنا, نحن الكبار, ورؤانا. وكثيراً ما نزعم التبسيط حين نقع في مطب الابتذال. كما أن السعي العام إلى ضغط التكلفة في كثير من الأحيان يجعلنا نقع في النمطية وفي إهمال جانب الشكل. الطفل يحب الصورة, ويحب الحركة, إنه يكره الرتابة, والصرامة. يحتاج دوماً إلى ما يضحكه, ويجعله يسرح بخياله. فإذا كان ما يضحكه وما يجعله رحبَ المخيلة نافعاً أيضاً فإننا نكون قد وصلنا إلى أدب الأطفال الحقيقي. هذا ما يتعلق بـ (الساحة) الكلاسيكية من عملية تثقيف الطفل! فإذا كنا نشهد في هذه الساحة, بغض النظر عن النواقص كلها, اجتهادات وخططاً ونجاحات وإخفاقات, فإننا غائبون تماماً عن الساحات الأخرى, التي باتت اليوم هي الرئيسية في تكوين ثقافة الطفل وفكره, وأعني الرسوم المتحركة والبرامج التلفزيونية وألعاب الكومبيوتر والمكتبات الإلكترونية والإنترنت. من المعلوم أن المرء حين يجد نفسه عاجزاً أمام القدر فإنه يستسلم له, ويبدو أننا مستسلوين تماماً في هذا المجال لكل ما يأتي إلينا, على الرغم من اقتنائنا الإمكانات الأولية اللازمة للانطلاق (فنانون تشكيليون, مبرمجون, أموال, تجهيزات) ولا ينقصنا سوى السياسات. أخيراً, لسنا في حاجة إلى شرح الأهمية التي تكتسبها مسألة أدب الطفل في مجتمعاتنا, وإنما ينبغي تأكيد استحالة تصور أي مستقبل مشرق من غير الاهتمام ببناء ثقافة الطفل. لا بل أستطيع أن أجزم أن أي مشروع إصلاح أو تطوير أو تحديث ينبغي أن يضع في أول مقدماته مسألة بناء إنسان المستقبل صاحب العلم, وصاحب الثقافة.
عياد عيد- (أدب الطفل في سورية)جريدة النور (14/2/2007)
|