|
صناعة البرمجيات في سورية.. بحثاً عن هوية لا يغتالها(الخطاب) الصناعي |
|
|
|
ماهر منصور
|
|
2007-02-18 |
ماهر منصور الحديث عن حكومة إلكترونية، تنشد التطوير والتحديث في أدائها وخدماتها وإنتاجها، الكلام عن صناعة تجعلنا نقف ولو قليلاً في صف الدول التي تصدّر ولا تتلقى، الثقة بمستقبل مواردنا في ظل حديث عن قرب نضوب موارد أساسية للدخل الوطني (النفط)، أو حتى الاطمئنان لقناعة أننا لسنا بحاجة إلى أحد، ولدينا من الاكتفاء الذاتي ما يجعلنا أقوياء في مواجهة أي حصار...جميعها لافتات لألف أب، لا تصلح إلا لقماشها المشدود على إيقاع اللقاءات التلفزيونية المحلية. أما على أرض الواقع فثمة عالم مفارق تماماً لعالم الأمنيات، تشهد عليه ألف حكاية وحكاية. تصمت شهرزاد عن كلامها المباح فيها، ولكنها تغص بالصمت فلا تستطيع إلا أن تتكلم إذا ما كانت الحكاية، تشبه حكاية صناعة البرمجيات في سورية. لقد تأخرنا كثيراً، يحدثنا المهندس محمود عنبر، رئيس لجنة الإدارة المعلوماتية في الجمعية السورية المعلوماتية، ولم يعد أمام الجهاز الحكومي سوى واحد من خيارين: إما أن ينهار، أو يستخدم تقنيات المعلومات لتطويره. فلم يعد بالإمكان أن ندير بالورقة والقلم جهازاً حكومياً لدولة فيها 18 مليون شخص...في بلد مثل سورية، تأخرت صناعاته فبقيت بعيدة عن المنافسة، و يشرف مورد دخله الأساسي (النفط) على الانتهاء، يبرز قطاع المعلومات وخصوصاً صناعة البرمجيات فيه، بوصفه فرصتنا لنمتلك مصدر دخل جديد، فهي صناعة بدأت بالنهوض في السنوات العشر الأخيرة، ومقومات نهوضها لم تزل بين أيدينا، ثم إن البلد بحاجة إلى تنمية وتطوير، وبالتالي نحن بحاجة إلى برمجيات مناسبة تدعم العملية التطويرية هذه. ولكننا رغم ذلك نجد أن الطلب على البرمجيات في البلد يبقى أقل بكثير من الحاجة، وفي هذا تناقض غريب، إذ لا يوجد أي استثمارات في هذا القطاع. ومن يرد أن يستثمر فلابد أن يكون مغامراً، لا لوجود منافسين كثر، وإنما لأنه لا يوجد سوق للاستثمار أصلاً، وهذه مشكلة. المعني بصناعة البرمجيات في سورية هو القطاع الخاص، إذ توجد مجموعة من الشركات، تقوم بتطوير برمجيات محلية بمستويات متنوعة، إضافة إلى صناعة برمجيات القادمة من الخارج، لتغطية احتياجات أعلى من قدرة الشركات المحلية على تقديمه، أما القطاع العام فهو عبارة عن السوق والزبون رقم واحد. ورغم أنه المستهلك الأكبر، إلا أنه (يقتل السوق، على حد تعبير المهندس عنبر، فهو لا يساهم في تنميته، فضلاً عن أن الجهاز الحكومي، بوصفه جهة ناظمة لاستهلاك البرمجيات، يعد نفسه غير معني بهذا القطاع فلا يتصرف كجهة مسؤولة عنه أويساهم بتنظيمه). الأمر على هذا النحو ينطوي على مفارقة غريبة، إذ تبدو الحكومة كما لو أنها تعرقل قيام صناعة هي المستفيد الأساسي منها، أو على الأقل هي لا تدرك أهميتها على النحو الكافي، كما يرى السيد محمد بلال توركماني (عضو مجلس إدارة الجمعية المهنية للمعلوماتية والاتصالات- أمين السر)، الذي أبدى قناعة بأن هذه العرقلة في الغالب هي غير مقصودة، فـ( طبيعة العقبات، كما يقول، تشي بأنها غير مبرمجة، والمشكلة تكمن في أنه لا يوجد رؤية عند الزبون الأساسي- القطاع العام- لهذه الأنظمة: ما هي أهميتها؟ ما دورها وما أبعادها..؟ فحالياً يوجد رغبة على المستوى الإداري لمؤسسات القطاع العام في تطبيقات برمجية وأنظمة معلومات للمؤسسات لترفد عملية التطوير والإدارة فيها، ولكن عند تحويل هذه الرغبة والحاجة إلى واقع عملي توجد مجموعة من المعوقات يتم الاصطدام بها، إذ سرعان ما نكتشف غياباً للجانب الاستشاري في هذا الجانب، ليغيب عن العلاقة التي يفترض أن تكون بين ثلاث جهات (زبون، مورد، استشاري)، ومهما حاولنا تغطية غيابه من خلال الجامعات ومراكز البحوث يبقى حضوره ضعيفاً، الأمر الذي يضطر بالقطاع العام للتعامل مع الموردين مباشرة مما يسبب كثيراً من المشاكل). التعامل مع الموردين على نحو مباشر سرعان ما يصطدم بعقبات أخرى من قبل القطاع العام، حددها السيد توركماني بـ(افتقار القوانين والتشريعات في سورية، وخاصة آليات التعاقد، إلى رؤية للقطاع البرمجي وضروراته، فضلاً عن ضعف الخبرات في القطاع العام، وغياب الموازنات المتناسبة عند القطاع العام مع حجم المتطلبات التي يريدها. فإذا ما أضفنا غياب المعايير الناظمة للقطاع البرمجي التي تجعل جميع شركات القطاع الخاص، الكبيرة منها أو الصغيرة، المتخصصة أو غير المتخصصة، متساوية فيما تقدم من برمجيات وهي بالحقيقة ليست كذلك،..سننتهي إلى علاقة غير صحية في هذا القطاع، تقف عاجزة عن تقديم حل برمجي معلوماتي لمؤسسات الدولة يحقق حاجاتها ومتطلباتها...ولنعترف بأن المشاريع الناجحة في بلدنا نادرة جداً، و أن كثيراً من المشاريع تبدأ ولا تنتهي، وبالتالي تصنف ضمن المشاريع الفاشلة). العقبات السابقة سترسم لاحقاً صورة مضطربة للقطاع البرمجي في سورية، لاحق تفاصيلها د. راكان رزوق (أستاذ في كلية الهندسة المعلوماتية)، وميّز فيها أكثر من ظاهرة أوجزها لنا بالنقاط التالية: 1-يوجد تكرار للجهد البرمجي، فنحن لا نعتمد تجربة ناجحة ونكررها في مكان ثانٍ، بل نعود في كل مرة لنبدأ من الصفر تقريباً، مستهلكين في ذلك الوقت والجهد ذاته، مرتكبين الأخطاء نفسها. فنلاحظ، على سبيل المثال، في مؤسسات الدولة التي بدأت بموضوع الأتمتة، أن أول مهمة يتصدّون لها عند الأتمتة هي تنظيم عملهم الداخلي (ذاتية العاملين، رواتب، المستودعات وما إلى ذلك من أعمال إدارية). فإذا ما دققنا هذه الأعمال نجد أنها تخضع جميعها للقوانين والأنظمة ذاتها. ورغم ذلك نلاحظ أن كل مؤسسة تبدأ من الصفر ولا تستفيد من تجارب المؤسسة الأخرى وتتلافى أخطاءها، وهذا بمجمله يتم في وقت يؤجل فيه العمل الأساسي لهذه المؤسسات، في حين أنه من المفترض أن نتوجه بالأتمتة إلى الأعمال التي تنمي الدور الذي وجدت من أجله هذه المؤسسة، وعندئذ فقط نشعر بالنظام المعلوماتي وفاعليته، وبالتالي يكون الاستثمار مبرراً. 2- ما زالت تطرح حاجات المجتمع السوري و مؤسساته الوطنية على صعيد البرمجة تُطرح ببساطة على نحو لا يستدعي وجود كفاءات متميزة في شركات البرمجة، ما دامت الحاجات تحل ببساطة وضمن إمكانات هذه الشركات. وبالتالي تبقى شركات البرمجة أسيرة هذه الحاجات دون أن تشعر بحاجتها إلى خبرات كبيرة، الأمر الذي يبقيها ضمن سوية علمية معينة لا تتطور، وبالتالي لا تصل إلى مستوى عالٍ من المنافسة، محلياً وإقليمياً وعالمياً..هذا من ناحية سوية المشاريع، أما من ناحية الشركات البرمجية فنلاحظ أن معظمها يصنف، وفق المعيار السوري، ضمن شركات صغيرة ومتوسطة، يتراوح عدد العاملين فيها بين 5و50. وهي شركات لا تحاول أن تكبر بحكم غياب المشاريع الضخمة. بالمقابل هي لن تمنح مشاريع كبرى بداعي عدم قدرتها على القيام بها..، الأمر الذي يدخل القطاع البرمجي في دائرة مغلقة، لا تكبر فيها شركات البرمجة، ولا تزداد الحاجات بالمقابل. وهنا لابد للجهات صاحبة الحاجة أن تضخ استثمارات في هذا المجال، فهذا من شأنه تشجيع الشركات على الاستثمار وتوظيف كادر كبير من الموظفين وتدريبهم ومراكمة الخبرات على أمل تولي مشاريع كبرى. وأيضاً على الشركات البرمجية أن تسعى لإيجاد أسواق محلية أو خارجية. ولعلها إذا ما تخصصت بمواضيع برمجية محددة، واعتبرت مبدعة فيها سيصير حجم السوق أمامها أكبر من المتاح، وتفتح لها أسواق خارجية إقليمية، وربما عالمية. 3- هناك إشكاليات تتعلق بعقليتنا، كأفراد ومجتمع سوري، لناحية نظرتنا إلى البرمجيات، فالبرمجيات عمل فكري ذو سوية راقية، واحترام هذا العمل الفكري لم يترسخ في عقولنا بعد. في تفاصيل الصورة المضطربة للقطاع البرمجي في سورية، ما يثير كثيراً من الأسئلة الشائكة حول صناعة البرمجيات في سورية، يأتي في مقدمتها سؤال العلاقة الضبابية بين القطاع العام الحكومي والقطاع الخاص على صعيد هذه الصناعة والحلقة المفرغة بينهما، وتالياً سؤال غياب التشريعات التي تحكم آليات عمل هذه الصناعة وما يترتب على ذلك من مشاكل تواجهها، بدءاً من توصيف الصناعة ذاتها، ولاسيما أن البرمجيات ليست منتجاً مادياً ولا يمكن تصنيفها ضمن الصناعات التقليدية، وطبيعتها تناقض واقع العمل في هذا القطاع اليوم، حيث بوسع أي شخص يمتلك سجلاً تجارياً (تصدير واستيراد) أن يعمل فيها. بنظرة متفحصة بدا غياب القانون الذي يحكم آلية عمل هذه الشركات، بمعنى الأسس والأصول المتعلقة ببنود إنشائها والرخص المطلوبة لذلك، بيت الداء الأول في هذه الصناعة، إلا أن تحركاً حكومياً ملحوظاً لتلافي هذه الثغرة لم يحدث، رغم أن الحكومة هي المنظم المفترض لهذه العملية، بالمقابل وعى القطاع الأهلي أهمية هذا التنظيم فتحرك باكراً، و(مع إنشاء منتدى صناعة البرمجيات في العام 2002 (تجمع للشركات البرمجية ضمن الجمعية السورية للمعلوماتية)، كان تنظيم هذه الصناعة من أوائل الأمور التي نادى بها، كما يخبرنا الأستاذ توركماني، وذلك من خلال ورشة عمل، قدمت فيها توصيات لوزارة الاقتصاد والتجارة المعنية بالترخيص بأن يكون هناك تعريف أو تصنيف للشركات المرخصة، يضبط من خلالها معايير الشركة التي تريد أن تعمل في مجال صناعة البرمجيات..)، و(بعد إنشاء وزارة الاتصالات والتقانة المعنية بتكنولوجيا المعلومات، يضيف الأستاذ توركماني، حاولنا تحفيز الوزارتين على أن تكون التراخيص التي تمنحها وزارة الاقتصاد معتمدة على رأي من وزارة الاتصالات والتقانة، ولكننا لم نصل إلى نتيجة). خطوات القطاع الأهلي ووعيه لأهمية هذه الصناعة مقابل التراخي الحكومي تجاهها، أكدها المهندس محمود عنبر، بالقول: (لقد عملنا في الجمعية السورية للمعلوماتية لوضع معايير لهذه الصناعة، وقطعنا خطوات، ولكنها كانت بطيئة كما لو أنها لم تأخذ الثقل المطلوب والمناسب، وبعد تحركنا لعدة سنوات قالت وزارة الصناعة: إننا نريد أن نتبنى هذه الصناعة. فوضعوها بنداً في السجل الصناعي للصناعات المعترف بها. وزارة المالية أبدت دعمها، و الدعم ذاته أبدته وزارة الاتصالات والتقانات... والجميع تحدث كما لو أن في الأمر مجداً يرتجى، لا مسؤولية تحتاج إلى من يحملها، وعلى هذا النحو سمعنا كلاماً كثيراً، ولكن على أرض الواقع لم يعمل أحد..). ومع التباطؤ في عملية تنظيم المهنة، وربما انعدامه أحياناً، بقي القطاع البرمجي أسير المصادفة، (يرتبط حسن سير العمل فيه، كما يقول د. راكان رزوق، بخبرة الأفراد والموجودين ضمن القطاع العام في موضوع التطوير البرمجي، وما لم توضع ضوابط مسبقة له، سيبقى موضوع البرمجيات موضوعاً خلافياً يحتمل التأويل من قبل الطرفين (الجهة التي تقدم الخدمة، والجهة المستفيدة)، وهذا من شأنه خلق مشاكل ذات طبيعة تعاقدية وفنية بين المؤسستين). وحول طبيعة هذه المشاكل التي تواجه الشركات العاملة في القطاع البرمجي، سألنا الأستاذ محمد بلال توركماني فأجاب: (المشكلة الأولى تبدأ بتقدير القيمة والموازنة لهذا المشروع، فضعف الخبرات، وضعف التجربة، وغياب الجانب الاستشاري في المؤسسة يجعل التوصيف ضعيفاً... في البرمجيات لا يوجد شي جاهز وواضح وملموس. فعملية تطبيق البرنامج البرمجي تحتاج إلى فترة من التعاون بين الزبون والمورد والاستشاري ليتواءم البرنامج واحتياجات هذه المؤسسة. وهذه الحالة غير موجودة في التشريعات. أما الثانية: فثمة إشكالية تتعلق بالتجهيزات وسرعة تغيرها، فبطء عملية التعاقد وطرح المناقصات بالدولة تخلق إشكالية أخرى، وما إن يحين وقت التوريد يكون النموذج قد انتهى وأصبح هناك منتجات أحدث، وبالتالي ندخل هنا في متاهة المواصفات. والثالثة: عندما تقوم إحدى المؤسسات بطرح مناقصة واستدارج عروض لطلب موضوع برمجي مثلاً، تغلّب آليات التعاقد العرض الأرخص، فالشركات بالنسبة لهذه المؤسسة متساوية أمامها قانونياً، رغم اختلافها، وبذلك لا تستطيع المؤسسة أن تأخذ ما يناسبها من شركات ومنتجات، وهذا يأخذ المؤسسة نحو أماكن لا تخدم مصالحها وبالتالي يفشل المشروع). ثمة إشكالية رابعة تتعلق بغياب التشريعات، أشار إليها المهندس محمود عنبر، تتعلق بآلية اتخاذ القرار، (فمن يتخذ القرار يحتاج إلى آليات تساعده، يقول المهندس عنبر، وإلا فهو سيخرق القانون ليحقق المطلوب وفق قناعته. فالآليات المتبعة لا تسمح له أن يطرح المشروع ويديره وينفذه على نحو صحيح، أضف إلى ذلك موضوع الرقابة، ففي معظم التجارب التي مرت عليّ، كان دور الرقابة سلبياً، فهي غالباً ما تضم من لا يمتلكون خبرة بمشاريع المعلوماتية وبديهيات أنظمتها، لذلك غالباً ما تجد المراقب يعمد إلى ملاحقة القضايا الشكلية، وبالتالي لم يعد القائمون على المشروع مشغولين بمشروعهم بقدر انشغالهم بتغطية إضبارته). ولتلافي الإشكاليات الأربعة السابقة، كما يرى خبراء البرمجة، والانطلاق نحو صناعة برمجية حقيقية، كان لابد من وجود شركات برمجية قادرة على التصدي للمشاريع الحكومية. سألنا المهندس محمود عنبر عن عددها في سورية وإمكاناتها فقال: (تتفاوت إمكانات الشركات البرمجية الموجودة اليوم في سورية (تقريباً 40 شركة)، وبتقديري يوجد نسبة 30%-60% من متطلبات المشاريع الحكومية يمكن تنفيذها بخبرات محلية، ولكن في كل مشروع أنت بحاجة إلى 35%-60% من التنفيذ لخبرات من دول أخرى، وهذه النسبة يفترض أن تنخفض من سنة إلى أخرى إذا ما أتيح للشركات أن تكبر وتستثمر إمكاناتها). وفي السياق ذاته، يشير د. راكان إلى وجود (تجارب استثنائية تخوضها شركات تسعى لاقامة ارتباط مع شركات خارجية إقليمية أو عالمية لتكون ذراعها في سورية، ووفق هذه العلاقة حققت هذه الشركات المحلية نوعاً ما من التطوير في مستواها العلمي والتقني، لأنها تعمل ضمن معيار أكبر من المعيار السوري، وتستفيد من التجارب والخبرات في هذا المجال). إلا أن الحديث عن إمكانات هذه الشركات وسعيها نحو التطور والتوسع في أعمالها، لا يلغي تعرضها لمحاولات إلغاء وإقصاء عن تولي مهامها في مشاريع القطاع العام، في عملية وصفها المهندس محمود عنبر، بمحاولة البعض لوأد الصناعات البرمجية في سورية. نسأله فيجيب: (الوأد يأتي من عملية إيحاء بأن الشركات البرمجية ضعيفة، وأن الحل يكمن في استقدام شركات من الخارج تحتكر المشاريع لصالحها، وفي هذا التوجه قصر نظر، إذ لا يوجد شركة في الخارج تنفذ كل المشاريع، دائماً هناك مجال محدد في المشاريع تعمل ضمنه الشركة، ويكون إلى جانبها شركات أخرى تساعدها في المجالات الأخرى، وربما هي في مشاريع أخرى لا تعمل أبداً. تالياً الحديث عن استقدام شركة كبيرة ضخمة نسلمها كل المشاريع، يعني القضاء على كل الشركات المحلية واحتكار السوق لصالح هذه الشركة الكبيرة، وفي هذا نوع من التأميم السلبي، فهو يؤمم الصغار لصالح الكبار. وبحساب بسيط سنلاحظ أن هذه الشركة الضخمة، عندما تتولى تعهد كل القطاع الحكومي، ستأخذ كل الخبرات في الشركات المحلية، ومن المحتمل أن تتعرض للإفلاس، أو تتولى تعاقدات خارج سورية. وحتى لو عملت بعيداً عن هذه الاحتمالات، فهي لن تعمل في أجواء منافسة، إذ لن تخضع للمناقصات التقليدية وتصبح عقودها بالتراضي.. فما الذي يمكن أن نسمي هذا غير وأد. على الأقل يجب أن يكون في كل مشروع شريك محلي لتنتقل له التقانة، ليس مهماً من يكون هذا الشريك، وإنما المهم ألا نأتي بجهة أجنبية لتأخذ المشروع وتمضي). بتقديرات المهندس عنبر (ما من جهة حكومية في سورية (إنتاجية أو خدمية) وصلت إلى 20% من النسبة التي يفترض أن تصل إليها مشاريعها البرمجية لتكون منافسة..ولم نزل بعيدين، والسبب ليس دائماً القطاع العام، فحجم الاستثمارات قليل جداً، فضلاً عن أن كثيراً من الاستثمارات يذهب بالتجهيزات والبنية التحتية لا مبرر لها، لقد استثمرنا بطريقة غير مناسبة، والاستثمارات التي وضعت كان من الممكن أن توصلنا إلى 70% من المأمول، ولكننا أهدرنا المال ولم نعرف كيف نستثمر، واعتقد أن أفضل شركة حكومية اليوم هي في المستوى الثاني من النضج المعلوماتي). وإزاء هذا المستوى المتواضع من النضج البرمجي، وما استعراضناه من غياب للشتريعات وإشكاليات كثيرة، يبرز سؤال الحيرة: إلى أين نمضي في قطاع صناعي هام لا ضوابط له ولا معايير؟ يقول المهندس محمود عنبر: (إذا استمرت الأمور، على ما هي عليه الآن، نكون قد أغلقنا أمامنا كل السبل إلى هذا القطاع، فهذه فرصة زمنية مفتوحة، وكان من المفترض أن نبدأ منذ 5 سنوات، ولكننا لم نفعل، نتكلم ولكننا لا نعمل، لقد وضعت استراتيجية لهذا العمل، إلا أن أحداً لم يلتزم بها حتى الوزارة التي وضعتها. وإذا استمررنا على هذا المنوال حتى العام 2010 فإني أبشر بأنه لن يوجد لدينا شيء اسمه صناعة برمجيات في سورية، والمسؤولية هنا يتقاسمها الجميع (القطاع الحكومي والقطاع الأكاديمي وقطاع المنظمات غير الحكومية)..إنها صناعة تحتاج إلى بناء، ولابد من مبادرة على المستوى الوطني لبناء القطاع المعلوماتي). الأستاذ بلال توركماني رأى أن (في الحكومة اليوم أصواتاً تقول إنها ستغير نظرتها إلى هذا القطاع فيما يخصها ويخص متطلباتها، وإنها سوف تستثمر أكثر بأنظمة المعلوماتية والبرمجيات، وهذا من شأنه أن يكبر السوق ويجعله أضخم من الناحية التقنية والمالية والمتطلبات، وهي فرصة كبيرة للشركات التي تنتظر تطور السوق المحلي). إلا أن الأستاذ توركماني حذر من توجه حكومي يرى (أن الشركات بوضعها الحالي لن تستطيع أن تقدم لها كل ما تريده، لأن الشركات تحتاج إلى مرحلة انتقالية حتى تستطيع أن تواكب وتحقق ما تريده الحكومة، هذه الفترة ستغطيها شركات إقليمية ودولية فيما يخص قطاع البرمجيات، وهذا خطر..فالسوق في النهاية هي سوق سورية، ولابد أن تكون مساهمة الشركات السورية فيه هي الأكبر، وبالتالي لابد للشركات ومن يمثلها في منتدى صناعة البرمجيات أن تعمل مع الحكومة على وضع آليات تخفف من هذه المخاطر، وتسمح للشركات الخاصة أن تنمو وتتطور بسرعة لتخلق صناعة برمجية تتناسب مع سورية ووضعها). كما حدد د. راكان عدداً من الخطوات الإجرائية التي من شأنها أن تحقق قطاعاً برمجياً يجمع بين الكفاءة الداخلية المطلوبة للمشاريع، وبين منافسة الشركات الأخرى في الجوار الإقليمي وربما العالمي، هي: 1- ضخ استثمارات من قبل الشركات ومؤسسات القطاع العام، وهذا سيؤدي إلى نشوء شركات تكبر وتتطور، وبالتالي تحقق عوائد جيدة. فضلاً عن أن اتساعها يعني تشغيل المزيد من البرمجيين والمهندسين من أبناء البلد. 2- على الشركات ألا تكتفي بما هو متاح أمامها فيما يتعلق بالسوق المحلية، فتسعى لتطوير مهاراتها و خبراتها، وإقامة علاقات وتحالفات مع شركات مجاورة لتستفيد من خبراتها ومن أسواقها المتاحة، وبذلك نكتسب خبرة غير موجودة محلياً، وينفتح أمامها أسواق أكبر من السوق المحلية. 3- لابد أن تُحل المواضيع الإجرائية والتنظيمية والقانونية المتعلقة بصناعة البرمجيات في سورية. وبعد: لا ندري إن كان بوسعنا بعد أن نلحق بالركب البرمجي، أو إنا كعادتنا سنرضى بدور المتلقي السلبي...لا نعرف حجم من يعي معنى أن نخسر فرصة أن نكون، ونراهن على موارد بدأت تنفد..ربما نحن نوجز الحال، بإعادة تذكير المعنيين بما اتفق الجميع عليه: صناعة البرمجيات مورد اقتصادي هام، رأسماله الفكر البشري، والفكر لا ينضب. ..إنه مورد (الأمان) في زمن لم يعد يحتمل حساب الورقة والقلم.
ماهر منصور- (صناعة البرمجيات في سورية..بحثاً عن هوية لا يغتالها(الخطاب) الصناعي)-
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
جريدة النور (14/2/2007)
|