|
حول قرار وزيرة الشؤون بعدم التعامل مع رابطة النساء السوريات |
|
|
|
د. حسان عباس
|
|
2007-02-09 |
شجون اجتماعية، وأمل!تفترض الدولة الحديثة القائمة على مبادئ المواطنة تمتين وضع النشطاء المدنيين العاملين كل في حقل اختصاصه، والمشكلين بمجموعهم تلك الحلقة المرنة المتوضعة بين الدولة والفرد، والتي يتصالح أهل العلوم الإنسانية على تسميتها بالمجتمع المدني. وسواء رفض بعض أهل العلم والقلم هذا المصطلح، بحجة عدم توافقه مع طبيعة مجتمعاتنا، أم استبدلوا به اسم المجتمع الأهلي لغايات في نفس يعقوب، فإن ذاك لا يغير شيئاً في حقيقة أهمية هذا المجتمع وضرورته للدولة الحديثة.فالمجتمع المدني هو المِحَرّ الذي يسمح للدولة بقياس مزاج المواطنين حول أية قضية من القضايا التي حمّل المواطنون الدولةَ عبء التكفل بها: كيف يمكن للدولة أن تعرف معرفة حقيقية نجاعة المشاريع التي تقترحها أو تقوم بها إذا لم توجَد جمعيات ومنظمات مهنية وجهوية تبين رأي الناس بهذه المشاريع، فيستفيد أصحاب القرار منها في تقويم ما يبدو أنه لا يناسب الحياة الواقعية أو في ما يبدو أن أصحاب المكاتب لم ينتبهوا إليه في رسم مشروعاتهم؟ والمجتمع المدني هو المَعبر الذي تنقل الدولة من خلاله أحلامها في تحول سلوك المواطنين بما يتناسب وسياساتها: كيف يمكن للدولة أن تقنع المواطنين بسلوك إيجابي، في الحفاظ على البيئة مثلاً، إذا لم توجَد جمعيات بيئية تتولى توعية الناس وتنظيم الحملات المناسبة المتماشية مع توجه الدولة والمعزِّزة لنجاحها؟! والمجتمع المدني هو العين الساهرة على صحة عمل الدولة وعلى اكتشاف ما ينذر بالخطر على وجودها ذاته: كيف ستكتشف الدولة سوء استخدام بعض أهلها له لولا الصحافة التي تقوى على كشف الغطاء عن الفاسدين وعن المتجاوزين لسلطاتهم, المحتمين بهذه السلطات بالذات؟ والمجتمع المدني هو متنفس الدولة الذي تلقي إليه بقسط كبير من مشاغلها (يتسلى) بها، بما يسمح لها أن تصرف وقتها وحياتها للاهتمام بقضايا الدولة والوطن والأمة. تصوروا مثلاً لو أن الدولة ستهتم بذاتها بقضايا كل الفقراء وذوي الحاجات والمحرومين الذين تتكفل الجمعيات الخيرية بتأمين الحد المناسب لمعيشتهم واستمرار حياتهم بشيء من الكرامة والإباء! والمجتمع المدني هو الحاضنة الحقيقية والأولية لتعبير المواطنين عن إبداعاتهم وحاجاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية. تصوروا لو أن الدولة، أي دولة في العالم، ستربط بأجهزتها ومؤسساتها كل العروض المسرحية وكل المعارض الفنية وكل الكتب المنشورة، أو أنها ستتكفل بتنظيم كل حفلات الأعراس وكل موالد ختان الأولاد! والمجتمع المدني، أخيراً وليس آخراً، حق للمواطنين كفلته كل منظومات المواطنة وكل شرائع حقوق الإنسان في العالم. ووافقت عليه بلدنا الرائعة تأكيداً لانتمائها إلى عالم اليوم وليس إلى عالم الشهبندرية وشيوخ الحارة وحابسي الجان في الفنجان. ولا يكون المجتمع المدني، ولا يعيش إلا بما يتاح لنشطائه من حرية لاجتراح المبادرات وتنظيمها والعمل على إنجاحها. وهذه المفاصل الثلاثة: المبادرة والتنظيم والعمل حقوق طبيعية لم تمنحها سلطة، ولا يجوز لسلطة أن تعتبر نفسها معياراً لها، أو أن تحبسها لفلان وتطلقها لفلان. اللهم إلا إذا كانت هذه السلطة ترى نفسها سلطة إلهية، تقيم خارج الحداثة والمدنية. أما عدا ذلك، فالدساتير قد منحت السلطات القضائية الحق اللازم لمحاسبة هؤلاء النشطاء إذا ما أتت نتائج أعمالهم ، نتائج أعمالهم فقط، في غير صالح الدولة والمجتمع. انطلاقاً من كل ما سبق نعترف بعدم فهمنا للسبب الذي دفع بالسادة المسؤولين إلى إصدار قرار عدم التعامل مع عضوات رابطة النساء السوريات. إن كل ما قامت به عضوات هذه الرابطة المدنية منذ تأسيسها عام 1948 حتى اليوم يدخل في إطار الإيديولوجية المعلنة للقوى الوطنية والتقدمية، في بابها الخاص بدور المرأة في المجتمع. ألم تنشط الرابطة في العمل على تحرر المرأة ورفع وعيها الثقافي والاجتماعي والسياسي، وعلى تخلصها من الأحمال الثقيلة التي كبلت مجتمعنا لمئات السنين ؟ ألم تعمل الرابطة، وقبل أية رابطة نسائية أخرى، على المطالبة بالاعتراف بشخصية المرأة السورية وبقدرتها على تحمل المسؤوليات التي يتطلبها وجودها الاجتماعي منها؟ ألم تجهد الرابطة في الكشف عن الحيف اللاحق بالمرأة نتيجة لديمومة ثقافة القرون الوسطى في المجتمع؟ ألم تكن الحاضنة لنضال المرأة السورية في الأرياف وفي المدن، في وقت لم تكن المرأة فيه قادرة على التعبير عن وجودها؟ ألم تنشط الرابطة في تحقيق الكثير (رغم عدم كفايته) من الحقوق الطبيعية للمرأة وتتابع اليوم نشاطها لتحقيق ما لا يزال مغتصباً من هذه الحقوق. ألم؟ إني لا أعرف كيف ينظر أصحاب القرار إلى قضية إنصاف المرأة ومساواتها بالرجل، غير أني أقر شخصيا بأنني ما كنت لأفهم هذه القضايا وغيرها في إطار مجتمعنا السوري لولا ما توفر لي من أدبيات هذه الرابطة وما تيسر لي حضوره من نقاشات مع عضواتها. ولا أجد غضاضة في القول إن كل امرأة في سورية، وخاصة اللائي سمح تطور البلد بتبوئهن مناصب مسؤولة، مدينة لرابطة النساء السوريات بالشكر والتقدير. وإذا كان أصحاب القرار لن يقوموا بذلك فإن التاريخ لن ينساه، ولن ينساهن. إن التعميم أو القرار الذي أسمح لنفسي بالتعليق عليه في هذه الورقة قرار يزيد في شجوننا الاجتماعية، لكننا كلنا أمل في العودة عنه وطيه بكل فخر وكبرياء. إنها: (شجون اجتماعية وأمل).
د. حسان عباس- )حول قرار وزيرة الشؤون بعدم التعامل مع رابطة النساء السوريات(
|