|
حلّ جمعية المبادرة الاجتماعية بناء على "مقتضيات المصلحة العامة"! |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2007-02-06 |
| في خطوة ليست مفاجئة، وتنسجم كلياً مع الحرب التي تشنها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على المنظمات والجمعيات التي لم تتعلم بعد كيف تنضوي تحت "قراراتها" التي لا تغيب عنها المصالح والمزاج الشخصي! وفي تأكيد مثير لما قالته السيدة الوزيرة حول "جهودها" لتطوير العمل التنموي في سورية، وتحول الجمعيات من الخيري إلى التنموي، قررت السيدة الوزيرة حلّ جمعية المبادرة الاجتماعية! والقرار المذكور، والمذيل بتاريخ 24/1/2007، والذي وصلت نسخته إلى الجمعية اليوم (6/2/2007، لا يقدم أي سبب لحل الجمعية! وطبعا لن نناقش الخلل القانوني بقرار حلّ غير مسبب! فهو نافل في قرار يستند إلى أحكام قانون الجمعيات سيء الصيت، والذي بات يحمل عمليا اسم: "قانون تطويع الجمعيات وحل ما لا يخنع منها"!... |
وجمعية المبادرة الاجتماعية كانت قد باشرت أعمالها في عام 2001، عبر مجموعة من النساء السوريات الناشطات والمهتمات بالشأن المجتمعي في سورية، خاصة قضايا المرأة منها. واستطاعت أن تحشد الرأي العام حول مشكلة سن المحضون وسكن الحاضنة، بمشاركة جمعيات وجهات وأفراد كثر. وجمعت نحو 15.000 توقيع قدمتها إلى مجلس الشعب السوري، الذي أقر، بناء على هذا العمل، تعديل سن الحضانة عبر رفع سن حضانة الطفل إلى /13/ سنة، والطفلة إلى /15/ سنة، ولكنه رفض البند المتعلق بضرورة تأمين سكن للمرأة الحاضنة. وهذا الشق ما يزال العمل عليه جارياً. كما كانت قد شاركت في الحملة الوطنية لإيقاف قتل النساء بذريعة "الشرف"! وشاركت في مجمل العمل المجتمعي المهتم بقضايا المرأة في سورية. هكذا إذن! هكذا يتم دعم العمل التنموي بحل واحدة من أهم الجمعيات التي عملت على قضايا المرأة في سورية خلال السنين الخمسة الأخيرة! والجمعية التي استطاعت أن تثير نقاشاً واسعاً حول عدد من القضايا الهامة في القوانين السورية! ولماذا؟! لأن "المصلحة العامة" تقول ذلك! فما هي هذه المصلحة العامة؟ إنه سؤال تسهل الإجابة عليه. فالمصلحة العامة في وزارة الشؤون الاجتاعية والعمل هي رغبة الوزيرة ولا شيء آخر! إنها رغبتها السابقة في منع الجمعيات من الاتصال مع جهات حكومية رسمية والعمل معها! لأن الوزارة باتت مملكة خاصة مستقلة ذات سيادة خاصة ودستور خاص! والتعامل مع وزارة أخرى أو جهة حكومية أخرى أو غير حكومية هو "خيانة وطنية" بنظر الوزارة! وإلا.. فما هي المصلحة العامة في حل جمعية المبادرة الاجتماعية؟ لعل صور بعض الإنذارات التي وجهت للجمعية خلال العام الماضي تشير إلى الحقيقة المخبوءة: فبتاريخ 16/1/2007 قررت الوزارة عدم الموافقة على طلب إنشاء ورشة تدريبية بعنوان: مدخل على الجندر (النوع الاجتماعي)، لمجموعة من أساتذة الحلقة الأولى من مدارس دمشق! وكعادة الوزارة- الوزيرة ليس هناك أي مبرر لهذا الرفض! وبتاريخ 15/12/2006 رفضت الوزارة- الوزيرة طلب الجمعية بالمشاركة في ملتقى عمان لمنظمات المجتمع الأهلي المناهضة للهيمنة الأمريكية (طبعاً لأن مناهضة الهيمنة الأمريكية تتناقض مع "المصلحة العامة"!)، مع جملة ننقلها حرفيا: "ننذر جمعيتكم ونحذركم من المشاركة قبل أخذ الموافقات أصولاً"! المدهش في هذا القرار أنه صادر في 15/12/2006، بينما تاريخ عقد الملتقى هو (30/11/2006)! لكن طبعا هذا وفق التاريخ الميلادي الذي تتبع له الدول جميعاً، وليس وفق تاريخ الوزارة- الوزيرة الذي له مسار خاص واعتبارات خاصة! كما أن قرارات السيدة الوزيرة الشبيهة بهذا القرار، لعلها الوحيدة التي تحمل هذه الصيغة: "ننذركم ونحذركم"! ندى العلي، رئيسة مجلس إدارة جمعية المباردة الاجتماعية، قالت لـ"نساء سورية": لم يكن القرارا مفاجئاً. فقد وصلتنا عدة إنذارات خلال العام الماضي، وهو العام الذي لم نقم خلاله بعمل يذكر! فكيف لو كنا نشطنا فيه حقاً؟ وجميع الإنذارات في صيغ التهديد والتحذير! هذا يتناقض كلياً مع ما تدعيه الوزارة من دعمها للعمل التنموي! في الواقع بدأ يتضح اتجاه الوزارة إلى مضايقتنا وحلنا منذ أطلقنا الاستبيان الشهير حول أكثر ما يهم المرأة السورية في المواد القانونية المتعلقة بها، في عام 2003. رغم أن الاستبيان أطلق بموافقة من الوزيرة ذاتها. ولأن بعض المشايخ اعترضوا على هذا العمل، سارعت الوزارة إلى التضييق على الجمعية.. وطلب إيقاف الاستبيان، بل تجميد عمل الجمعية! وما القرار الأخير بحل الجمعية إلا تتويجاً لهذا المسار. والمدهش أننا في لقائنا مع نائبة رئيس الجمهورية، د. نجاح العطار، 12/2006، استغربت طلب إيقاف الاستبيان، وأشارت أن طلب تعديل بعض المواد والقوانين هي مطالبة منذ السبعينات من القرن الماضي. وكان هناك معارضين في ذلك الوقت. لكن العمل لم يتوقف لأن البعض يرى رأياً آخر. وأكدت السيدة ندى العلي أن الجمعية ستدرس أقامة دعوى أمام القضاء السوري اعتراضاً على القرار.
من جهتها أكدت السيدة سوسن زكزك، ناشطة في قضايا المرأة، على استغرابها قرار الحل. وقالت: "إن حل جمعية المبادرة الاجتماعية يأتي في سياق حملة واضحة تقوم بها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لإعاقة عمل الجمعيات في سورية. وهي تجتهد في البحث عن الذرائع لمنع هذه الجمعيات من القيام بالدور المطلوب منها. وعوضاً من أن تعمل من أجل التخفيف من قيود القانون القاصر أساسأً، تعقد الأمور وتضيف عراقيل جديدة أمام العمل المدني في سورية". وتابعت السيدة زكزك: "وأعتقد أن هذه الحملة غير المسبوقة في التاريخ الراهن لسورية، غير مبررة. وهي مؤشر خطير يتطلب من جميع القوى المعنية بتقدم المجتمع في سورية، حكومية وغير حكومية، العمل من أجل إيقاف الحملة، ومحاسبة من وراءها". وتساءلت السيدة سوسن زكزك: "أين وعود السيدة الوزيرة، التي مضى عليها أكثر من عامين، حول تعديل قانون الجمعيات؟ ولمصلحة من تقوم امرأة في موقع صنع قرار بإجراءات تستهدف الجمعيات التنويرية التي تطرح برنامجاً نهضوياً تحتاج إليه البلاد أشد الحاجة لردم الفجوات التنموية القائمة؟".المحامي عبد الله علي، مدير موقع سوريا للقضاء والمحاماة، وأحد الناشطين في قضايا المجتمع المدني في سورية، علق على قرار حل جمعية المبادرة الاجتماعية بقوله: "إن القرار الصادر عن السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل والقاضي بحل جمعية المبادرة الاجتماعية، يعبر أولاً عن خشونة البيئة القانونية التي تحيط بالعمل الاجتماعي في سوريا، وعن فقدان أسس الحرية والديمقراطية في ممارسة هذه الأعمال.
وتجدر الإشارة إلى عدم دستورية وقانونية القرار الصادر بحل هذه الجمعية لأنه يناقض أولاً نص المادة 48 من الدستور التي أعطت المواطنين "حق" إقامة مثل هذه الجمعيات ولم يتحدث عن إمكانية حلها. كما أن النص القانوني الذي اعتمدت عليه السيدة الوزيرة في إصدار قرارها يعتبر غير دستوري وبالتالي غير واجب التطبيق لأنه يحرم أعضاء الجمعية من الطعن بقرار الحل أمام المراجع القضائية ويحصر طريق الطعن به بالتظلم منه أمام الوزيرة نفسها! أي أن الوزيرة ستكون هي الخصم والحكم في نفس الوقت! مما يخالف أبسط حقوق الدفاع التي استقرت على حمايتها جميع التشريعات العالمية . إننا نطالب السيدة الوزيرة بالتراجع عن قرارها وإعادة الحياة إلى جمعية المبادرة الاجتماعية وأن تأخذ بعين الاعتبار النشاط الكبير الذي تقوم به هذه الجمعية في نشر الوعي وتحقيق الخدمات.السيد معن عبد السلام، مدير دار إيتانا للنشر، وناشط في قضايا المجتمع المدني، قال في تعليقه على قرار السيدة الوزيرة: " من الضروري أن تعترف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بأهمية حركة المجتمع المدني في مجالات التنمية جميعها. وأن يعترفوا بمنظماته كشركاء في التنمية. وأن يكون القانون الناظم لهذا العمل غير جائر، ويدعم ويشجع تفعيل هذه الشراكة. لكن المشكلة أن نظام العمل البيروقراطي في المؤسسات الحكومية لا يسمح أساساً، بحكم بنيته البروقراطية، للعمل المدني (التنموي والخيري والأهلي..) أن يعمل بشكل جيد. فهو قائم على التسلسلية الإدارية التي لا تعترف بغير الأوامر والقرارات. ولعل هذا ما يمنع من تقهم دور وفاعلية منظمات المجتمع المدني في تنمية المجتمع، وأهمية شراكتهم في إدارة المجتمع كبنية اجتماعية واقتصادية وسياسية. والقرار الذي صدر اليوم بحل جمعية المبادرة الاجتماعية هو قرار جائر لا يخدم تنمية المجتمع السوري. ويشكل ضربة قوية للجمعيات والجهات العاملة من أجل تطوير هذا المجتمع".السيدة يمن أبو الحسن، ناشطة في قضايا المرأة، عقبت على قرار الحل باستغراب مبرر "مقتضيات المصلحة العامة"! "فهو مفهوم مطاط يتسع لكل شيء. وسبق للجمعيات أن ناقشت قانون الجمعيات وأبدت اعتراضها على صلاحية الحل الممنوحة وفق القانون الحالي للوزارة. خاصة أن هذه الصلاحية لا تخضع لمراجعة القضاء". وأشارت السيدة يمن إلى أن قرار الحل "لم يقدم أية مبررات لهذا الحل، فيما إذا كان هناك مبررات! ولا ينسجم مع تطور واقع المجتمع السوري، ويتعارض مع ما يطرح حول تنمية عمل الجمعيات وتطويره باتجاه العمل التنموي".من الواضح أن مشكلة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ووقوفها سداً منيعاً بوجه أي تطوير للمجتمع السوري لا يمر من طاولة الوزيرة، ويخضع لما تراه مناسباً، باتت مشكلة تؤرق العاملين في هذا المجتمع! تضيف على إعاقة قانون الجمعيات إعاقة أسوأ وأشد وطأة! فمن منع للدورات والورشات (أكثر من أن تعدّ!)، إلى منع من المشاركة مع جهات حكومية أخرى، إلى رفض منح التراخيص (رابطة النساء السوريات، المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان....)، إلى الضغط على الجمعيات لعمل هذا وقول ذاك، لمنع هذه الجهة من المشاركة في النشاطات أو لتفضيل هذه الجهة على تلك! إلى حل مجالس إدارة لم يعجبها أداؤها ومحاولتها تحسين واقع الحال بما يضرب شبكة المصالح المعقدة بين المتنفذين في تلك الجمعيات والوزارة.. تمضي السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في طريقها الشاق نحو تدمير ما تم إنجازه في ست سنوات من الانفتاح! وبات من الضروري القول أنها لا تكتفي بتدمير الجمعيات الضعيفة أصلاً، عبر خنقها بكل الوسائل، وأيضاً عبر رفض الترخيص لها، أو حلها كما جرى اليوم.. بل إن جزءا هاما من حملتها وجه إلى جهة حكومية هي الهيئة السورية لشؤون الأسرة! وجميع العاملين في الجمعيات والمنظمات السورية والعاملة في سورية يعرفون أن السيدة الوزيرة اعتبرت عمل الهيئة السورية "تعدياً" شخصياً على ممتلكاتها! واعتبرت كل من يتعاون مع الهيئة، بأي شكل كان، هو عدو شخصي لها! هذا الوضع لم يعد مقبولاً أبداً. لا بد من رفع الصوت عالياً ضد هذا السلوك المتناقض مع كل الحديث الرسمي حول تطوير المجتمع والسير حثيثاً باتجاه العمل التنموي. ولا بد للمعنيين من الوقوف ملياً أمام الأثر الكارثي الذي يتسبب به هذا السلوك، ومن يمارسه، ومن يقف وراءه!
بسام القاضي، مشرف فريق عمل نساء سورية- (حلّ جمعية المبادرة الاجتماعية بناء على "مقتضيات المصلحة العامة"!) |