|
نبيل المالح في طرطوس.. وحوار مفتوح مع جمهور النادي السينمائي |
|
|
|
محمد سعيد حسين
|
|
2007-02-06 |
... إنّه أقصى ما تستطيعه نجلا.. أن تشعل النار في كلّ شيء، انتقاماً لأنوثتها المطعونة.. تشعل النّار.. وتنتظر.. تنتظر أملاً آخر.. وخيبة أخرى..
نجلا.. هذه البنت الرّيفية، الفلاّحة البسيطة.. وغير المتعلّمة، التي تتقلّى على قيظ الانتظار.. انتظار فارسها الآتي من أزقّة، أو أضواء المدينة.. لا فرق.. في البدء يلوح شيء من الأمل، عبر هذا المحاسب الطويل النّحيل، القادم من مكانٍ ما، و الذي لا تبدو عليه سيماء الحياة.. الحياة التي تعني نجلا تحديداً.. الحبّ.. لذلك يبدو من الطبيعي أن يحل محلّه أيّ قادمٍ غريبٍ آخر.. فكيف إذا كان هذا القادم نجماً سينمائياً وتلفزيونياً، تشكل مشاهدته ـ مجرّد مشاهدته ـ بلحمه وشحمه، حلماً ، ليس لنجلا، فحسب، بل لأغلب أهل القرية ، إن لم يكن كلّهم..
إنّها (غراميات نجلا) كما أراد المخرج نبيل المالح أن يقدّمها لنا، عبر فيلمه الذي يحمل العنوان ذاته، والذي ينتمي إلى مدرسة "سينما المؤلف" إذ أنّه من كتب سيناريو فيلمه أيضاً.. وذلك في عرض خاص بالنادي السينمائي بطرطوس، بالتعاون مع فرع اتّحاد الكتاب العرب في المحافظة، وبحضور المخرج الذي لبى دعوة النادي لاستضافته بهذه المناسبة.. أحلام.. على النافذة ولكنّ ذلك النجم القادم، إنّما قدم لهدف آخر.. تصوير دوره في عملٍ درامي.. وهنا يحضر طاقم العمل، بعدده وعدّته، في تلك القرية، غرباء مثيرين الكثير من الدّهشة والكثير من التسلية.. والكثير الكثير من الأحلام لنجلا الباحثة عن نافذة تطل من خلالها على المدينة.. وللمختار الذي حقق منهم أرباحاً لم تخطر بباله يوماً، عبر تأجيرهم منزلاً "خرابةً" يقيمون فيه لحين انتهاء التصوير، ومستودعاً "قبواً للدواب" لقاء مبلغٍ يعتبر ثروة بالنسبة لأهل القرية الذين لم يحاولوا إخفاء حسدهم وحقدهم على المختار الذي استأثر بهذه الثروة القادمة من غامض علمه.. ولم يلههم عن حسدهم سوى ممارسة طقوس دهشتهم اليومية بمراقبة عمليات التصوير.. والمحظوظون منهم فقط، حصلوا على بعض المال لقاء مشاركتهم بأدوار كومبارس.. وثمّة فتاة أخرى، أخت نجلا، مقعدة، تبحث عن حلمها الخاص هي الأخرى، وهو المشاركة في سباق خاص بالمعوقين، سيقام قريباً في المدينة... عين "المالح" بعيداً عن تفاصيل أحداث الفيلم، يبدو نبيل المالح في هذا الفيلم مسكوناً بهاجسين اثنين، الأول: إطلاق العنان لكاميراته، في سعيٍ حثيث، لالتقاط جماليات المكان (.. قرية "عين التينة" القريبة من دمشق) بكل تفاصيلها الكبيرة والصغيرة.. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى نجاحه الكبير في تقديم لوحة رائعة لقرية بكر، تصلح جدّاً لتصوير أفلام ومسلسلات جرت أحداثها في النصف الأول من القرن العشرين.. الثاني: إبراز المجتمعين المتمثلين في الفيلم، مجتمع المدينة "طاقم العمل الدرامي المراد تصويره في القرية" ومجتمع القرية، كنقيضين في كل شيء، بدءاً بالجانب المادّي، مروراً بالجانب الثقافي والمعرفي، وانتهاءً بالجانب الأخلاقي والقيَميّ.. وهنا تبدو اللوحة ـ كما وصلت للمتلقي ـ تكاد تقتصر على لونين فقط، الأبيض، والأسود، مع بعض التنويعات التي لم تستطع أن تمحي طغيان تينك اللونين.. حوار مفتوح عقب نهاية العرض، جرى حوار مفتوح بين جمهور النادي، ومخرج الفيلم، حيث بدأ الأستاذ المالح الحديث، باستعراض سريع لتجربته السينمائية السابقة واللاحقة، منوّهاً أنّه يسعى لاستكمال مشروعه السينمائي، عبر عدّة أفلام يفكّر بإنجازها، لعلّ أبرزها على الإطلاق فيلم "فيديو كليب" الذي يعد العدة للبدء بتصويره قريباً، والذي سيسعى لأن يكون ـ يقول المالح ـ محطّة هامة ومفصليّة، ليس في تاريخه السينمائي، فحسب، بل وفي تاريخ السينما السورية أيضا.. ثم فتح باب الحوار.. الذي أظهر تبايناً في الآراء واختلافاً، فمنهم من صنّفه بين الأفلام الرائعة، التي تشكّل محطّة هامة في حياة وتجربة نبيل المالح السينمائية، و رأى بعضهم أن الفيلم تميّز بلغته البصرية على حساب اللغة الدّرامية، بينما ذهب بعضهم الآخر إلى أنّ الفيلم ليس بمستوى اسم ولا سمعة وتاريخ نبيل المالح السينمائي.. ولعلّ الإجماع الوحيد، كان على الإعجاب بالحساسية العالية ، التي تمتّعت بها عدسة المخرج، محققةً نجاحاً مبهراً في إبراز جماليات المكان...
القاص علي صقر رأى أنّ الفيلم يحفل بالإبداع على مستوى الصورة السينمائية، وأنّ البطولة المطلقة هي للمكان الذي استطاعت عدسة المخرج أن تجعل منه تحفةً فنية، ولكن نهاية الفيلم ـ يتابع صقر ـ تشبه إلى حدٍّ بعيد، تلك النّهايات التقليدية التي تحفل بها السينما المصرية..بينما يرى المهندس والفنان نغم عرنوق، أنّ الفيلم كان موفقاً جدّاً، إن على مستوى الصورة، أو الحدث أو على مستوى الإخراج، كما نوّه بعدسة المخرج التي استطاعت أن تدهش البصر من خلال عنايتها بأدق التفاصيل....الناقد عبد الله ديب، من جهته تساءل عن جدوى محاولة طبع الفيلم بطابع كوميدي، عبر بعض المشاهد "المقحمة" التي لم ير ديب فيها سوى محاولة بائسة لاستدرار ابتسامة المشاهد، علماً أنّه ـ أي الفيلم ـ ليس كوميدياً، مضيفاً أنّ الفيلم ليس بسوية الأفلام السابقة لنبيل المالح، الذي أبدع في كومبارس ، والفهد، وغيرهما من الأفلام..الكاتب محمد سعيد حسين، أشار ـ موافقاً الأستاذ عبد الله ديب الرّأي ـ إلى ترهلات إخراجية في بعض اللقطات كأن تبدو "نجلا" التي تدمن على مشاهدة المسلسلات المكسيكية المدبلجة، المنتشرة في الفضائيات العربية، لا تعرف بعد أنّ فرشاة الأسنان يلزمها معجون أسنان، كما تبدو في لقطةٍ أخرى وهي تستخدم الفرشاة بطريقة توحي بأنّها لم تشاهد في حياتها أحداً يستخدم هذا المنجز الحضاري العجيب!!!! في حين تبدو في مشهد آخر، تدرك بداهةً أنّ ماساً كهربائياً بسيطاً، كفيل بإشعال البنزين الذي سكبته بقصد إضرام النار ـ انتقاماً ـ في المكان الذي شهد إهانتها...الناقد معاذ حسن، رأى أنّ الفيلم يمثل لوحةً غاية في الرّوعة، معتبراً أنّه يشكل امتداداً لتألّق نبيل المالح عبر مسيرته السينمائية الطويلة الحافلة بالنجاح والإبداع، ثمّ توجّه بالحديث إلى إدارة النادي السينمائي، منتقداً ـ وهو محقّ في هذا ـ تقصيرها في مسألة الإعلان عن نشاطات النادي، مستغرباً كيف يسمع مصادفة عن طريق أحد الأصدقاء بهذا النشاط النوعي وقبل عشر دقائق فقط من بدء النشاط، علماً أنّه من الرّعيل الأول في النادي، ناشطاً ورئيساً لأكثر من مجلس إدارة سابق..؟!!! وردود.. دمثة لعلّ أكثر ما يثير الإعجاب في شخصية الأستاذ نبيل المالح، دماثته الكبيرة، وسعة أفقه الذي تجلى في تقبّله للنقد الذي تلقّاه فيلمه، مولياً جميع الملاحظات السلبية التي توجّه بها الجمهور، كلّ اهتمامٍ واحترام.. مثبتاً بذلك أنّه من طينة المبدعين الكبار.. وفي معرض ردّه على مداخلات الحضور، أكّد الأستاذ نبيل أنّه يسعى دائماً إلى التجريب في أفلامه، ويتحاشى تقليد نفسه، لذلك لم يحاول الاتكاء على نجاحٍ سابق، أو البناء عليه، وأنّ هذا الفيلم يدخل في هذا الإطار ـ التجريب ـ الذي يحتمل تعدداً كبيراً في القراءات، وبالتالي اختلافاً في مستويات التلقي وتبايناً في الآراء.. ثمّ نوّه إلى أن الفيلم معدّ للتلفزيون أصلاً "فيلم تلفزيوني بلغة سينمائية" ثم تطرّق للفروق الكبيرة بين مشاهدة التلفزيون ومشاهدة السينما، فيما بدا وكأنّه محاولة لتبرير بعض الهنات الإخراجية للفيلم، حيث يرى المالح أن مشاهد السينما يذهب إلى السينما بقصد حضور فيلم، في صالةٍ مظلمة، وبالتّالي فإن تركيزه سيكون كاملاً باتجاه الفيلم، المخرج يدرك هذا.. ويحسب حسابه على هذا الأساس، بينما مشاهد التلفزيون مشتت الانتباه، قد يتحدّث أو يجري مكالمة تليفونية أو يتناول مشروباً أثناء المشاهدة.. يستقبل ضيفاً.. يتابع الشريط الإخباري... إلخ.. كل هذا يجعل المخرج أكثر تراخياً في بعض التفاصيل، أو أقل تركيزاً.. ما يعطي الفرصة للمشاهد بشيءٍ من التركيز، لالتقاط بعض الأخطاء والعثرات في حال وجودها...!!
ثمّ ختم المالح كلامه بتوجيه الشكر للنادي السينمائي بطرطوس على دعوته له، هذه الدعوة التي أتاحت له الفرصة للقاء هذا الجمهور المثقف و الرائع كما يقول...بقي أن نشير إلى أنّ الفيلم من إنتاج شركة إيبلا للإنتاج الفنّي، التي يملكها ويديرها المالح نفسه..
محمّد سعيد حسين ـ عضو فريق عمل نساء سورية- (نبيل المالح في طرطوس.. وحوار مفتوح مع جمهور النادي السينمائي)
|