|
قراءة في رواية "يوم الدين" |
|
|
|
أميرة أبو الحسن
|
|
2007-02-06 |
من غير تسمية للأماكن التي جرت فيها أحداث الرواية، ومن غير إطلاق أسماء على أبطالها، تبدأ رشا الأمير روايتها على لسان راوٍ ذكر.
ومع أني لا أستطيع القول بأن هذه الرواية هي قصة حب، غير أني أرى أنها تعتمد في بنائها وحبكتها وتسلسل أحداثها على قصة الحب هذه.فالراوي ذو نشأة ريفية، وجد نفسه نظراً لظروف فقر عائلته يلتحق بمدرسة قريته التي هي أشبه بالكتّاب من المدرسة. وانتهى كالمئات مثله خريج كلية الدعوة كونها تخصص أجراً لطالبي علمها الجادين في تحصيله. ومن ثم موظفاً في وزارة الأوقاف ودارساً للغة العربية في كلية الآداب في آن واحد.يميز الراوي نفسه عن زملاء الدراسة وعن أقرانه في الوظيفة بمبادئه الأخلاقية التي يعيدها إلى مروءة فطر عليها وإلى التربية الريفية الصارمة التي تلقاها، لا إلى ثقافته الدينية "ولا ما تُجمع شرائع الأرض والسماء على الدعوة إلى اجتنابه" على حد قوله.ويصف الراوي الحال في بلده من خلال وصفه لشيخه الذي جمع بينهما تاريخ من الود المتبادل فيقول:"ولما كان شيخي هذا ممن أصابتهم حرفة السياسة منذ شبابه الأول وتلعّبت بحياته فأدخلته السجن حيناً وقلدته المناصب الرفيعة أحياناً أخرى، ولما كان من مؤيدي "الحركة الإصلاحية" التي تلقفت زمام الأمور في جمهوريتنا المعذبة الحائرة من زمرة العسكريين الذين انتزعوها من أصحابها السابقين،" (ص 41)شيخه هذا يستدعيه في مكان عمله ليكلفه بأن يكون إمام مسجد وخطيبه في بلد آخر، حيث يلتقي الراوي، في تلك البلد، بالمرأة التي يعشقها ويعتبر أنه، هو الجامع بين علوم الدين وآداب اللغة العربية وتاريخها، ولكن بينه وبين الحياة تاريخ مديد من الجهل بها ومن تجاهلها، يعتبر أن ولادته الحقيقية قد تمت على يدي هذه المرأة، ويؤكد على هذه الولادة أكثر من مرة كقوله:"وفي أية حال فما هي أن أتمَّ هذه الأسطر حتى ينتهي الأمر ويكتب في صحيفة أعمالك أنك، بخلاف الأمهات، لم تلديني مرةً فحسب ولكن، مراتٍ، وكل مرة بعمر وكل مرة لحياة جديدة." (ص 12)أما "هي"، فامرأة مثقفة، عاشقة للشاعر المتنبي، سعت إليه "هو" لتستفيد من علمه في مشروع دراسة هي بصدد القيام به حول هذا الشاعر. يخاطبها وهو يسرد حكايتهما قائلاً:"أين أنت الآن يا مولاتي وكيف أنت؟ أبصحبة أبي الطيّب الذي جاء بك إلي؟ والذي ما سمعتك تأتين على ذِكره إلا باسمه أحمد، فعجبت عجباً مكتوماً لشابةٍ ترفع الكلفة بينها وبين هذا القدر الهائل من الشعر والعربية والتاريخ والغموض.في ما بعد، لما عقد المتنبي ما بين هوايَ وهواك، انقلب عجبي إلى ما يشبه الغيرة، ومن أين لي أن أقول غيرةً فحسب، وأنا أغار من ميّتٍ لا أعرف أحداً أحيا منه." (ص 56)يبدأ الراوي رحلة اكتشافه لِذاتِه وجسده ومعنى حريته: "زهاء أربعين عاماً أخذت هذا الجسد على عاتقي، بالتي هي أحسن أخذته، وبالتي هي غير ذلك، حتى ألفني وألفته، فلا هو عاد يتذمر من قعودي عن تلبية حقوقه علي، ولا أنا عدت أؤاخذه على مطالبته إياي تلبية حقوقه تلك إلى أن... نعم يا مولاتي، إلى أن دخلت بيني وبينه، وصرت له يداً لا أقدر على ردها. كيف لا أنقم عليك من بعد أن جرأتني على نفسي وعلمتني أن أفتن بجسدي قدر افتناني بجسدك. كيف ترينني اليوم أدجنه من بعد إذ ضَرّيتِهِ؟" (ص 29)غير أن نقمته هذه لا تدوم سوى لحظات ليعود ويؤكد أن كل الفضل في اكتشافاته يعود "لها":"وإذ لا بد من أن أضيف، أضيف أن كل ما جئت على ذكره حتى الآن مهما كان بيننا يبقى ناقصاً ما لم أف ما تبادلناه من علم حقه. بين ما تعلمته منك وما تعلمته مني لا وجه للمفاضلة. فما استفدته مني لا يعدو بضع قواعد نحو وصرف سيان معرفتها أو الجهل بها، فضلاً أن أي متمكن من النحو والصرف كان كفيلاً بشرحها لك مثلما فعلت أو لربما بأفضل مما فعلت. أما ما استفدته فأقل ما يقال فيه أنه يفوت العدّ والإحصاء. فالزاعم أن للحياة علم يُختم ليس أنا. من قبل أن أبعث على يديك كانت الحياة لا شيء يذكر ويحصى. من بعده نُفِخت الحياة في كل شيء وفي كل الأشياء، حتى أتفهها وأقلها خطرا، وثم عادت لا تغيب عن الذكر ولا تقع تحت حد الإحصاء. لا أبالغ، صدقيني: علم التوحيد سلبني اللـه الذي رأيته في بديع خلقه وأحببته دونما مساعدة من أحد، وحياتي قبلك قبَّحت لي الحياة وسلبتني الشوق إليها... أللـه لم ألتق من يردّه عليّ أو يردّني إليه بل ما التقيت إلا بمن نأيت بنفسي، في سرّ نفسي، أن أشترك في اللـه معهم، أما الحياة فالتقيت بمن ردّها عليّ وردّني إليها وكان ذلك أنت. ولادة ثانية أم بعث أول، إن هي إلا كنايات شاحبة لا تغني بلاغتها الطنانة المريبة عن وصف ما جد من أمري شيئاً فشيئاً بمقدار ما كان الذي بيننا تتوثق عراه. أعرف أنني مهما عدّدت من وجوه الحياة وتفاصيلها التي كان لك الفضل بهدايتي إليها فلسوف يخرج من يقول بازدراء: أهذه هي الحياة؟ على أنه، فلست أستثني من دائرة الحياة شيئاً على الإطلاق ولا يعنيني ما يحتقره الآخرون من شؤونها أو يتظاهرون باحتقاره، على الأرجح لعدم معرفتهم بها واختبارهم إياها. دعك من القراءة التي تعلمتها مجدداً على يديك في ديوان المتنبي ودعك من نقاشاتنا التي متى ما لم أستفد منها فكرةً استفدت منها عبارة جديدة أو استعمالاً حادثاً للفظة معروفة، ودعك من إطلاق بصري الحسير تربيةً صوب أمداءٍ مجهولة، - دعك من هذا جميعاً فهو ليس بيت القصيد. فهذا جميعاً ما كان يسعك أن تُبلغيني إياه لولا ما شَفيْتهِ مما أسميته في مكان ما من استطراداتي هذه "شيخوختي المبكرة". يحدث نعم، أن تراجعني أحياناً عوارض هذه الشيخوخة، بَلْهَ أن توسوس لي وسوسة شيطانٍ خناس ولكن بين أن تراجعني مسارقةً ووسوسةً وأن أصمد لها وأساجلها متسلحاً بما اكتسبته منك، وبين أن تفتك بي أمنة مطمئنة بون شاسع. كل الجدّ الذي ينسب إليّ، وقد ينسب إليه عزّ شيخ الغرباء بعد فاقةٍ وخمول لا يساوي عندي الخفة التي راضتني عليها صحبتك، والتي لولاها لما مشيتها خطى واثقةً أو أكاد إلى حيث أنا الآن. أدين لك بأن بدلت من هندامي، ومن سواك أدرى بأنه ليس من صغائر الأمور أن يقتنع امرؤ بأنه لا عيب في أن يتأنق ولا بأن يتخفف من ملابسه، إلا القدر المريح منها، ساعة لا حاجة به إليها جميعاً، وأدين لك بأن تعلمت بأن ثالث رجل وامرأة وراء بابٍ موصد ليس الشيطان حكماً، وأدين لك بما تيقنته من أن كتب الفقه على المذاهب الأربعة، الخمسة، الستة، ما تشائين، لا تتسع على إسهابها ورطانتها لما يمكن رجلاً وامرأةً أن يدركاه في لحظة تجلًّ!." (ص 388)عشق شيخنا هذا لامرأة مثقفة ذات عقل حر جعله قادراً على مواجهة وإظهار أفكار كانت تدور في عقله الباطن واضطر إلى إبقائها في باطنه لخطورة معناها:"لا سبيل إلى الجمع بين الدولة وبين الإسلام إلا بالانتقاص من أحدهما أو بترجيح أحدهما على الآخر. وإذ يشاد بـ"الأسلمة" كلما حمّتِ الحاجة إلى الاستقواء بالإسلام ترميماً لشرعية سياسية متداعية على أنها بعث لعصر ذهبي، فما يشبه الإجماع على السكوت والكتمان هو ما يسود كلما انتُقص من الإسلام ولو تصوّرَ هذا الانتقاص بصورة حيلة شرعية!" (ص 258)ويتزامن مع رحلة اكتشافه لذاته تزايد الحركة الأصولية التي يصفها بأنها تدعو للإسلام "بالحديد والنار". بينما شيخنا هذا يصل إلى تساؤل بسيط في ظاهره، عميق كل العمق في باطنه:"هل من سبيل إلى التوفيق بين الإسلام وبين مقتضيات العيش في هذا العالم إلا بتعطيل معظم أحكام الإسلام أو في الأقل بسنّ اختيارية الفردي منها، على صعوبة الفصل بين أحكام فردية محض وأخرى جماعية؟ أليس ما نحاول إثباته على الدوام، وفي سائر مرافق الحياة العامة والخاصة، ومن شتى الطرق وبشتى الحيل أحياناً والإغفالات المقصودة أحياناً أخرى، - أليس ما نحاول إثباته هو أن مقاصد الإسلام، إلا متى ما ألجمتنا صراحةُ بعض النصوص، موافقةٌ لمثُل العصر الغالبة؟ - بصرف النظر عن أسباب غلبتها." (ص 429)كتاب يوم الدين لكاتبته رشا الأمير يثير تساؤلات كثيرة حول حاضر نعيشه، تساؤلات حول الدين ووقوعه تحت سطوة السياسة التي احتاجته دائماً في صفها لاكتساب شرعية وجودها وشرعنة نظامها، وتساؤلات حول الحركات الأصولية وقضايا التحريم والتكفير التي عطلت تماماً سلطة العقل التي تحتاجها مجتمعاتنا لتخرج من عصر الظلمات الذي تعيش فيه منذ قرون، وتساؤلات حول المرأة والجنس وفكرة الخطيئة المرتبطة بهما.أما عن الإجابات، فالكاتبة تركت لعقل القاريء أن يستخلصها من بين الأسطر التي تتالت عبر 487 صفحة كونت هذا الكتاب الذي يستحق أن يقرأ بصوت عالٍ، وأكثر من مرة.الكتاب: يوم الدين الكاتبة: رشا الأمير دار النشر: ميريت للنشر والمعلومات الطبعة الثانية، 2003
أميرة أبو الحسن- (قراءة في رواية "يوم الدين")موقع مدن |