SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد
حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأطفالها

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

افتتاحية نساء سورية
إلى ملتقى "النخبة" في فندق الشام: دم لبنى فتاح يضرج صباحكن/م.. فلا تخرجوا حماة للهمجية!

هذا الصباح، 14/10/2008، يفتتح ملتقى خاص بـ"جرائم الشرف"، تنظمه الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالتعاون مع وزارتي العدل والأوقاف، ويبدو أن من يشارك به هم "أعلام وشخصيات علمية وفكرية ودينية واجتماعية وقانونية"! (و"نساء سورية" الذي أطلق أول صرخة مناهضة لهذه الجرائم، وأطلق حملة وطنية لم تتوقف إلى اليوم، وما كان هؤلاء ليجتمعوا اليوم لولا جهود وعمل آلاف النساء والرجال المناهضين لهذه الجرائم، "نساء سورية" هذا من "الرعاع"! فهو لا ينتمي إلى أي من الصفات السابقة! ولذا فمكانه هو في زاوية القاعة ليقوم بـ"التغطية الإعلامية"! والحق أن عدم انتمائنا إلى أي من هذه الصفات وفق "وصفة الهيئة وشركائها"، هو شرف لنا!)..

التتمة..
 
منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
مرصد العنف
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
إخلاء..

جميع الإعلانات المنشورة على "نساء سورية" مجانية، وتقع ضمن نطاق عمله التطوعي
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


"ضيعانو كيف..." صورة الحب عند زياد الرحباني: ذلك الفردوس الأرضي المفقود طباعة أخبر صديق
سامر أبو هواش   
2007-02-06

 "ما في حديث, والجو تعيس, ضيعانو كيف, خلص الحب" ("خلص", من ألبوم "هدوء نسبي" 1985). على الرغم من ظاهره, ليس هذا إعلاناً بانتهاء "الحب", بقدر ما هو موقف من الحب وطريقة فهم له. فالحب بالنسبة إلى زياد الرحباني ليس قيمة روحية أو أخلاقية نهائية, أو جوهراً صافياً قائماً في حدّ ذاته, ليس فقط تلك اللحظة المتوهجة, السحرية, التي تسبق قيام علاقة بين شخصين, أو تصبغ بدايتها, بقدر ما هو اللحظة التالية, أو اليوم التالي, للحب. إنه علاقة الحب, علاقة تجمع بين شخصين من لحم ودم وأهواء وأمزجة, وهي اللحظة التي تتعرض لاختبار دائم بالنسبة إلى زياد. لذلك فإن "خلص الحب" تأتي كاستنتاج أو كنتيجة لـ "ما في حديث والجو تعيس", ولما يأتي بعدها "ما في كلام يعبّر تمام", لا كمقدمة سببية لذلك. العلاقة بين شخصين, بين رجل وامرأة, هي ما يبدو شاغلاً لزياد في ما يمكن أن نسميه تجاوزاً "أغنيات الحب" التي أنشأها تأليفاً موسيقياً وشعراً غنائياً, أكثر مما هو الحب نفسه.

مجال حيوي
يوظّف زياد حسّه الموسيقي والفكري النقدي في معالجته "موضوع" الحب. إنه أحد المجالات الحيوية التي يعكس فيها لغته وخبرته النقدية وقدرته على التواصل مع عصره وأبناء عصره, بالقدر نفسه الذي يشكّل فيه فرصة للبوح الشخصي. قيل وكتب الكثير عن نقد الرحباني الابن لـ "الوطن الرحباني", بالمعنى السياسي والاجتماعي للكلمة. لكن هذا الوطن لم يكن فقط الوطن الفولكلوري, المثالي, وطن القرية, بل إنه وطن لغوي وثقافي أيضاً, هو مزاج ومجموعة أفكار وأحاسيس, هو نظرة إلى الحياة, وطريقة تفكير في الوطن, كما في أشياء وقيم أخرى, منها الحب. في أعمال زياد الرحباني المسرحية يحتل الوطن السياسي والاجتماعي الحيز الأكبر. أما في أعماله الغنائية فيتساوى, إن لم يكن يفوق, التفكير في الحب, ونقد صوره السابقة (والتي لا تزال حاضرة بقوة), مع التفكير في السياسة والاجتماع, وفي بعض الأحيان نجده متقاطعاً معه.

تعبّر أغنية "خلص" عن حالة حزن فردي, مغلف بأسى النهايات, وفي الوقت نفسه تسجّل نقدها العام لمفهوم الحب في الأغنية العربية التقليدية (بما فيها الحديثة ظاهراً, التقليدية مضموناً) ذلك الحب الأبدي, الخارق, الذي يولد عظيماً ويبقى عظيماً وينبغي أن نظل نتعامل معه بوصفه عظيماً, بوصفه قيمة لا تُمسّ. معادلة ينقلب عليها زياد جذرياً بعد سنوات في معادلة منطقية رياضية, معلناً بسوداوية كاملة ما هو أبعد من أن الحب "خلص", معلناً موته: "ما دام أحلى وردة بتموت, والطير مهما علا بيموت, ليش تا هالحب ما يموت.. بيموت" ("بتموت", من ألبوم "مونودوز", 2001 ). لا ينكر زياد الحب أو جماله أو أصليته أو رومانسيته (يشبهه بالورد والطير) لكنه يرفض التعامل البراني التقديسي والرمزي معه, فإذا كان الحب نفسه يموت, فالكلام الإنشائي والبلاغي عنه يموت أيضاً, لا يعود موضوعاً غنائياً بديهياً ودائماً وأبدياً, مثلما كرسته الثقافة الطربية وغير الطربية العربية, ويصبح نقاؤه المفترض, أي أساسه الجوهري, موضع نقد محتمل. الحب هو "وطن" أيضاً يحتاج إلى نقد (وإذا لزم الأمر إطاحة) السياسات والثقافات التي تحكمه. هذا يصحّ أكثر فأكثر لأن زياد لا يتحدث عن الحب كقيمة مطلقة, بل عن علاقة حب, عن رجل وامرأة. فهو لا يتطرق حتى في "خلص" لـ "الحب", بل يصور حالة بين شخصين تربطهما علاقة (ما في حديث...), وفي "بتموت" يحكي أيضاً عن "هالحب", أي هذا الحب.

الأغنيتان السابقتان هما بصوت نسائي (وهذا عنصر سأرجع إليه بعد قليل), وكذلك أغنية "هيك بتعمل هيك" (من ألبوم "بما إنو", 1996), التي تبدو فيه صورة الحب/ العلاقة (قبل أن يموت), أو فهم زياد له, أكثر وضوحاً:

أنا عم فكّر إبقى أنا واياك
ليك
ليه عم تعمل هيك".

لكن هذه يغنيها صوت حائر بين الذكورة والأنوثة, إنه صوت الاثنين معاً, الرجل والمرأة, غير القادرين على تدبّر شؤون علاقة الحب المعقّدة وغير المنطقية, وغير المتوقعة. فطرف العلاقة الثاني هنا يعبّر عن عزمه ورغبته بالبقاء مع الشريك, لكن سلوكيات هذا الأخير تحول باستمرار دون ذلك. ويضيف الصوت في المقطع الثاني "أنا عم فكّر حبّك وينك ليك/ ليه عم تعمل هيك", فلا يقول إنه يحبّه ذلك الحب المطلق والنهائي الذي لا يتزعزع, بل إن هذا الحبّ (الذي يفكّر بمبادلته إياه) مهدّد بألا يتحقق أساساً, لا بأن ينتهي, لأن الحب ليس جوهراً خالصاً, ليس لحظة بداية إيمانية ثابتة, إنه صيرورة وسياق يخضع للشك والسؤال, والتبدل والتحول, وصولاً إلى لحظة الضدّ (أي الكره, أو الملل أو النفور أو حتى الموت), إنه علاقة حب.

الحب ليس مقدساً
شكّل زياد الرحباني عبر أغنياته هذه, وهي كثيرة, منذ مطلع السبعينات من القرن الفائت, منعطفاً جديداً في أغنية الحب اللبنانية والعربية, حساسية جديدة تماماً, لم تتمكن أكثر الأغنيات الشبابية المعاصرة (أغنيات الفيديو كليب) الوصول إليها إلا فيما ندر. من "بعتلك يا حبيب الروح" (ألبوم "وحدن", 1979), إلى "ولّعت كتير" (من "مونودوز") رحلة,, قطعها زياد بين ما يبدوان للوهلة الأولى نقيضين, وإن اجتمعا في النهاية عند نقطة واحدة. تحطيم تمثال الحب هذا, الذي رسخته الوجدانية الغنائية العربية (المصرية واللبنانية على حدّ سواء, بما في ذلك مع الأخوين رحباني), يبدو هاجساً دائماً لدى زياد, ينسجم مع فكره النقدي أساساً, تجاه كل ما هو متوارث وثابت (فكرة الوطن مثلاً), لكنه يتخذ في مجال الحب بعداّ أكثر حميمية وشخصية. بعض الأغنيات يبدو سيرة ذاتية مقنّعة أو معلنة لزياد, على غرار "مربى الدلال" و"بصراحة" و"إن فير شينو" (حكايته غير المباشرة مع زوجته السابقة دلال كرم), وبعضها الآخر هو بناء مستمر حول الفكرة نفسها, إخراج الحب من حيز الفكرة المقدسة وطرحه في أرض الواقع, وهذا لا يعني إنكاره أو نقده بالمطلق, بقدر ما يعني التعبير عن أحواله و"صوره" الحقيقية, التي يكابدها الأفراد حقاً, لا في سعيهم إلى حالة الحب المثالي, بل في معايشتهم لهذا الحب ونتائجه, خصوصاً حين يجتمع شخصان تحت سقف واحد, في الزواج أو ما يشبه الزواج, وهذه ناحية أخرى تميّز أغنيات "الحب" عند زياد, أي الكلام المستمر عن العلاقة التي تنتهي (أو لا تنتهي) إلى الزواج أو الارتباط الدائم والتعقيدات التي تنشأ عن ذلك, وهي فكرة كان بدأ يعالجها في مسرحيته الشهيرة "بالنسبة لبكرا شو؟" (التي تضمنت أغنية "عايشة وحدها بلاك", 1978). فكلام الحب جميل, لكن ماذا بعد؟ ماذا بعد أن يرتطم الحب بالواقع؟ بالظروف الموضوعية؟ بمسائل مثل المال, واليومي؟ ما الذي يصمد؟ وبأي كلفة؟ كان زياد انتبه إلى هذه الأسئلة في واحدة من أغنياته المبكرة وأكثرها رومانسية, إذا جاز القول, أي "بلا ولا شي" (هدوء نسبي), التي بقدر ما تستحضر الحب الصافي, الخالي من الشوائب, تستحضر هذه الشوائب, ليصبح "وحدك, بلا ولا شي", نوعاً من نداء الاستغاثة, الذي يعكس استحالة هذا النوع من الحب, أو على الأقل العوائق الهائلة التي تقف في وجهه, أكثر مما هو واقع محقق. ولذلك تبدو هذه الأغنية حزينة وتزول عنها صبغتها المتفائلة (بالمعنى الاحتفالي بجوهر الحب) حين ندرك أن الطرف الثاني (أي المحبوب) متواطئ مع الأسباب التي تحول دون الوصول إلى الحب الصافي, وأنه جزء منها: "بلا جوقة إمك بيك, ورموش ومسكرا/ بلا ما النسوان تحيّك/ بلا كل هالمسخرة". الدعوة الرومانسية الكبرى التي يطلقها زياد "تعي نقعد بالفي/ مش لحدا هالفي" هي في واقع الأمر نداء لحيز يعرف صاحبه أنه ضائع, فتأتي تتمة العبارة: "حبّيني وفكري شوي", وكأنه يقول للمحبوب لمحاً ما قاله له بعد سنوات مباشرة "ليه عم تعمل هيك؟".

المرأة الأرضية
المرأة, بحسب وصف زياد لها, في إحدى حلقاته الإذاعية الشهيرة "العقل زينة" على "صوت الشعب" خلال الثمانينات, هي: "خسّة بقلب خسّة بقلب خسّة", أي أنها كائن معقّد, يصعب فهمه والتعامل معه, وهذا عَكَسه إلى حدّ ما في بعض أغنياته. امرأة زياد هي "مواطنة" لبنانية أيضاً, لا يعفيها من نقده لها, خصوصاً في مجال العلاقات العاطفية. المرأة أو الفتاة التي يصفها زياد, ليست تلك التي تسقط مغشياً عليها عند الوقوع في الحب, ليست امرأة تعتمد على الآخر (الرجل) لكي تعيش وتستمر في العيش, أي ليست امرأة تقليدية (وإن كان ينتقد في بعض الأغنيات تقليديتها, بالمعنى اللبناني للكلمة), ولا هي بريئة, إنها امرأة (تبدو) مستقلة, و(تبدو) مكتفية بذاتها, ويمكنها أن تمارس على الرجل ما كان يمارسه عليها هو سابقاً من إهمال وظلم وقهر وحتى استغلال. امرأة زياد الرحباني ليست فكرة عن المرأة, وليست تجسيداً للحب والبراءة وحتى الإخلاص. فهي في الحدّ الأدنى يمكن ألا تبالي به "بتحبها أيه بتحبها, لكن هيي فيك يمّا بلاك/ عايشة وحدها بلاك", ويمكنها أن تغدر به "اذكري بس شو كنت نضيف معك" (بصراحة), وأن تتخلى عنه أو تهمله من أجل رجل آخر "كل الإشيا الحلوة فيكي بتعطيها إلو/ وما بتعطيني شي/ ومش طالعلي شي/ إلا إنو تبكي عندي لما تزعلو", وهي امرأة واقعية وعملية لا تؤمن بكلام الحب الفارغ "شو هالحب اللي واعدني فيه/ شو هالحب اللي بس بسمع فيه/ بتبلش حب وما بتكفيه" ("تنذكر ما تنعاد", من "ولا كيف"), او "ما منيحة الرسالي/ ولا الحب بالخيالي..." ("ما منيحة الرسالي", من "مونودوز"), وهي امرأة مبادرة (أغنية "إن فير شينو", من "مونودوز"), ومتطلبة (لا يكفيها أن يحبها الرجل بل تريد حياة "طبيعية"):

قلي كيف ممكن تسكن بنت
عندك إنت
قلي شو بتعملا...
ما في لوسيور
ولا جايب مازولا (ولّعت كتير).

الرجل هنا هو الحلقة الأضعف, وهذا ملمح آخر من ملامح سيرة زياد الذاتية مع المرأة, حيث نجده باستمرار يقلب الأدوار, فهو الضحية وهي, إن لم تكن جلاداً, فليست على الأقل ضحيته. نرى أن المرأة مثلاً, تلك المستقلة القوية, هي التي تطمئن الرجل على حبها له, وهذا أيضاً يندرج ضد السائد في الغناء العربي, فها هي تخاطبه في "عندي ثقة فيك", من ألبوم "كيفك إنت": "عندي حلم فيك عندي ولع فيك/ بيكفي شو بدّك إنو يعني موت فيك... بكتب شعر فيك بكتب نثر فيك".

امرأة زياد كما أشرنا ليست واحدة, ليست على صورة واحدة, ولذلك نجدها تنتقل من نقيض إلى آخر, حيث تبادل الأدوار بالكامل, بين الأغنية المذكورة وأغنية "في شي عم بيصير" من الألبوم نفسه:

بتسأل عليي كتير وبتحبني
بعرف هالحكي حافظة هالحكي
كل الحكي حلو ومع إنو حلو
ليش إحساسي بيضل يقلي لأ
في شي عم بيصير
في شي بدّو يصير

امرأة زياد مجرّبة (ضد السذاجة والبراءة), شك هذه الحبيبة ليس نابعاً على الأرجح من تشاؤم مطلق, أو من مجرد حدس غامض, بل من تجربتها أو تجاربها في الحب, التي تجعلها تنتقل من مجرد خشية انتهاء العلاقة (الحب) إلى الجزم بذلك.

علاقات المدينة
فتاة زياد الرحباني هي, بالتالي, فتاة مدينية بامتياز, والقيم التي تحملها حول الحب هي القيم المدينية, بكل تناقضاتها وجمالياتها. هي فتاة حديثة يسهل علينا أن نتخيلها بالجينز والتي شيرت, تخوض في شوارع المدينة وأمكنتها وعلاقاتها, ولا تقف ساهمة وراء نافذة البيت, متأملة الأشجار والسماء والقمر, منتظرة الحبيب, أو متذكرة إياه ومتفجعة على غيابه أو هجرانه لها. هي امرأة شارع مديني, ومطعم مديني, وبيت مديني, وغرفة مدينية. أجواء زياد الموسيقية ترسم باستمرار مثل هذه الأمكنة, وأحسب أن هذه إحدى الإضافات الجدية التي قدّمها زياد لفيروز, أي أنه حولها إلى امرأة مدينية بالكامل, لا امرأة فيها ملامح مدينية, بينما يرجع مكانها الصميمي إلى الريف, كما في كثير من نتاج الإخوين رحباني. لأن هذه النقلة إلى الحيز المديني لا تتوقف على المكان المديني وحده (وهو متوافر في عدد من أغنيات فيروز مع الأخوين رحباني), بل تنطلق إلى رحاب العلاقات المدينية المتشابكة. أغنية "يا ريت" مثلاً ترسم بيتاً لا يمكنه إلا أن يقع في الريف, في مكان ناء ومعزول "يا ريت إنت وأنا بالبيت/ شي بيت أبعد بيت/ مرمي على حدود الدني", حتى إنه بيت رمزي, لامكاني, سماوي, هو بيت الحب وفكرة الحب, ليتحول هذا البيت مع فيروز زياد إلى مكان فعلي لا يمكن تصوره إلا في المدينة: "يا ريت بيتك كان منو بعيد/ والباب تحت البيت مش حديد" ("شو بخاف", من "ولا كيف"). فعلى الرغم من أن هذا البيت بعيد أيضاً, فإن العائق الجدي هنا هو بابه الحديد, الواقع أسفل المبنى, أي أنه ليس بيتاً مفرداً, يمكن الطرق عليه فيسمع صاحبه وحده ويجيب. البيت هنا أيضاً هو بيت رمزي يعكس غياباً, لكنه في الوقت نفسه بيت واقعي. والأجواء المدينية تنعكس أكثر في المكان (الواقعي التصويري/ الرمزي)الذي تتحدث منه الحبيبة "شو بخاف/ دق عليك وما لاقيك/ شو بخاف بنص الليل ما حاكيك/ شو بحس الليلة صعبة/ بسمعها ضربة ضربة/ بيخطرلي آخد حبّة/ تا إقدر نام". الأجواء الليلة هذه, حبة المنوم, و"العلاقة" المفترضة بين الشخصين (وهي لا تبدو علاقة زواج بالضرورة, بل علاقة حميمة وحرة بين حبيبين), هذه كلها ترسم بطريقة تصويرية لا يبرع فيها أحد مثل زياد الرحباني, مكاناً مدينياً, يسهل أن نتخيل ألوانه وديكوره الداخلي, إنه مكان الحب الآخر, مكان علاقة الحب, القريبة والمباشرة, لا الميتافيزيقية والأفلاطونية.

السخرية, وهي من أهم أدوات زياد التعبيرية, وإن كان يساء فهمها أحياناً, هي أيضاً من تعبيرات المدينة. يجتمع المكان واللغة المدينيين وصورة المرأة الحديثة عند زياد بصورة نموذجية أحياناً, كما في أغنية "لا والله": "ما بتعمل شي علناً/ كلو ع السكيت/ حاجي تنفخ دخنة بوجي/ ولو بتدخن لايت... كرسي كرسي يا حبيبي/ من الحيط للحيط/ زرت الشارقة وقطر ومسقط/ جدة والكويت/ ورجعت منفض ولا قرش/ مجمع ولا خبيت" (ألبوم "ولا كيف"). هذا الرجل الذي تناديه فيروز "حبيبي" في هذه الأغنية, هو شريك فاشل في العلاقة, مطلق وعود لا ينفذها, وفي الوقت نفسه يمارس كل الإكسسوار الرجولي الاعتيادي (كما في أغنية "ولعت كتير"), وهو في الوقت نفسه لبناني حديث, ينتمي إلى زمننا الراهن, أحد أولئك الذين سافروا إلى "الخليج" لتحقيق الثروة المشتهاة والعيش الرغيد, لكنه أخفق في ذلك. صرخة فيروز في وجهه "ولك بس هو هي/ وين بعلمي العقل كبير" هي صرخة تاريخية بمعنى ما, المرأة فيها تقول للشريك الرجل إنه ما عاد يستطيع لعب الأدوار السابقة نفسها, تحديداً لأن المرأة الشريكة لم تعد أسيرة صورة الحب, ولا صورة المجتمع عنها وصورتها عن نفسها كامرأة بريئة وساذجة, تحب وتعطي بغير حساب.

حس أنثوي
غير أن المرأة في مراحل متقطعة من نتاج زياد الرحباني, ليست فقط "خسة بقلب خسة", ليست لغزاً, ولا هو فقط الرجل الضحية. الاثنان معاً نجدهما غالباً على أرض واحدة, مشتركة, أرض فقدان الحب (اللغز الحقيقي), والمقصود به دائماً عند زياد, علاقة الحب. الانغماس في الواقع والبحث عن المظاهر والصور الموضوعية للحب, ونزع القدسية والقيمة المطلقة المجردة عنه, لا يعني عدم رثائه في نهاية الأمر كما في أغنية "بتموت". الأمران يأتيان معاً كأنهما وجهان متمّمان لبعضيهما. في شريط "كيفك إنت" نجد أغنية حنونة (على الرغم من الأسى فيها) مثل "كيفك إنت" وواحدة ساخرة متحدية مثل "مش فارقة معاي". في الأغنيتين الحبيب ليس هنا, ليس حاضراً. بالأحرى الحب ليس حاضراً, إلا في أثره, أي في افتقاده. عدد كبير من أغنيات زياد الأخيرة (مع فيروز خصوصاً) يقوم على هذا الحسّ بالافتقاد, حتى حين يكون الطرف الآخر لا يزال حاضراً, كما في "مش كاين هيك تكون" التي تذكّر بـ "ضيعانو كيف خلص الحب":

"يا ضيعانن راحوا شو ما صار لكن راحوا مش سامع غنية راحوا". فالنكهة الساخرة للأغنية, واستحضار مفردات الحياة اليومية (صابون, يانسون, صالون... الخ) لا يخففا من ثقل الحس بالفقدان فيها. وهي بذلك تتساوى مع صباح ومسا":

"صباح ومسا
شي ما بينتسى
تركت الحب
وأخدت الأسى".
أو "ولا كيف":
"بترجعلي كل ما الدني بدا تعتم/ متل الهوا اللي مبلش عالخفيف/ وبعدو أليف/ بعدك ظريف/ بعدو بيعنيلك/ متلي الخريف".

أغنية تتقاطع مع "كيفك إنت" وحتى مع أغنية أخرى ساخرة النكهة مثل "ينذكر ما ينعاد":

"ينذكر ما ينعاد/ ويصيروا الإشيا بعاد/ وتسافر غير بلاد/ تا تنساني". أو "اشتقتلك": ورغم الغلطة وما حلا وقصتنا يللي حلا إنو ننساها كلا اشتقتلك/ وهيدي السجرا العتيقة يللي ما كنا نطيقها حبيتا واشتقتلا واشتقتلك".

هذه الحساسية الأنثوية لدى زياد, نابعة على الأرجح من حلّه ذلك اللغز القديم, لغز المرأة التي ليست بالضرورة كائناً معقداً مستعصياً على الفهم, إلا لأنها إلى هذا الحدّ متمسكة بـ "الحب", أو بالحب خلال ما يفترض أنه علاقة الحب. وهو تمسّك يجد الواحد منا (الرجل) نفسه عاجزاً أمامه, ومنكراً باستمرار لأهميته.

في تحويله الحب إلى مزاج مديني بالكامل, استغنى زياد عن ذلك المزاج الاحتفالي الطقوسي في أغنيات الحب العربية, اقترب من العالم الجوّاني للمرأة, تقمّصه واقتبس لغته, ليتمكن من أن يعكسه بصورة أكثر صدقاً وواقعية, وأكثر التصاقاً به وتعبيراً عنه في الوقت ذاته.

لعل هذه بعض دروس زياد الرحباني التي لم تستوعبها بعد الثقافة الغنائية العربية المعاصرة التي تنتج في المرحلة الراهنة فيضاً من الأسماء الشابة, حديثة الهيئة, وكلها بلا استثناء تغني "الحب", من دون أن تضيف مجتمعة أي بعد أو مزاج فردي أوة مديني, ومن دون أن تثير أي أسئلة جديدة, كتلك التي طرحها زياد الرحباني, فيما بات يمكننا اعتباره تراثه الغنائي والموسيقي الخاص, ولغته الفريدة في معالجة موضوع الحب.

سامر أبو هواش- شاعر وكاتب فلسطيني- ("ضيعانو كيف..." صورة الحب عند زياد الرحباني: ذلك الفردوس الأرضي المفقود)

المصدر: موقع كيكا - (عن ملحق النهار)

 
أهلا بك..   

*- جميع التعليقات تخضع لالتزامات "مرصد نساء سورية".. للمزيد يمكن مراجعة: من نحن

    *- هذا النظام للتعليق فقط. إذا رغبت بالنقاش، يمكنك المشاركة في منتدى نساء سورية
*- الحد الأقصى للمشاركة 1000 محرف (150 كلمة تقريبا)
 
أضف جديد
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
عنوان التعليق:
 
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow:
 
رجاء ضع الكود الموجود في الصورة الجانبية

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
< سابق   تال >

مدخل
الصفحة الرئيسية
الافتتاحية
مرصد العنف
مجالات المرصد
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 6297
عدد القراء: 4409642



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.