|
شروق... إحدى ضحايا المجتمع الخاطئة |
|
|
|
فلورنس غزلان
|
|
2006-03-19 |
خاص: "نساء سورية" في جحيم زواج سريع جاءها كالصاعقة، سقطت شروق ضحية سياط الكلمة التي لاحقتها في سنينها الأخيرة من حياة العزوبية التي طالت.. بعرف التقاليد .."عانس"! كي تهرب من الدار الممتدة بمساحتها.. المترامية بأفراده أو أصواتها التي لا تهدأ إلا في ساعات الليل الأخيرة، محيلة ليلها كابوساً متواصلاً بكل ما تحمله سلتها النهارية من عبارات تمزق فيها القلب وتحرق الروح، تحيلها هشيما تذروها ريح الوجع والألم... مفردات نساء أخوتها اللاذعة والمسلطة نحوها كحراب غدر وشماتة... أو نظرات أمها المسكينة وحبسها لدموعها عائدة من التسوق... لاعنة بالخفية والعلن "خلفة البنات!!" تداري شوق مشاعرها وتلوذ بصمتها... تبث أحزانها وعذابها... لمخدتها "توأم روحها الوحيد"، بعد صدمتها الكارثية من حبيب أشبعها معسول الكلام... ورحل.. تركها نهبة للصراع والوجع... نهبة لمشاعر متضادة تلعن بها عمرها وحظها العاثر... رفضت خلالها الكثيرين من "أبناء الحلال" من أبناء الحي والمنطقة...كانت تهواه هو... تريده هو... تبني قصور أحلامها المستقبلية معه... ترى فيه حبها الكبير وفارس أحلامها المنتظر... عولت عليه وعلقت آمالها فيه... لكنه رحل تاركا لها جملتين قصيرتين... "خطبت لي والدتي ابنة أختها.... أرجو لك مستقبلاً أفضل مع غيري، لا يمكنني تحدي رغبة أمي....!!" تحدت شروق كل العيون الفضولية والتساؤلات من حولها... لقد اختاره قلبها ولم تعتقد أنه سيخذلها... هو والد أبناءها ومعه فقط ستبني عش الزوجية... فات قطار العمر أو كاد... إنها اليوم عانس الحي دون منازع... انطوت تجرجر خذلانها وفشلها وتلعن ضعفها أمامه... لكن لا حيلة تملكها فطيبتها المعهودة جعلتها... ربما تغفر وتتفهم ضعف الرجل أمام أهله كما هو ضعفها أمام محيطها... هذا ما نشأت عليه... ولا خلاص... فسرته بالحظ... ولعنت الحظ!!!! غرقت في عملها... الذي تحب وتحترم فيه من كل زملائها وإدارتها.. شاءت الظروف أن تختارها الإدارة "حيث تعمل" لدورة تدريبية مهنية في العاصمة، هناك... التقته في منزل زميلة لها دعتها لتناول الغداء... كان قريباً لتلك الزميلة...دخل معها في حديث استجوابي وجريء... للمرة الأولى تلتقي شخصا بهذه الجرأة من الطرح... وبدأها بأسئلة شخصية... لماذا لم تتزوجي حتى الآن ياشروق؟؟؟!! خرجت الكلمات من فمها بغمغمة واضحة ... أنه النصيب والقدر لا أكثر....من خلال الاستجواب والاستنطاق الذي استمر طيلة الجلسة استطاع هذا الفضولي المغرض أن يعرف كل ما يريد عنها.. عن أسرتها.. عملها.. وضعها... إذن وصل لمبتغاه... ودون تردد يذكر وقبل مغادرته... تقدم منها وبكل ثقة قال... أتقبلين بي عريسا وشريكا لحياتك؟؟ فأنا أيضا أبحث عمن تماثلك.... عرف نقطة ضعفها وسر انطوائها رغم ضحكتها التي تلازم وجهها الصبوح... ورغم أنها ترى أنه يصغرها بأعوام!!! وبعد خجل واحمرار وتلعثم .. لا تدري كيف أسعفها خوفها من العنوسة لتنطق وتقول : ـــ نعم أقبل بك زوجاً وما عليك سوى التقدم من أهلي... سأضمن موافقتهم!! بعد خروجه... كانت الدهشة والعجب ينصبان على زميلتها، ودون تباطؤ ومن فورها حذرتها منه... وقالت بكل صراحة... انه لا يستحقك يا شروق.. ولا تعرفينه... لا ترتكبي حماقة بحق نفسك تندمين عليها فيما بعد... حتى لو كان قريبي... لكني لا أرضاه لك!!! أغمضت شروق عينيها وسدت أذنيها... وراحت تحلم.. فقط بالخلاص... لن تلتصق بها تسمية الحارة بعد... لن تكون عانسها أبدا... ستكون مثل كل نساء الأرض... امرأة... زوجة... تملك بيتاً وأسرة... عندها أولاد تحبهم وترعاهم... عادت لمدينتها... لم يطل بها الانتظار. بعد أسبوعين فقط... زفت إليه عروساً... أغلقت كل محاولات الأهل للسؤال عنه... رفضت أن يذهبوا بعيداً لمعرفة من يكون... طلبت معونة أمها... ومساندتها.. كانت هي أيضا تود الخلاص منها ومن "همها".. سارعت بسلق الوقت... وسلق الموضوع... وكان لشروق ما تريد... حملوها اليه... حيث لا يعرفون.. لم يروا بيته قبل اليوم الأول للزفاف!! عادوا وكأن على رؤوسهم الطير... بكى شقيقها الأكبر... ولام أمه وعنفها! لكن لا مجال للوم الآن... رغم وجعهم لمرأى منزلها البعيد وسط الحقول في أقصى حدود ضواحي العاصمة.. تحيط به الكلاب الضالة... لكن شروق كانت باسمة راضية... تتصور أنها بإمكانياتها ستجعل منه جنة، وبمساعدته سيكون لهم منزل الحب والحنان... لا يهم المكان، وإنما من فيه... بذلت كل جهودها وحذاقتها وقدراتها الفنية لتصنع بيتاً جميلاً... وأسرة طالما حلمت بها...كانت تعاني الويل والمر... ..لتصل لأقرب مدينة ..حيث تعمل...لكنها ..راضية... كان يعمل يوما ويخرج بحجة البحث عن عمل أياماً... يسحب منها كل ما لديها من مال.... باعت كل حليها ومجوهراتها التي اقتنتها من مرتبها خلال عزوبيتها الطويلة... كانت مجبرة لتؤمن لطفليها مستلزماتهم... وغذاءهم... لاحظت والدتها في زياراتها المتكررة.. هزالها.. وذبولها... لكنها كانت تجيب... بابتسامتها المعهودة... وحججها التي باتت تكبر مع الأيام ولم تعد مقنعة للأهل... أقنعته أخيراً بالذهاب معها إلى بلدتها الأم.. وهناك سيجد عملا بمساعدة أخوتها.. وسيجدون بيتاً أفضل مما هم فيه... في بلدتها... كان الوضوح أكبر... لم يستقم بأي عمل وفروه له... لم يتعود المسؤولية ولا الالتزام الأسري... صار يختلق الأعذار.. والنزاعات مع أرباب العمل ليتركه بعد أيام... ويعود ليأخذ ما بحوزتها... بحجة البحث عن عمل في العاصمة!!! صار يبتعد عن المنزل أكثر وأكثر... وأيامه بين أطفاله ومعها باتت تتضاءل!! لم يعد بحوزتها مالا... راتبها بعد أيام معدودة يذهب لمتطلبات المنزل والأولاد... لأول مرة في حياتها صارت تستدين... لكنه لم يتوقف... كثر النقد من أخوتها.. وكثر اللغط من حولها... لم يعد يحتمل تدخلهم.. صارت تواجههم بحجة محافظتها على بيتها.. وباعتقادها أنها ستبقيه معها والى جانبها... انه زوجها ووالد أطفالها... لكن عبثا ذهبت محاولاتها... ذات يوم... خرج الزوج ولم يعد.. هذه شروق... وربما مثلها الكثيرات... من ضحايا النظرة المجتمعية للمرأة، وضحايا أقنعة الزيف، وتصوير الزواج والمدرسة الزوجية على أنها بر الأمان "وستر المرأة"! لا أدري سترها ممن؟! وضحية ثقافة مجتمعية خاطئة... كانت شروق على الأقل مسؤولة عن نفسها... صارت اليوم مسؤولة عن أسرة... وحيدة تصارع الزمن! فقط ليقال أنها تزوجت وانسترت ولم تعد " عــــانســـاً "!! باريس في 29/11/2005
|