|
الجمعيات المهتمة بالأسرة والمرأة في سورية: من الخيري إلى التنموي.. مسيرة طويلة وشاقة |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2007-01-31 |
ربما من الضروري أن نوضح أولاً أن العنوان لا يعني تقليلاً من أهمية العمل الخيري ودوره. فهو أساسي في المجتمع.
ليس لأنه يقدم مساعدات مباشرة (عينية ونقدية) لأناس يحتاجونها حاجة ماسة وحسب، بل لأنه طور، عبر زمن طويل، آليات للتواصل مع الناس والتفاعل معهم تتضمن الكثير من الجوانب الإيجابية التي يجب أن تدرس جيداً، وتطوّر، وتعمم الاستفادة منها على كافة أوجه العمل المجتمعي وأشكاله. إلا أن المشكلة الأساسية في العمل الخيري هي حين يقف وحيداً في الميدان. فهو، حينئذ، يكرس جملة من السلبيات يقف على رأسها التواكل والتكاسل. ليس للفئة المستهدفة فحسب، بل أيضاً للجهات المانحة. فالفئة المستهدَفة تعتاد على تلقي المساعدات دون أن يكون مطلوباً منها فعل شيء مقابل ذلك. ودون أن يجري تعليمها كيف تطور نفسها وتستغل مواردها، أو توجد موارد مناسبة لتطوير وتنمية واقعها. وبالتالي تبقى مرهونة بحركة التبرعات والجهات الوسيطة التي توصل إليها التبرعات. بل تشير ملاحظات أشخاص عملوا في هذا المجال، أنه ليس نادراً اعتبار بعض المتلقين لهذه المساعدات أن تلقيهم لها هو ((حق)) لهم! بكل ما يستتبع ذلك من نتائج نفسية وسلوكية سيئة. والفئات المانحة، سواء كانت جهات أم أفراداً، تعتقد أنها ((أدت واجبها، وأرضت ضميرها)) بتقديم التبرعات! وبالتالي لا تلتفت إلى تقديم ما يساعد الفئات المستهدَفة على إيجاد مصادر دخل مناسبة ودائمة، بل وممكنة التطوير. وبما أن الفئات المانحة التي نتحدث عنها هنا هي متمكنة اقتصادياً، وليس على مستوى تقديم بضع ليرات لمتسول مثلاً، ينعكس اعتبار ((أداء الواجب)) هنا بإخراج الفعاليات الاقتصادية من جانب مهم من التنمية، وهو تطوير القاعدة الاقتصادية للناس عموماً. وهو أمر ينعكس سلباً على الاقتصاد عموماً، وعلى اقتصاد البلدان النامية خصوصاً. والعمل التنموي هنا، ببساطة هو تأمين المتطلبات الأساسية لتتمكن الفئة المستهدفة من تأمين مستلزماتها بنفسها، وتطويرها بما يتلاءم مع وضعها، كخطوة أولى نحو مشاركتها الفاعلة في المجتمع. وهذا يشمل تقديم الخبرات وتطوير المهارات، وأيضاً تأمين نقاط ارتكاز أساسية لبدء العمل. ومن المهم هنا إيضاح أن المستلزمات التي نقصدها لا تعني تلك التي تؤمن دخلاً مالياً فحسب. فتطوير مهارات العمل، والاتصال، والصحة، والتربية.... كلها جوانب أساسية في العمل التنموي. إذاً، فإن تطوير العمل الخيري إلى تنموي لا يعني إلغاء الأول. بل يعني إضافة بعد آخر له يجعل من المساعدات العينية والنقدية مجرد وسيلة مؤقتة. بينما الأساسي والدائم، والقادر على توليد فرص تطور لآخرين هو الثاني. وبات واضحاً أن الاتجاه إلى التنموي ليس خيار الناس العاملين في هذا المجال وحسب، بل خيار الحكومة أيضاً. فقد شهدنا تأكيدات مستمرة خلال العام المنصرم، خاصة من د. ديالا الحاج عارف، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، على ضرورة هذا تنمية هذا الجانب. وإن كان ما تحقق حتى الآن في الواقع يبدو أقل بكثير مما يطمح إليه الجميع. الواقع أن الخيري هو الذي ساد خلال العقود الماضية في بلدنا، لأسباب كثيرة لن نتطرق لمعظمها. ليس هرباً من تسمية الأشياء بمسمياتها كما يحلو للبعض أن يعتبر، بل لاعتقادنا أننا بلد يمر بظروف انتقالية متسارعة على أكثر من مستوى. مما يجعل الكثير من الاعتبارات التي كانت قائمة قبل عقدين من الزمن، لاغية عملياً. وتكاد لا تفيد سوى المؤرخين والباحثين الأكاديميين. وكلاهما ليسا مجالنا الآن. وما سنتطرق إليه الآن هو فقط العوامل التي نعتقد أنها ما تزال سارية المفعول. من بين هذه العوامل انتشار ثقافة شعبية واسعة تعتمد مفهوم ((عمل الخير)) بصفته تقديم مساعدة عينية أو نقدية. وهي ثقافة انتقلت من مستواها الإيجابي المعتمد على أن مساعدة الآخرين هي واجب على كل واحد فينا، إلى مستواها السلبي المعتمد على أنه لا علاقة لنا بالآخرين إلا تقديم بعض المساعدات بين الفينة والأخرى. وهذه الثقافة تتجلى بسهولة عبر نظرة إلى أن أعداداً كبيرة من الناس تقدم مساعدات مالية، وإن صغيرة، للمتسولين مثلاً! بينما تمتنع عن المشاركة في عمل الجمعيات نفسها التي تقدم لها، في المناسبات، تبرعات مالية أو عينية! وهذه الثقافة معززة عبر وسائل الإعلام جميعها. إذ يأخذ العمل الخيري القسط الأوفر من التركيز الإعلامي، خاصة في الوسائل الجماهيرية كالتلفاز. كما أنه معزز بقوة من رجال الدين في علاقتهم المباشرة مع الناس سواء عبر الجوامع أو الكنائس. ومع معرفتنا للدور الهام لهذين الجانبين: التلفاز ورجال الدين، يمكننا أن نلحظ أن مساهمتهما في نشر الوعي التنموي هي ذات أهمية كبيرة جداً. ومن العوامل أيضاً واقع قانون الجمعيات. فرغم أن تسهيلات إدارية جيدة نسبياً تم تحقيقها خلال العام الماضي في هذا الشأن، إلا أن آليات الموافقة على إنشاء الجمعيات، وإشهارها، هي ذاتها بحاجة إلى تطوير. وكذلك الحاجة إلى تعديل القانون نفسه بما يمنح هامشاً أكبر لعمل الجمعيات هو أمر حاسم. فإذا كان أثر التأخر في الحصول على الموافقات في العمل الخيري (حملة تبرعات، سوق خيري.. إلخ)، لعب دوراً في الحد من العمل الخيري، وهي شكوى دائمة من جميع الجمعيات العاملة في هذا الإطار، فإن ذلك يعيق مباشرة العمل التنموي، الذي غالباً ما يحتاج إلى ديناميكية عالية ليس فقط في التنفيذ، بل أيضاً في اتخاذ القرار. كذلك الأمر فيما يتعلق بتطوير آليات التمويل ومتابعتها ومراقبتها.. وقضايا أخرى. والجمعيات العاملة في قضايا الأسرة (والمرأة والطفولة منها بشكل خاص) باتت مهمة جداً في تطور وتطوير مجتمعنا. فأن تكون المرأة هي نصف المجتمع، عبارة اعتدنا سماعها دائماً. ولم تعد بحاجة إلى برهان. لكن للخروج من المفهوم العددي لهذه العبارة، لا بد من تهيئة الظروف المناسبة لتكون نصفاً فاعلاً في المجتمع، وليس مستهلِكاً ومنجِباً فحسب. بل صار من المعروف أن الدور الإنجابي للمرأة بحد ذاته (الحمل والإنجاب والتربية والتنشئة والعمل المنزلي.. إلخ) شهد تغيرات كثيرة وهامة في سورية خلال العقود الثلاثة الماضية. وباتت الحاجة إلى تطوير هذا الدور وتعزيزه اجتماعياً حاجة ماسة. فمثلاً: قلة فقط من الناس التي ما زالت تناقش أن المرأة الأمية عاجزة كلياً عن إنشاء جيل قادر على القيام بدوره في الحياة العصرية. حتى في الجانب الصحي، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، تعجز الأم الجاهلة الآن عن تأمين وضع صحي مناسب، سواء لها أثناء حملها وولادتها، أو لأولادها مستقبلاً. وكلنا يعرف أن المجال الصحي هذا يشهد تطورات يومية بعضها على غاية الأهمية. ومن النافل ذكر دور اللغات الأجنبية والحاسوب وغيرها.. اليوم في حياة الأسرة السورية. فمن الذي سيقوم بمهمة تطوير هذا الواقع؟ البعض يعتقد أنها مهمة حصرية للدولة. أي للحكومة. لكن هذه النظرة القديمة أثبتت فشلها. فالدولة، أية دولة، لا يمكنها أن تقوم بهذا العمل كله. بل إن تغطية بعضه فقط يستلزم إمكانيات دولة بكاملها. إضافة إلى أن آليات الدولة نفسها لا تشكل نموذجاً صالحاً للعمل في مجال يحتاج إلى ديناميكة عالية لا تستطيع الحكومات، بحكم هيكليتها، أن تقوم بها. من هنا يبدو دور الجمعيات في تطوير هذا الواقع يتعدى كونه شكلياً، كما يتعدى أن يكون مأموراً. بل يجب أن يكون شريكاً كامل الشراكة مع الحكومة. والشراكة هنا، كما في أي مجال آخر، لا تعني التطابق. بل تعني الدعم والتعزيز المتبادل. وهذا يعني أيضاً الانتقاد والرقابة المتبادلة. لعل هذه مقدمة فقط لما سنعرضه تباعاً في الأعداد القادمة من هذا الملحق. إذ سنعمل على تغطية نشاطات الجمعيات العاملة في مجالات مختلفة، خاصة العاملة في قضايا الأسرة (المرأة والطفولة والأسرة)، بحيث نلقي الضوء على تجربة كل جمعية على حدة: ما الذي تفعله؟ وكيف تفعله؟ والجمعيات العاملة في هذا المجال هي جمعيات جديدة عموماً. القليل منها هي الذي مضى زمن طويل على نشأتها. وطبعاً لن نستبق العمل. أي لن نقول الآن شيئاً يتعلق بعمل هذه الجمعيات، سواء من حيث النجاحات أو الإخفاقات، المعززات أو المعوقات.. سنترك ذلك يظهر أثناء عملنا شيئاً فشيئاً. لكن، قبل أن نفعل ذلك، من الضروري أن نشير إلى بعض النقاط الهامة: 1- يبلغ عدد الجمعيات المرخصة في سورية اليوم نحو 1750 جمعية في مختلف المجالات. إلا أنه من الصعب تحديد من منها يعمل في مجال الأسرة عموماً. فأسماء الجمعيات لا تدل دائماً على عملها بدقة. كما أنه في هذا المجال، كما في أي مجال آخر، هناك جهات ليس لديها أي وجود حقيقي على الأرض.. 2- ما يزال عدد كبير من هذه الجمعيات متمركز في دمشق العاصمة. وإذا كان من الطبيعي أن تكون العاصمة دائماً هي مركز الثقل، إلا أن باقي المحافظات والمدن والبلدات بدأت تتحرك. وأحياناً هي كانت سباقة إلا أنها بقيت طويلاً خارج دائرة الضوء. وتسليط الضوء عليها الآن صار حاجة ماسة لها، ولهذا العمل ككل. 3- في سياق هذا الملف المستمر على أعداد متتالية، سوف نركز الجهد دائماً على الواقع. أي أننا سنبتعد قدر الإمكان عن التنظير والشعارات. وطبعاً سوف تلمسون قدراً من التكرار لا مهرب منه بحكم خضوع جميع الجمعيات للظروف العامة نفسها من جهة، وحداثة تجربة الكثير منها من جهة ثانية. 4- وكما قلنا، لن نقتصر فقط على الجمعيات العاملة في مجال الأسرة. لكننا سنعطيها الاهتمام الأكبر، انسجاماً مع طبيعة هذه الملحق المهتم بقضايا المرأة السورية. ولعلنا سنعرج قليلاً، في بعض الأحيان فقط، على بعض التجارب العربية.
بسام القاضي- (الجمعيات المهتمة بالأسرة والمرأة في سورية: من الخيري إلى التنموي.. مسيرة طويلة وشاقة)ملحق "أيام"- مجلة الاقتصاد والنقل (1/2007) |