|
زهرة العزو.. عروس بوشاح الشهادة |
|
|
|
معتز دوه جي
|
|
2007-01-24 |
|
في خريف عام 2005 صدمت كغيري من أبناء المجتمع السوري بسقوط الشهيدة هدى أبو عسلي بسكين غادرة من مجرم يقال أنه شقيقها تحت اسم (جريمة شرف) فقط لأنها تزوجت الشاب الئي تحب دون موافقة العائلة،
وقد شكلت تلك الجريمة دافعاً جديداً لجمعيات ومؤسسات ونشطاء من المجتمع السوري لبدء حملة من أجل إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات السوري التي تتساهل مع مرتكبي مايسمى بجرائم الشرف، وقد كان لي الشرف أن أكون باسمي وباسم الجمعية التي أنتمي إليها "الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة" بين المشاركين بهذه الحملة التي كان موقع نساء سورية المحرك الفاعل لها، والنافذة الإعلامية التي صرخنا عبرها بملئ حناجرنا: لا ... لن نظل مكتوفي الأيدي حتى نسمع بالجريمة التالية والجريمة التي تليها ضمن مجزرة معصومة مفتوحة الزمان والمكان إلى مالا نهاية. لكن المجزرة التي يساندها القانون استمرت رغم أنوفنا جميعاً، وكان آخر فصولها شديد القسوة والمرارة عليَّ وعلى كل الذين عرفوا الضحية الجديدة "زهرة عزو" الطفلة ذات الستة عشر ربيعا. لقد عرفت زهرة للمرة الأولى أثناء إحدى زياراتي برفقة زميلاتي في الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة لمعهد التربية الاجتماعية للفتيات بدمشق الذي تساهم الجمعية في إدارته مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. فقد دخلت زهرة المعهد بعد تعرضها للاختطاف من أحد أصدقاء العائلة، ومنذ أن وقعت عيناي على زهرة أحسست أنني أرى فتاة تختلف عن باقي فتيات المعهد، فتاة تجمع بين الجمال والذكاء والخلق والتهذيب، عينان تنبضان بالحياة وبسمة بريئة تتوارى خلف شفتيها ممزوجة بالخوف من التعرض للقتل حسب العادات المتبعة في منطقتها، ولم أكن الشخص الوحيد الذي ساوره هذا الاحساس، فقد ساور أيضا كل من التقوا زهرة سواء من الجمعية أومن المعهد. لقد أحس كل منا أن زهرة ابنته، وقد بادلتنا زهرة الشعور نفسه و تعاملت معنا ببساطة وعفوية من تتعامل مع عائلتها. ربما لن يصدق البعض أن ذكاء زهرة ومواهبها كانا يبزان ذكاء ومواهب فتيات تلقين تعليمهن في أرقى مدارس ومعاهد العاصمة، لقد لفتت زهرة أنظار الجميع بريشتها التي رسمت بها لوحات جميلة تعكس شفافيتها وبرائتها، وأذهلت البعض بعباراتها التي خطت بها نثرا جميلاً يضاهي بعضه ماتخطه أقلام أدباء وشعراء، وكانت الجمعية تنوي تنظيم معرض فني لمواهب بعض فتيات المعهد وفي مقدمتهن زهرة. عرفت زهرة أيضاً طالبة في صفي حين شاركتُ في تدريس مادة اللغة الانكليزية لفتيات المعهد، ولم تكن زهرة حينذاك مقتنعة بجدوى تعلم الأنكليزية لأنها كانت تعتقد أنها ستصبح فنانة تشكيلية أو أديبة، وإن الانصراف لتنمية إحدى هاتين الموهبتين ـ أو كلاهما ـ أهم من تعلم اللغة الأنكليزية. رغم ذلك كانت زهرة شديدة الذكاء سريعة البديهة دقيقة الملاحظة سريعة الفهم والاستيعاب لمفردات اللغة الإنكليزية وقواعدها. في أحد أيام الربيع المنصرم اتصلت بي إحدى زميلاتي كي أحضر إلى المعهد وأساعدها في التحدث إلى شقيق زهرة الذي حضر إلى المعهد لزيارة شقيقته وهو يحمل سكيناً صادره منه رجال الشرطة الذين يحرسون بوابة المعهد، وفعلاً حضرت وتحدثت وزميلتي مطولا الى هذا الشقيق الذي بدا مهذباً ومتزناً وقد أانكر آنذاك أنه حمل السكين كي يقتل شقيقته، ووعد أن شقيقته لن تقتل في حال خروجها من المعهد، وأن هناك شخصا مهماً في العشيرة سيضعها في حمايته وبذلك لن يجرؤ أحد من العائلة أو سواها على قتل زهرة. ورغم أن كلامه بدا مقنعاً إلا أننا لم نصدقه وبقيت زهرة في المعهد حتى بداية الشهر الماضي حين علمت من زميلاتي اللواتي يشرفن مباشرة على المعهد أن زهرة قد خطبت لابن خالتها الذي أحبها بصدق، وأن عائلتها قد وافقت على هذا الزواج، وأنهن( زميلاتي) تأكدن من صدق نوايا العائلة بعد أن تعهد والد زهرة أمام القاضي بعدم إيذائها . قبيل العرس بذلت زميلاتي في الجمعية جهوداً جبارة لانجاح العرس وإنجاح الزواج ككل، لقد بدا لي وكأنهن يزوجن إحدى بناتهن حتى أن معظم الزمن المخصص لاجتماع مجلس الإدارة حينها ذهب للحديث عن زفاف زهرة وقام كل عضو في مجلس الإدارة بالتبرع بمبلغ صغير لتغطية بعض نفقات الحفل، لكن أحداً لم يعلم أن هذا الزفاف سيكون زفاف الموت، وأن وشاح العرس الجميل سيصبح وشاحاً أسود. للوهلة الأولى لم أصدق ما حدث ظننت انه مجرد تشابه في الأسماء بين زهرة وبين ضحية جديدة من ضجايا جرائم الشرف، لكن حين اتضحت الصورة القاتمة أمامي لم أشعر إلا وعيني تذرفان الدمع . هل هو دمع الحزن على عزيز فقدناه أم دموع الندم لأننا لم نفلح في منع جريمة بهذا القدر من الوحشية؟ لا أدري ... ربما لأن الدموع لاتفقه قوانين المنطق والسببية والمبررات. المرة الأخيرة التي أذكر فيها أنني بكيت كانت منذ سنوات حين رحلت خالتي ـ التي كانت بمثابة أم ثانية لي ـ إلى الدار الآخرة. لكن هل يستطيع البكاء وحده مواجهة سكاكين قتلة لا يعرفون الرحمة؟ لا فالموت مازال يتربص البراءة لينتهز أول فرصة ويتسلل من سكين أو غدارة يدعي حاملها الشرف ويسانده قانون لا يعرف أحد إلى أي شريعة ينتمي هل هي قانون حمورابي كما قال زميلي بسام القاضي أم قانون العصر الحجري وإنسان الكهوف أم قانون أكثر إيغالا في القدم من ذلك؟ في زمن أصبحت فيه حتى عقوبة الإعدام للمجرمين والقتلة مدانة وتتعالى يوما بعد يوم الأصوات المطالبة بإلغائها. فلنعاهد انفسنا على العمل الدؤوب كي تكون زهرة عزو آخر أضاحي "الشرف..." . وإنا لله وإنا إليه راجعون. معتز دوه جي، عضو الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة- (زهرة العزو.. عروس بوشاح الشهادة)
|