|
رزان زيتونة
|
|
2007-01-24 |
|
يقول الخبر، بحياد يتناسب مع محدودية حجم الحدث وبديهيته: أقدم المدعو فايز 25 عاماً صباح أمس على قتل أخته زهرة العزو المقيمة مع زوجها فواز في السيدة زينب، حيث فارقت الحياة بعد طعنها خمس طعنات واحدة في الرقبة وأربعة في الصدر.
وكانت زهرة 16 عاماً قد هربت من بيت أهلها في الحسكة إلى دمشق، حيث سلمتها الشرطة إلى معهد الجانحات التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وتشرف على إدارته (الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة) إذ تم قبولها بصفة تشرد، ومن ثم قامت الجمعية بالاتصال مع أسرتها في الحسكة ومصالحتهم معها، حيث تزوجت بعدها ابن خالتها فواز 23 عاماً الذي كانت والدته تزورها في المعهد، وقد اتفقا على الإقامة في منزل أهله بالسيدة زينب، وكان الأب وليها في عقد الزواج، كما حضرت أمها وأختها عرسها وبموافقة أخيها، بعدما قدّم الأب تعهداً في المحكمة بعدم إيذاء ابنته، غير أن أخاها فايز 25 عاماً، وبحجة زيارتها، أقدم على قتلها في منزلها أثناء غياب زوجها، وقد هرب الجاني أمس ليسلم نفسه اليوم إلى الشرطة، بعد تعهد العشيرة له بدفع فدية".في معرض التفاعل مع الحدث والتعليق عليه: "أخ زهرة الذي أقدم على قتلها بدم بارد، لا يستحق أقل من الإعدام. ليس الأمر فقط أنها لم تبلغ سن الرشد، وأنها لا بد قد تعرضت للعنف مختلفِ الأشكال قبل أن تلجأ إلى ترك بيت أسرتها، وأنها لم تصبح بمأمن حتى بعد أن تزوجت "وانستر عليها" وفق تعابيرنا "الراقية"، لكن وقبل كل شيء، لأن حياتها- وبغض النظر عن جميع ملابسات القضية- سلبت منها عن سبق إصرار وترصد، هكذا، بحماية المجتمع والقانون والدين في بعض تجلياته". كان ذلك بعض مما سمعت من أصدقاء يقفون ضد جريمة الشرف بقوة. ويرفضون العنف الذي يمارس ضد المرأة بأشكاله كافة. ابتسمت في سري وأنا أجدنا جميعا في سلة واحدة. الأخ الذي قام بما يعتبره بالتأكيد، عملا بطوليا يزيح ثقلا كبيرا عن كاهله اسمه العار، ويطبق ما نشأ عليه من أفكار ومعتقدات خير تطبيق. والآخرون الذين قرأوا كثيرا عن حقوق المرأة وآمنوا بها وتعاطفوا معها، وأرادوا تطبيق العقوبة القصوى بحق من انتهك تلك الحقوق وصولا إلى قتل القاتل الجاهل، بطريقة حضارية، عبر القانون. القانون يشرعن جريمة الشرف، لأنه يجب أن يراعي الخصوصية الثقافية للمجتمع الذي يطبق فيه، وفي ثقافتنا شرف المرأة لا يغسل إن تلوث إلا بالدم. بالدم يجب أن تغسل جريمة القاتل باسم الشرف، لأن جريمته بشعة، وتتنافى مع أبسط حقوق البشر. البشر في مدينتي، معظمهم على الأقل، ضد إلغاء عقوبة الإعدام، لأن القاتل يقتل، وهذا هو عدل القصاص. في عدم تطبيق القصاص منتهى الإجحاف، لأن قاتل أخته سينال عذرا مخففا، سيخرج من السجن بعد أيام أو أشهر، لأن القانون يحميه، ولأن دماء أخته تفتدى بمبلغ من المال تدفعه العشيرة، ولعله لو ذبح نعجة جيرانه قد يتلقى عقوبة بالسجن أكبر مما سيناله الآن. فوضى، في الأفكار، والقناعات، تجعل الصورة تبدو سريالية إلى حد بعيد. الشيء الوحيد الذي يبدو هادئا عصيا على الفوضى والهذيان، هو القسوة. العنف المختبئ كل مرة وراء مفهوم كبير أو قيمة رائعة في الحياة. الشرف، الكرامة، العدالة...وهلم جرا. بالمناسبة، مخطئ من يعتقد بأن مثيلات زهرة جميعهن قد تلقين طعنات في الظهر والرقبة، لكنهن يقتلن كل يوم من مجتمع يتقن فن الغضب وردود الفعل، ومهووس بمقولات الكرامة والثأر. هذه الموروثات الدينية والثقافية يمكن محاصرتها بالقانون، لكن حتما لا يمكن إلغاءها إلا عبر طريق طويل وشاق، لا يحتوي بدوره بالتأكيد على محطات عنفية. حتى لا نبقى ندور في دائرة مغلقة، من عنف فج إلى عنف "رقيق" و بالعكس، في ممارسة لا منتهية لطقوس العنف المقدس.وداعا زهرة. شكرا سلفا للمشرع الذي يأبى إلا أن يشرعن كتابة ثقافة الموت ويكافئ حامليها ومطبقيها. رزان زيتونة- (في طقوس العنف)
|