|
الزواج العرفي: حالات من الواقع! |
|
|
|
محمود النشيط
|
|
2006-03-19 |
|
صفحة 2 من 2 وبتتبع ما هو متوافر من حالات محلية نجد أن أغلب تلك الحالات قد بدأت من الجامعة وتحديدا من الطلبة والطالبات الذين التحقوا بالدراسة في جامعات عربية في كل من مصر والأردن وربما بعض الدول الأخرى التي تتفشى فيها هذه الظاهرة. وقال: أما بالنسبة لدوافع اللجوء لمثل هذه الممارسة فيمكن إجمالها في أمرين أساسيين هما الخوف من العنوسة التي باتت منتشرة في مجتمعاتنا الخليجية تحديدا، والتمرد على القيود التي يفرضها الأهل على الشاب أو الشابة لاسيما إذا ما نظرنا إلى السن الذي تتزايد فيها هذه الحالات، وذلك نتيجة غياب الحوار داخل الإطار الأسري. أما الأسباب ففي اعتقادي أن أبرزها وجود المفهوم الخاطئ للزواج واعتبار الزواج علاقة جنسية أكثر منه علاقة إنسانية قائمة على الاستقرار والسكينة والتأسيس لحياة اجتماعية تتمتع بصفة الاستمرارية. وهذا الخلل في المفهوم نجده شائعا بين فئتين في المجتمع الفئة الأولى هي تلك الفئة المروجة لمثل هذه الممارسات التي لا تنظر للعلاقة الزوجية إلا من منظور ضيق وتراها مجرد علاقة بين رجل وامرأة قائمة على القبول والإيجاب، لذا فإن الزواج العرفي ما هو إلا علاقة جنسية محضة ليس فيها أدنى التزام، أما الفئة الأخرى فهي فئة الشباب الذين هم ضحايا لمثل هذه العلاقة سواء أكان الفرد ذكرا أم أنثى، ووصفهم بالضحايا هنا ليس اعتباطا ذلك أنهم إنما تبنوا هذا المفهوم لما تأثروا به من المروجين لمثل هذه الممارسات وهم في سن لم يبلغوا فيه حد النضج الكامل الذي يؤهلهم لاتخاذ القرار السليم دون مساعدة الآخرين في محيطهم الاجتماعي. وهنا لابد من الالتفات إلى أنه رغم مزايدة البعض ممن يقدمون على هذه الممارسة أو يروجون لها فإنهم يدركون تماما خطأها لذا فإنك تجد مثل هذه العلاقة تحاط دوما بهالة من السرية والكتمان، في مغالطة واضحة بين ما يتبناه هؤلاء من قول وما يؤمنون به من حقيقة عدم مشروعية هذه العلاقة على الأقل من الناحية الاجتماعية. ويواصل الملاح تحديد الأسباب فيقول: السبب الآخر الذي يلعب دورا كبيرا في وجود مثل هذه الممارسة، والمرتبط بما أشرنا إليه للتو هو ضعف مستوى الوعي والتراجع في الاعتماد على الأساليب التربوية السليمة في التعاطي مع الأبناء. فعلى الجانب الأول وهو ضعف مستوى الوعي يشترك في التقصير رجال الدين والمثقفون الإسلاميون والنشطاء الاجتماعيون المنتمون للتيارات الإسلامية بمختلف مشاربها. فليس سرا ما تشهده الساحة الدينية في البحرين من عزوف الغالبية العظمى من رجال الدين بكل أسف عن ممارسة دورهم الأساسي في الإرشاد والتوجيه والوعظ والتوعية الاجتماعية والتربوية جراء انخراطهم غير المدروس في الشأن السياسي المحض بل الاستغراق فيه، لدرجة أن وصل البعض إلى حد الالتباس في تعريف عالم الدين، أي هل يعرفه الشيخ فلان أو الناشط السياسي أو الناشط الحقوقي فلان، وهذا واقع مؤسف حقاً. لست من دعاة فصل الدين عن السياسة بل العكس، ولكن ليست الحياة كلها سياسة، وليست كلها برلمان، وليست كلها خدمات ومرافق. هناك أبعاد اجتماعية وروحية لا يحق لعالم الدين تحديدا بموجب تكليفه الشرعي أن يتغاضى عنها أو أن يهملها، أو في أحسن الأحوال لا يعيرها الاهتمام المفترض. أما على الجانب الآخر فإن ابتعاد الآباء والأمهات عن الاعتماد على الأساليب والوسائل التربوية السليمة وغياب الحوار داخل الإطار الأسري والانشغال الدائم بهموم الحياة الأخرى وعلى رأسها الهم الاقتصادي، كلها عوامل أدت بصورة أو بأخرى إلى ضعف العلاقة بين الآباء والأبناء، وأدت إلى خلخلة موقع الأب والأم في نفس الشاب أو الشابة، لذا فإنك تجد البنت مثلا تقيم علاقة من هذا النوع تحت مسمى زواج ولمدة شهور أو سنوات دون أن يعلم الأب أو الأم بتلك العلاقة، بل دون أن يلحظ الآباء مثل هذا التغير الجسدي أو النفسي.. وهذا تقصير ليس يغتفر للأب أو الأم مهما كانت المبررات. ويختم الأستاذ نادرالملاح تعليقه بالإشارة إلى أن المشكلة في ذلك كله، أنه ما لم توجد آليات تصحيح لهذا الوضع على المستوى الرسمي والديني والأهلي، وما لم يكثف النشاط التوعوي الإيجابي فإن مثل هذه الحالة سوف تنتقل من واقعها المحدود حاليا لتدخل في إطار الظاهرة التي يصعب في ما بعد علاجها. ولنا في المجتمع المصري والأردني خير مثال. فلعلك لاحظت توجيه وسائل الإعلام والدراما المصرية على سبيل المثال كأحد الأدوات المستخدمة في علاج الظاهرة في السنوات الأخيرة وذلك لتسليط الضوء على هذا الداء وما له من تبعات سلبية وآثار مدمرة بالأخص على حياة البنت ذلك أن مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات ذكورية إلى حد كبير. ومع ذلك فإن تأثير تلك الأدوات أصبح محدوداً بل اتخذ الجانب السلبي في التأثير في بعض الأحيان حيث فتح عيون العديد من الناس وبالأخص طلبة الجامعات على وسائل لم يكونوا مدركين لها من قبل، ليس بسبب الخلل في تسليط الضوء على المشكلة وإنما بسبب كيفية التعاطي معها في العمل الدرامي أو التوعوي نفسه. الرأي الشرعي في هذه العلاقة... ولأن مسألة الزواج العرفي للشرع الإسلامي رأي فيها توجهنا بالنماذج التي حصلنا عليها إلى فضيلة الشيخ جاسم المؤمن الذي علق على هذه النماذج قائلا: "يتبيّن من القصص المعروضة عدّة أمور من الأهمية وضعها في الاعتبار قبل إعطاء رأي في الموضوع : انّ ضحايا هذه القصص كلهن فتيات (القصة الأخيرة شاب ولكنه ليس ضحية، بل الفتاة التي ارتبط بها هي الضحية) . معظم هذه الحالات حدثت أثناء الدراسة الجامعية. كل هذه الحالات يظهر فيها حالة الندم ونصح الآخرين بعدم الوقوع في الخطأ نفسه. ضحايا هذه القصص هنّ من أسر محافظة وإقدامهن على هذه الطريقة من الارتباط كان - في ظنهن - مخرجا عن الوقوع في الحرام. لم يتضح من خلال سرد القصص الكيفية التي تمّ بها الارتباط من ناحية شرعية، وكيف تمّ إجراء العقد. وأضاف الشيخ المؤمن قائلا: بعد هذه الملاحظات يتبين أنّ الزواج حتى لو كان سريّا - غير معلن - يحتاج في إجراء عقده إلى موازين شرعية لكي يكون صحيحا، ومن ضمن ذلك إذن الولي بهذا الزواج (إن كانت الفتاة بكرا)، والذي يتبيّن من خلال القصص المذكورة أن ما ذكر كان سرا عن الأصدقاء فضلا عن الوالد والأهل.. وهنا يقع الإشكال الشرعي... وعلى الفتاة (والحديث على المتمسكة بدينها الحريصة على أن تكون تصرّفاتها وفق الحكم الشرعي ) أن تتحرّى الحكم الشرعي في أفعالها ، ولا تنساق وراء شهوة عابرة أو كلام معسول من شاب يجعل الدين مطيّة لأغراض شخصية، أو يتحرّك باسم الدين مع جهل أو تساهل في أحكامه . وأحب أن أشير بالنسبة إلى الأخت التي اتهمت ( رجال ) الدين - الأصح علماء الدين - بالتقصير أحب أن أشير إليها أنّ الكتب الفقهية متوافرة بكثرة (بعضها تحت عنوان فقه المغتربين أو ما يتعلّق منها بطلبة الجامعة)، وعلماء الدين على أتم استعداد لإجابة أي استفسار فقهي، والانترنيت موصّل جيّد مع الفقهاء بشكل مباشر، وندوات التوعية التي تقيمها الجمعيات الإسلامية للطلبة الجامعيين المستجدين منتشرة في طول البلاد وعرضها.. فإلى جميع الطلبة والطالبات الجامعيّين ، بل كل مكلّف ومكلّفة عليهم الاطلاع على أمور دينهم وأحكام شريعتهم، حتى لا يقعوا في أخطاء سلوكية تنعكس على حياتهم الشرعية والاجتماعية وربما تلحقهم إلى آخر حياتهم. وللموضوع جانب اجتماعي خاص يتعلق بدراسة أسباب هذه الظاهرة ليس هناك مجال لمعالجته خلال هذه العجالة أرجو أن يشبع بمداخلات الآخرين. الرأي القانوني لهذا الزواج... وحيث ان الزواج العرفي يفتقد العديد من الضوابط الشرعية والقانونية التي تنص عليها الأعراف المعتمدة في المجتمعات الإسلامية فإن للجانب القانوني رأيه في هذا الصدد وهو ما تبينه المحامية وفــاء الحـلو في ردها على كيف عالجت القوانين العربية الزواج العرفي؟ فقالت: في مصر استحدث مؤخرا قانون الأحوال الشخصية في المادة ( 17) حق المرأة المتزوجة زواجا عرفيا اللجوء إلى المحاكم الشرعية لرفع دعوى التطليق ويستوجب بيان الأسباب الداعية إلى طلب التطليق. ويمكن للزوجة المتزوجة عرفيا اثبات زواجها بالأدلة الكتابية مثل العقد المبرم بينها وبين الزوج أو بالمراسلات الموجهة إلى احد الزوجين في محل الإقامة أو بالخطابات المرسلة من والى احدهما. والمعضلة الكبرى أن المرأة المتزوجة زواجا عرفيا لا يحق لها المطالبة بالنفقة والإرث وغيرها من الآثار المترتبة على الزواج ألا إذا اثبتت علاقة الزوجية. وهناك احدى الدول الخليجية طرحت مشروعا جديدا لقانون الأحوال الشخصية واقترحت ضمن المواد اجازة الزواج العرفي وقد أثار المقترح ضجة إعلامية كبيرة في الوسط الاجتماعي، فمن المهم بمكان أن تواكب القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية مجريات الحياة المعاصرة، فسواء كنا مؤيدين أو رافضين للزواج العرفي يظل أن المجتمعات لا تستطيع إنكار هذا النوع من الزواج السري، وعليه لا بد أن توجد قوانين ونصوص منظمة ومعالجة لهذا النوع من الزواج، وذلك حفاظا على كيان الأسرة من الانهيار. أمـا ما هو وضع الطفل من الناحية القانونية والشرعية الناتج عن الزواج العرفي ؟ فقالت المحامية الحلو: ويمكن للزوجة المتزوجة زواجا عرفيا اثبات نسب الطفل إلى أبيه بكافة طرق الإثبات . ووفقا لما جاء في الشريعة الإسلامية فان ثبوت نسب الطفل شرعا لثلاث: الفراش الإقرار . البينة فالزواج العرفي حلال شرعا متى استكمل جميع شروطه، وأنا أؤكد دائما أثناء الحديث على مسألة الزواج العرفي أن يكون الزواج العرفي مستوفيا جميع أركانه الشرعية عدا التوثيق . وعليه فالأبناء نتاج هذا الزواج يعتبرون شرعيين. ويمكن للزوجين المتزوجين زواجا عرفيا تصحيح هذا الزواج وذلك بتوثيقه أمام الجهات الرسمية ويعتبر حينئذ زواجا رسميا. هناك مسالة بالغه الأهمية ارغب في تأكيدها، لكون مملكه البحرين تفتقد قانون الأحوال الشخصية، فآمل حين يصدر قانون للأحوال الشخصية في البحرين أن يكون هذا القانون على مستوى عال من التطور التشريعي، والاهم من ذلك الاستفادة من تجارب الدول الأخرى فهناك مستجدات كثيرة تطرأ على المجتمع المحلي لا يمكن للمشرع البحريني إغفالها أو تجاهلها بأي حال من الأحوال. وأخير أشارت المحامية وفاء في ردها على مسألة ما هو الوضع القانوني للطفل إذا ما أنكر الزوج الزواج العرفي؟ فأجابت : قد تواجه المرأة المتزوجة زواجا عرفيا إشكالية فيما يتعلق الأمر بنسب الطفل إلى أبيه وخصوصا إذا تنصل الزوج من التزاماته بإقرار هذا الزواج ، أو إذا كانت المرأة قد فقدت عقد الزواج العرفي أو فشلت في اثبات العلاقة الزوجية. فهل من العدالة نعت هذا الطفل انه ابن سفاح طيل حياته إلى أن يتوسد الثرى أم أن العدالة تفرض علينا تصحيح وضع الطفل ليصبح إنسانا قادرا على مواجهة الحياة المستقبلية دون مشاكل؟ نصت المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الفقرة الثانية (... للأمومة والطفولة حق في الرعاية ومساعدة جميع الأطفال الذين لهم حق التمتع بذات الحماية الاجتماعية سواء ولدوا في أطار الزواج أو خارج هذا الإطار) لابد أن يتمتع الطفل المولد في إطار العلاقة الزوجية أو خارج العلاقة الزوجية غير الاعتيادية بالحماية القانونية والاجتماعية. فهناك دولة عربية إسلامية تنسب الطفل إلى عائلة الأم متى ما تم انكار الزوج الزواج العرفي أو إذا لم تستطع الأم اثبات العلاقة الزوجية. هذا التطور جدير بالاحترام ويصب في النهاية لمصلحة المرأة والطفل على حد سواء. أخبار الخليج - 11 أغسطس 2005 بوابة المرأة
|