SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد

المعرفة حق لجميع الناس

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
استطلاع نساء سورية
هل انت مستعد للامتناع عن استخدام كلمات مثل: معوق، متخلف عقليا، كسيح.. بهدف الإساءة إلى شخص أو فكرة؟
 
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


حرية المرأة بين النصوص والواقع طباعة أخبر صديق
المحامي سليمان الكريدي   
2007-01-20

1)- ترتبط قضية حرية المرأة بمسائل الإصلاح وتطور المجتمع، مثلما ترتبط بمبدأ سيادة القانون في المجتمع والدولة، ومدى احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان.

 ويعتبر اشتراك المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية أحد المؤشرات على درجة التطور لأي بلد من بلدان العالم. حيث تدل الوقائع الثابتة – على أنه كلما كانت المرأة متمتعة بالحقوق والحريات العامة في بلد ما، كلّما كان تطور هذا البلد أكثر- وإمكانيات تطوره أوسع وأرقى. ذلك لأن المجتمع الذي يحرم نصفه من الحقوق أو بعضها - لا يمكن أن يكون مجتمعا سليما معافى.

2)- ونستطيع القول: إن قضية حرية المرأة وتحررها - ومكانتها في المجتمع كانت مدار اهتمام البشر منذ أن وجد الإنسان في مجتمع يرتبط مع غيره بعلاقات مادية وإنسانية مختلفة. وإذا كنّا لسنا بصدد الدراسة التاريخية - إلاّ بالقدر الضروري- لمعرفة مؤشرات تطور هذا الموضوع.  إلاّ أننا نؤكد أن موضوع الحرية والمساواة في الحقوق بشكل عام - وحرية المرأة ومساواتها بشكل خاص كان وما يزال من أكثر الموضوعات التي شغلت المصلحين والمفكرين ولم تستطع المحن والتعرجات التي فرضها المستكبرون عبر التاريخ أن تخمد الجذوة المتوهجة لهذ! ا الموضوع.
 
 3)- يسود في أدبياتنا مفهوم خاطئ عن مكانة المرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام. ويذهب بعضهم إلى الظن أن العرب كانوا يوأدون بناتهم، وهذا قياسا على أن الوأد كان مشروعا، خوفا من العار ولم يكن المجتمع ليحاسب الأب الذي يدفن ابنته حيّةً. تماما مثلما هو الواقع الآن عندما يمتنع المجتمع عن عقاب الأب أو الأخ أو الابن أو الزوج الذي يقتل ابنته أو أخته أو زوجه أو أمّه إذا فاجأها بحالة الزنا. أو يعاقبه عقوبة مخففة جدا إذا شاهدها بحالة الريبة مع الغير.......
باختصار: كان الوأد قبل الإسلام لمجرد الخوف من العار. والقتل في الزمن الراهن غسلا للعار.
 
قبل الإسلام قتل استباقي. والآن قتل عقابي....
 
وفي كلتا الحالتين، لا يمكننا أن نصل إلى تعميم. ومن ثمّ فإنّ القول بأن العرب كانوا يوأدون البنات فيه تجنٍِِّ واضحِ.  بل الصحيح: إن العرب لم يعاقبوا من كان يوأد ابنته اتقاءً للعار أو خوف إملاق.
ويدعم استنتاجنا هذا. المكانة المرموقة التي شغلتها بعض النساء في الجاهلية نذكر منهم: السيدة خديجة – قبل البعثة النبوية. وهند بنت هشام زوجة أبي سفيان. والخنساء وغيرها من شواعر العرب.
 
4)- إنّ النظرة الموضوعية تسمح لنا أن نقول: إنّ الإسلام نقل مكانة المرأة في المجتمع نقلة هامة إلى الأمام. ولكنّها ليس النقلة المثلى التي يحاول غلاة المتعصبين البرهان عليها. ويصورونها أنها نقلة كافية جامعة مانعة صالحة لكل زمان ومكان، وكأنهم بذلك ينزعون عن الإسلام والمسلمين روح التجدد وقابلية تغيير الأحكام مع تبدل الأزمان من جهة، ويبررون للأنظمة الممانعة لقضايا حرية المرأة ومساواتها مواقفها المتخلفة من جهة ثانية.
 
5)- يشكل التشبث بواقع التمييز ضد المرأة والممانعة في حريتها أساسا تربويا للاستبداد - حيث تتجلى التربية الاستبدادية في الأسرة - عندما ينظر الرجل إلى المرأة باعتبارها قطعة من مقتنياته يمارس عليها الأمر. وواجبها الطاعة. الزوج لزوجته والأخ لأخته. ويشكل هذا القبول للتمييز داخل الأسرة وعدم المساواة في الحقوق. تربية لقبول التمييز في المجتمع والقبول بالحرمان من الحرية والحقوق. لذلك يلاحظ أنّ البلدان التي تحكمها أنظمة استبدادية هي أكثر البلدان ممانعة لحرية المرأة ومساواتها في الحقوق.
* * *
 
6)- احتلت قضية المرأة مكانة هامة جدا منذ أواسط القرن التاسع عشر. مع تطور الدولة البرجوازية وصدور عدد من الإعلانات المتعلقة بحقوق الإنسان - التي أكدت أن البشر يولدون جميعا أحرارا متساوين في الحقوق...... "1". وبحدود ما نعلم فإن أول وثيقة تعترف بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة هي البيان الشيوعي لماركس وانغلز الصادر عام 1848. وأول منظمة عالمية تناضل من أجل ذلك هي عصبة الشيوعيين..........
 ومع تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أوربة، تعاظمت الحركة النسائية وعقدت مؤتمرها الأول في 8 آذار 1910.
 7)- لم يكن المجتمع العربي بعيدا عن التأثر بالتطورات العالمية. وكانت الدعوة إلى تحرر المرأة من مكوّنات فكر ونشاط عدد من روّاد النهضة العربية. وإن اختلفت مواقفهم حول هذا الموضوع - بين المحافظة والوسطية والتجديد.
 
ومما يلفت النظر أنّ ما بدأه روّاد النهضة العربية ما يزال موضوعا للحوار والجدل حتى أيامنا هذه.
* * *
8)- بعد حربين مدمرتين ذهب فيهما ملايين الضحايا - وخسرت البشرية ثروات هائلة - ودمرت مدن بكاملها. أدرك ممثلو دول العالم وأكّدوا من جديد: الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره. وإنّ الناس يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق. وإنّ ازدراء حقوق الإنسان قد أدى إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني. وإنّ ضمان حقوق الإنسان وحرياته أساس العدل والسلم في العالم أجمع. فصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول عام 1948 الذي تتالى بعده صدور عديد الإعلانات والمواثيق الدولية - التي أكّدت مبدأ المساواة في الحقوق بين البشر جميعا بصرف النظر عن اللون أو الجنس أو الأصل القومي أو الدين أو المعتقد....... إلخ.
 9)- لم تستطع جميع النصوص التي تضمنتها المواثيق والإعلانات الدولية أن تحقق التقدم الذي يفرضه التطور الموضوعي للمجتمع - ولا أن تحقق المساواة الفعلية في الحقوق والحريات العامة. لذلك، فإنّ تنامي الحركة النسائية - والنضالات المستمرة - أدّى إلى إصدار عدد من الاتفاقيات الخاصة بالمرأة - كان أولها: - اتفاقية المساواة في الأجور عام 1951
- ثم اتفاقية بشأن الحقوق السياسية للمرأة عام 1952
وغيرها........ إلى أن صدر إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 7 تشرين الثاني 1967 - الذي جاء في ديباجته:
 " إنّ الجمعية العامة إذ تأخذ بعين الاعتبار أنّ شعوب الأمم المتحدة قد أكّدت من جديد في الميثاق، إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الشخص الإنساني وقيمته وبتساوي الرجل والمرأة في الحقوق...... إلى أن ننتهي بالقول:
 " وإيمانا منها بأن إسهام النساء والرجال على السواء أقصى إسهام ممكن في جميع الميادين مطلب لا بدّ منه للتنمية الكاملة لأي بلد في جميع الميادين ولخير العالم ولقضية السّلم، وإذ ترى أنّ من الضروري كفالة الاعتراف العالمي، في القانون وفي الواقع بمبدأ تساوي الرجل والمرأة، تعلن رسميا الإعلان التالي ":
وفي 18 كانون الأول عام 1979 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. التي بدأ نفاذها في 3 أيلول 1981. وصادقت عليها الجمهورية العربية السورية في عام 2003.
 10)- ارتبط تصديق الجمهورية العربية السورية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة - بعدد من التحفظات - التي أفقدت هذا التصديق كثيرا من أهميته. وأساس التصديق مع التحفظ يستند إلى المادة / 19 / من اتفاقية فيينا المتعلقة بقانون المعاهدات. التي تسمح للدول بإبداء تحفظ وقت تصديق معاهدة أو الانضمام إليها.
وتعرّف التحفظات على أنها بيان من طرف واحد مهما كانت صياغته أو تسميته تدلي به دولة ما، لدى توقيعها معاهدة أو تصديقها أو قبولها بها أو إقرارها أو انضمامها إليها وترمي من ورائه إلى استثنائها من الأثر القانوني لأحكام بعينها من أحكام المعاهدة، أو تعديل هذا الأثر في تطبيق الاتفاقية على تلك الدولة.
 وإذا كان لكل دولة الحق في إبداء تحفظاتها عند توقيع أو تصديق اتفاقية ما أو الانضمام إليها - إلا أنّ هذه التحفظات والإعلانات لا يجوز أن تؤدي إلى نسف أثر الاتفاقية أو أن تكون مناقضة لغرضها.
* * *
 
11)- بأيّ معنى يمكن الحديث عن التصديق على الاتفاقية والتحفظات التي أعلنتها الجمهورية العربية السورية؟؟.
يعني تصديق أيّ بلد على اتفاقية أو معاهدة دولية. أن هذه الاتفاقية أو المعاهدة أصبحت جزءا من تشريعه الوطني. وإنّ النصوص والأحكام التي تضمنتها واجبة التطبيق. وهي بالتالي تلغي أيّ نص مخالف لها – وتلزم الدولة المصدّقة بأن تعدل تشريعاتها بما ينسجم والاتفاقية - وأن تتعهد بالامتناع عن إصدار تشريعات تضيق أو تحد من الحقوق الواردة فيها. وبهذا المعنى فإنّ التصديق على الاتفاقية يكتسب أهمية كبيرة. لأنه يشكل حافزا وقاعدة تستند إليها الحركة المناضلة من أجل حرية المرأة ومساواتها والمناهضة للتمييز ضد المرأة. وهذه الاتفاقية،وإن كانت خالية من أيّ قوّة ملزمة - تلزم أية دولة صادقت عليها بتطبيق أحكامها.
إلا أنها تحمل قوّة معنوية تجعل موقع الدول التي تخالف أحكامها موضع شك أمام المجتمع الدولي.
 
غير أن التحفظات التي أعلنتها الجمهورية العربية السورية قد أضعفت إلى حدّ كبير من أهمية هذا التصديق. خاصة وأنها تناولت نصوصا جوهرية في الاتفاقية. أهمها:

التحفظ بالإعلان على المادة الثانية من الاتفاقية التي تنص:
" تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتتفق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة، وتحقيقا لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:
آ)- إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة.
ب)- اتخاذ المناسب من التدابير، تشريعية وغير تشريعية، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة.
ـ)- فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل وضمان الحماية الفعالة للمرأة، عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى في البلد، من أي عمل تمييزي.
ء)- الامتناع عن مباشرة أي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.
و)- اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزا ضد المرأة.
ز)- إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزا ضد المرأة.
 
كما تحفظت على الفقرة /2/ من المادة التاسعة. المتعلقة بمنح الأطفال جنسية الأم. والفقرة / 4 / من المادة الخامسة عشرة المتعلقة بحرية التنقل والسكن. والمادة / 16 / الفقرات [ 1-ج و 1- د و 1- و و 1- ز ] المتعلقة بالحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه وفيما يخص الولاية والنسب والنفقة والتبنّي والفقرة / 2 / من المادة السادسة عشرة المتعلقة بالأثر القانوني لخطوبة الطفل أو زواجه. والمادة التاسعة والعشرين المتعلقة بالتحكيم بين الدول.
وقد بررت التحفظات -  بأن النصوص موضوع التحفظ تتعارض مع الشريعة الإسلامية. أما المادة التاسعة والعشرون. فإنها حسب الرأي الحكومي - تمس سيادة الدولة.
* * *
 
12)- يلاحظ أن التحفظات المذكورة آنفا - تحد بشكل جوهري من فعالية التصديق. وتقلل من أهمية الاتفاقية ومكانتها في سلّم التشريع - وتؤدي في نهاية المطاف إلى بقاء النصوص التشريعية المخالفة لأحكام الاتفاقية الموجودة في قوانين عديدة - وبخاصة في قانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية - وقانون الجنسية. كما يلاحظ أنّها في غاية الاتساع وتنقصها الدقة والوضوح.
ولا يكفي القول: بتعارض النصوص مع الشريعة الإسلامية هكذا بشكل عام - للقبول بها. علما أن الجمهورية العربية السورية بتصديقها على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1989 صادقت ضمنا على مبدأ أساس هو تمتع جميع المواطنين بالحقوق والحريات التي يتضمنها العهد. بصرف النظر عن لونهم وجنسهم........ إلخ.
يضاف إلى هذا. أنّ المادة / 25 / من الدستور السوري نصت على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.  لذلك يمكن القول: إن سحب التحفظات المذكورة يشكل مطلبا أساسيا وضروريا - لكي يكون للتصديق الأهمية المناسبة والفعالية اللازمة للارتقاء بمكانة المرأة ودورها في المجتمع.
13)- يمثل التمييز بين البشر إهانة للكرامة الإنسانية. ويجب النظر إليه بوصفه انتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. وعندما تجمع كافة الشرائع - الدينية والوضعية على أن الأسرة هي الخلية الأساسية في بناء المجتمع - فإنه من البديهي القول: إنّه لا أسرة بدون المرأة والرجل - ولا أسرة صالحة إذا لم تقم على المساواة بين مؤسسيها - ونقصد بصلاح الأسرة - فعالية كل فرد فيها وشعوره بالطمأنينة والحرية والإنصاف. وبالانطلاق من الأس! رة إلى المجتمع. لا يمكن أن نتحدث عن مجتمع متقدم إذا كان نصفه يعاني التمييز.
14)- يقدم التاريخ أسماءً لامعة في المجتمع العربي لنساء لعبن دورا هاما في أحداث معينة وشاركن مشاركة فعالة في معارك الوطن السياسية والاجتماعية - غير أنّ هذه الأسماء بقدر ما تدل على روعة المواقف. فإنها لا تكفي للقول بأنّ ما أتيح للمرأة من فرص دليل على انتفاء التمييز ضدها. ولكي لا يكون الحديث عموميا. سنضع في دائرة النقاش بعض النصوص التشريعية في قانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية وقانون الجنسية - في القسم الثاني من هذه الدراسة.
15)- يمكن القول: إنّ الموقع الذي تحتله قضية رفض التمييز ضد المرأة في الوقت الراهن.  أصبح يشكل قاعدة متينة للانطلاق إلى الأمام. وتمتلك هذه القضية إرثا معرفيا وعمليا يجعل ظروف النضال أفضل بكثير من الظروف التي عمل بها الروّاد الأوائل. وتسمح بأن تكون الأفكار أكثر جرأة وإقداما. وأن تتجاوز المطالبة بما يسمّى: " تحسين وضع المرأة " إلى المطالبة بحرية المرأة ومساواتها التامة مع الرجل في الحقوق والواجبات. وأن لا تتهيب الحركة النسائية مواجهة التقاليد الاجتماعية المتخلفة ذات الوطأة الأكبر من النصوص التشريعية! حيث يلاحظ أحيانا أنّ الممارسة العملية - أكثر تخلّفاً من النص.

سبق القول:  إن قضية حرية المرأة ترتبط بالإصلاح وتطور المجتمع. وهو ارتباط يجعل كل جانب مؤثرا في الجانب الآخر ومتأثرا فيه. حيث لا يمكن أن نتصور مجتمعا متطورا ونصفه مغيبا. ولا يمكن للتطور إلا أن يترك تأثيرا على المواقف وأنماط السلوك والمفاهيم تجاه المرأة وحريتها.
 ومع قناعتنا - بأن تعديل النصوص التشريعية لا يعني تبدل الحال تلقائيا, إذا لم ترافق التعديل ممارسة عملية - تنبثق عن القناعة الراسخة بضرورة التعديل من جهة. وعن مستوى معرفي - ثقافي من جهة ثانية.
 ونعرف من خلال التجربة العملية المتواضعة في عملنا القانوني حوادث عديدة تعكس حالة عجيبة من المباعدة بين الأقوال والأفعال تسم أعدادا كبيرة من مثقفينا - الداعين إلى المساواة والحرية والتحرر.....إلخ. ولا نقصد هنا المثقفين من الرجال فقط. بل والمثقفات من النساء أيضا.
 وتتسع هذه المباعدة لدرجة تصبح فيها الممارسة العملية متخلفة عن النصوص التشريعية التي يطالب هؤلاء بتعديلها أو إلغائها - لصالح المرأة.
 تؤكد هذه الحالة أن فعالية الحركة من أجل تحرر المرأة وإلغاء التمييز ضدها تقوم أولا على الانسجام الكامل بين ما يحمله الناس من أفكار ويعلنونه من شعارات.  وبين ما يمارسونه من عمل. لأن أحسن الكلام ما رافقه حسن فعل, ونرجو أن لا يفهم من ذلك أننا نقلل من أهمية الأفكار والدعوات. بل نريد للأفكار فعالية أكثر وللدعوات مصداقية ورسوخا في وجدان الناس.
* * *
- إن حالة المباعدة بين القول والفعل عند الأفراد. هي صورة طبق الأصل عن حالة المباعدة التي تتسم بها السلطات العربية. في توقيعها على الاتفاقيات والعهود الدولية التي تنص على المساواة في الكرامة والحقوق بين الناس جميعا - وإصدار دساتير تنص على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وعلى مبدأ سيادة القانون في المجتمع والدولة من جهة. وفي الإبقاء على نصوص قانونية مخالفة تماما لنصوص العهود والاتفاقيات الدولية والدساتير الوطنية من جهة أخرى. هذه المباعدة التي تشكل ازدواجية في موقف المجتمع برمته - وتناقضا بين ما يعلن - وما يجري على أرض الواقع. ازدواجية يصعب بحث مظاهرها جميعا في صفحات محدودة. لذلك نكتفي ببعض منها:

أولا- في قانون العقوبات:
 تتمثل أحد سمات التشريع الجزائي بوضوح إرادة المشرع في الأمر والنهي وتحديد العقوبة.  وفي وحدة أركان الجرم - وفي أعمال الأعذار المحلة والمخففة, وأسباب التخفيف أو التشديد والأدلة والقرائن - بصرف النظر عن أصل الفاعل وجنسه ولونه....... إلخ.
ومن ثم فإن تخفيف أو تشديد العقوبة أو منح العذر المحل أو المخفف - بالاستناد إلى جنس الفاعل يشكل خرقا لمبدأ المساواة. واعتداءً عليه.
وهذا الخرق - نجده في عدد من نصوص قوانين العقوبات العربية. نأخذ أمثلة:
1) -النصوص المتعلقة بالجنح المخلة بآداب الأسرة في قانون العقوبات السوري:
 فقد ميزت المادة / 473 / منه بين الرجل والمرأة في العقوبة وفي الأدلة. وفي حق الادعاء. فقد عاقبت هذه المادة المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين - سواء كانت متزوجة أم غير متزوجة. أما شريكها الزاني فقد عوقب بالعقوبة نفسها إذا كان متزوجا أما إذا كان غير متزوج فعقوبة الحبس من شهر إلى سنة. ولا تقبل من وسائل إثبات جرم الزنا على الرجل - فيما خلا الجنحة المشهودة. إلاالإقرار, والوثائق الخطية التي كتبها. بينما يقبل إثبات الجرم على المرأة بكافة وسائل الإثبات.  ولا يقبل الإدعاء إلا من الزوج في حال قيام الزوجية أو ولي المرأة في حال عدم قيام الزوجية. أما المرأة فإنها لا تستطيع الإدعاء على زوجها الزاني وشريكته إلا إذا ارتكب الزنا في البيت الزوجي أو اتخذ خليلة جهارا في أي مكان كان. أما السؤال إذا كانت تستطيع الإدعاء على شقيقها الزاني ؟ فقد يبدو شيئا من الخرافة. وهذا يعكس النظرة الدونية إلى المرأة ومعاملتها بصفتها مخلوقا قاصرا - الرجل مسؤول عنها وعن سلوكها - أما هي عليها الأمر والطاعة.

2) - نص المادة / 548 / من قانون العقوبات السوري:
 التي تمنح مرتكب جريمة القتل أو الإيذاء العذر المحل إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر. ومنحته العذر المخفف إذا فاجأ زوجته أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر.
 إذا اعتبرنا أن النص يراعي حالة الفاعل عند ارتكاب الفعل وأدرجناه ضمن سورة الغضب والانفعال التي تسيطر على الفاعل. ألا يحق لنا أن نسأل لماذا لا تستفيد المرأة التي تفاجأ زوجها في هذه الحالات من العذر المحل أو المخفف ؟ - والسؤال مردود عليه بالنفي لأن سورة الغضب والانفعال وحتى الشعور بالإهانة الشديدة هنا محصور بالرجل فقط -  أما المرأة فما عليها إلا الصبر وتجرع المرارة - لأنها غير مسؤولة عن كرامة الأسرة. وعليها فقط أن يغسل العار بدمها.
 
3) - في جرائم الاعتداء على العرض - من الخطف إلى الإغصاب المواد / 489 - 507 /.
 نص قانون العقوبات السوري على وقف ملاحقة الفعل وإعفاء الفاعل من أي عقاب إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب الجريمة والمعتدى عليها.
يلاحظ أن المعتدى عليها في جرم الاغتصاب وقعت ضحية مرتين مرة بالاغتصاب - ومرة بقبول الزواج مكرهة بمجرم لا يستحق زواجا - لأن الزواج الصحيح هو الزواج الذي يتم بقبول غير مشوب بعيب الإكراه المادي أو المعنوي.
 والمغتصبة - تقبل بالزواج بمن اغتصبها كرها على كره. ومن ثم فإن القول بالزواج الصحيح هنا - قول مجازي تماما لا يعكس حقيقة إرادة المرأة. التي ستقع ضحية اغتصابات جديدة - لا تعتبر جرما. لأن القانون لم يجرّم فعل الاغتصاب إذا مارسه الزوج على زوجته !!
* * *

ثانيا - في قانون الأحوال الشخصية:
1)- نصوص قانون الأحوال الشخصية هي أكثر النصوص تمييزا ضد المرأة - بدءاً من النصوص المتعلقة بالزواج إلى الطلاق. فالإرث والولاية - والنيابة الشرعية. ويطالعنا التمييز اعتبارا من المادة الأولى, التي تعرف الزواج:
 " الزواج عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعا غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل ".
حيث يلاحظ أن هذا التعريف - تعريف متناقض. تتناقض فيه عبارة رابطة للحياة المشتركة. التي تعني أن الرجل والمرأة يكمل بعضهما بعضا ولا فرق أو ميزة لأحدهما على الآخر. مع عبارة: تحل له شرعا. حيث تعني له بمدلولها التبعية والتملك. وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون التعريف المتناسق مع بعضه.
 " الزواج عقد بين رجل وامرأة يحلاّن لبعضهما شرعا غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل ".
 ويؤكد وجهة نظرنا بأن هذا التعريف وبكلمة له. قد وضع المرأة في مرتبة أدنى من الرجل وجعلها تابعة له - النصوص اللاحقة - التي تعطي الرجل حق تزويج نفسه بينما تشترط موافقة ولي المرأة على زواجها. وإذا زوجت الكبيرة نفسها فإن هذا الزواج يبقى مهددا بالفسخ لتخلف شرط الكفاءة من قبل الولي – حتى وقوع الحمل.
 ثم تتناقض كلمة عقد التي تعني توافق إرادتين مع تحديد أهلية الزواج للفتاة بسبعة عشر عاما يمكن إنقاصها بموافقة القاضي إلى ثلاثة عشر عاما. وأهلية الزواج للفتى بثمانية عشر عاما يمكن إنقاصها بموافقة القاضي إلى خمسة عشر عاما. إذا كانت أهلية التعاقد في موضوع مدني بسيط ومؤقت هي ثمانية عشر عاما - فكيف يمكن القبول بأن تكون أهلية التعاقد في عقد زواج لا يجوز توقيته وغايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل.  أقل من ثمانية عشر عاما. وهل إرادة الزوجين في هذا العقد إرادة كاملة ؟؟. أم أن زواجهما تمّ بإرادة الغير. وأن حياتهما المشتركة قد تقررت بدون خيارهما الحر الخالي من العيوب.
 ويشكل تعدد الزوجات أكثر أشكال التمييز ضد المرأة حدةً - وأكثر أشكال التعبير عن كونها جزءاً من مقتنيات الرجل - بالرغم من اشتراط إذن القاضي. وبالرغم من جميع التبريرات والمستندات التي يتسلح بها المدافعون عنه.
ثم النفقة الزوجية, وسقوطها. إذا عملت المرأة خارج البيت بدون إذن زوجها - ومنعها من السفر بالمحضون بعد انحلال الزوجية إلا إلى البلد التي تم فيه عقد نكاحها - أو بقصد الإقامة في المكان الذي تعمل فيه شرط وجود رجل محرّم عليها. ومهما بلغت المرأة من مراتب العلم والمعرفة - تبقى محرومة من حق الولاية على أولادها القواصر. ولا يمكن القبول بشهادتها منفردة في القضايا الشرعية - بل يجب أن تؤدي شهادتها مع امرأة ثانية.
 وكالمعتاد سينبري هنا دعاة التعصّب وأدعياء الحرص على الإسلام إلى مواجهة هذا الكلام بالقول:
" هذه نصوص شرعية لا يجوز مخالفتها "  وربما سيطلقون نعوتا أقلها الخروج على الدين الحنيف.
 ولكننا نجيبهم مذكرين:
أنّ شهادة المرأة الواحدة في الالتزامات المدنية حيث يجوز الإثبات بالشهادة. مقبولة قانونا. وشهادة المرأة الواحدة في إثبات الجرائم - بما في ذلك الجنايات الكبيرة مثل القتل جائزة ومقبولة. فكيف ترفض شهادة المرأة الواحدة في إثبات أشياء جهازية قلّما يطلع عليها الرجال.
ونذكرهم أخيرا أن النص القرآني الكريم جاء:
" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى........ واستشهدوا شاهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء...... إلخ. " (سورة البقرة - الآية 282)
وعليه نسألهم: لماذا لم تعتبروا القبول بشهادة المرأة لإثبات دين تجاري كفرا وخروجا عن الدين الحنيف. وعندما نطالب بأن تقبل شهادة المرأة الواحدة في إثبات الأشياء الجهازية أو المهر أو غيره من الحقوق الزوجية - ترتفع الأصوات مدوية تصمّ الآذان ؟.
ولا بأس أن نقول أيضا: أن المرأة في وقتنا الحاضر - الوزيرة والقاضية والمحامية والطبيبة والمعلمة.......إلخ هي غير المرأة قبل ألف وأربعمائة عام. ومن العار أن تكون قاضية تحكم وتفصل في المنازعات أو محامية تُوكّل بالطلاق والزواج - ووزيرة تصدر الأوامر الإدارية والبلاغات التي تتعلق بمصالح آلاف الناس وحقوقهم ولا تقبل شهادتها منفردة.
ونظرا لطبيعة المقال - فإننا نكتفي بهذا القدر من استعراض مظاهر التمييز ضد المرأة في قانون الأحوال الشخصية. لأن النصوص الأخرى يحتاج كلّ منها إلى بحث خاص.
 
ثالثا - في قانون الجنسية:
 تنص المادة الثالثة من قانون الجنسية في الجمهورية العربية السورية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم / 276 / لعام 1969:
يعتبر عربيا سوريا حكما:
آ- من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري.
ب- من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانونا.
جـ - من ولد في القطر من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو لا جنسية لهما, ويعتبر اللقيط في القطر مولودا فيه وفي المكان الذي عثر عليه فيه ما لم يثبت العكس.
ء- من ولد في القطر ولم يحق له عند ولادته أن يكتسب بصلة البنوة جنسية أجنبية.
هـ - من ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية ولم يكتسب جنسية أخرى ولم يتقدم لاختيار الجنسية السورية ضمن المهل المحددة, بموجب القرارات والقوانين السابقة ويسري حكم هذه المادة ولو كان تاريخ الميلاد قبل تاريخ العمل بهذا المرسوم التشريعي.
من خلال هذا النص يتضح أن القانون السوري قد أخذ بحق الدم لجهة الأب أي بالميلاد لأب يحمل جنسية الجمهورية العربية السورية. وبالتالي فإن جنسية الطفل تحدد تبعا لجنسية أبيه, أما الأم العربية السورية فإن أولادها لا يستطيعون اكتساب جنسيتها إلا في حالة عدم ثبوت نسبتهم إلى أبيهم قانونا. وهذا يشكل تمييزا واضحا ضد المرأة. وما ينطبق على ثبوت الجنسية ينطبق على التجنس. مما يؤدي إلى خرق مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات. واعتبار المرأة مواطنة من الدرجة الثانية.
* * *

تعبر النصوص التي اخترناها - من ثلاثة قوانين سورية عن حالة المخالفة الواضحة لنصوص المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية. ومخالفة نصوص دستور الجمهورية العربية السورية التي تؤكد على المساواة بين المواطنين. وهي في نهاية المطاف تعبير عن التناقض بين الميل إلى مواكبة التطور العالمي قولا من جهة والممانعة الفعلية في التطبيق من جهة ثانية.
وتدفعنا هذه النصوص - إلى التأكيد والتكرار:
 إننا بحاجة إلى وقفة مع التشريع ومطالبة بتعديله بدون ملل ووقفة مع الذات لكي نكون منسجمين مع أنفسنا ونمتلك الجرأة بالاعتراف أننا ما زلنا نطرح الأمور بدون تغلغل إلى الجوهر وبدون أن نجرأ على القول: إن عادات بالية ونظرة متخلفة تحكم سلوكنا ونظرتنا إلى المرأة.
يتعالى الحكام والمتسلطون علينا - ونقلدهم بالتعالي على نسائنا - وأزعم أن من يناضل ضد الاستبداد وهو مستبد على أي إنسان لا يمكن أن يسير في هذه الطريق إلى النهاية.

المحامي سليمان الكريدي – سوريا- (حرية المرأة بين النصوص والواقع)- هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته

موقع جريدة بانياس

 
< سابق   تال >

أبواب نساء سورية
الصفحة الرئيسية
مرصد العنف
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
قالت لي العصفورة
مواطنيات..
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
أرشيف الافتتاحية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 5996
عدد القراء: 3563429



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.