|
العمل الأهلي التطوعي والقانون |
|
|
|
المحامي محمد علي صايغ
|
|
2007-01-03 |
إن ما يميز العمل الأهلي التطوعي عن العمل الحكومي ان العمل التطوعي يعتمد على المتطوعين الراغبين في هذا العمل, ولا يربطهم بالعمل الأهلي عقد وظيفي قائم على استيفاء منفعة أو إحراز مكسب مادي.
وإذا كانت الجمعيات الأهلية تنشأ بمبادرات ذاتية في مجالات الحياة الاجتماعية والقيام بمهمات عامه مهنية أو قطاعيه تتوخى النفع العام والخير المشترك وتسهل عمل مؤسسات الدوله وتكمل وظائفها الاجتماعية بغية الإسهام في عملية التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية وتوفير الشروط الإنسانية اللازمة لتنمية الإبداع وزيادة الإنتاجية، فان ذلك مرهون بمسألتين: اولا: بمساهمة المواطنين في دعم الجمعيات والانخراط فيها والدفع بها لتحويلها إلى مؤسسات فاعله وذلك لان الجمعيات الأهلية واستمرار وجودها مرهون بفاعلية الناس المشتركة كما إن تطورها وتعددها وتنوعها معيار لارتقاء المجتمع وتماسكه. ثانيا: وجود قانون متطور للجمعيات الأهلية خال من التعقيدات الإدارية, يفتح المجال لأوسع شرائح المجتمع لتساهم في العمل الخيري, إضافة إلى تخلي الجهات الوصائية عن الوصاية على تلك الجمعيات والقيام بالدعم المتواصل لها وتسهيل عملها ودعمها لدى الجهات التنفيذية في الدولة, وخلق المناخ الملائم لتنشيط مبادرتها وتفعيل الحوار المستمر معها. إذن لا بد من وجود علاقة تكاملية بين جمعيات المجتمع الأهلي والدولة ممثلة بالحكومة للاستفادة من طاقاتها الكاملة, ذلك لان تطوير الاقتصاد يتطلب مؤسسات مجتمع أهلي حي ونشط, ومن المستحيل الوصول إلى تنمية مجتمعيه واقتصاديه دون وجود تنظيم اجتماعي مدني سليم أو بيئة مناسبة تحفز العمل وتدفعه من اجل الوصول إلى غاياته. ومن المعلوم ان القانون رقم / 93 / لعام 1958 الذي يحكم عمل الجمعيات الأهلية في سوريه قد مر عليه خمسين عاما على إصداره, بحيث لم يعد يتناسب مع المرحلة الحالية بكل تفاصيلها، ولا مع التطور الهائل في كافة الاصعده الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية. وأصبح متخلفا على الصعيد الإقليمي والدولي. ولا شك في ان الزمن الذي جاء فيه قانون الجمعيات يختلف تماما عن واقع المجتمع والدولة الآن, ولا بد من قانون عصري جديد بديل يساعد القوى الحية للمشاركه بفاعليه في بناء مجتمعها. والواقع ان هناك نظره مسبقة سلبية تراكمت نتيجة الزمن, ونتيجة رؤية أحادية الجانب ومن منظور سابق يتمثل في أن الجمعيات الأهلية يجب أن تدور في فلك سلطة الدولة، وان تكون أداة من أدواتها, فجاء قانون الجمعيات والتعديلات المتلاحقة عليه والقرارات الإدارية المتعاقبة التي رافقت العمل به لترسيخ هذا المفهوم وتثبيته. لكن متطلبات الواقع والتطورات الحاصله حولنا تدفع اليوم إلى تبني رؤية جديدة لدور الجمعيات في البناء الاقتصادي والاجتماعي في مجتمعها. ويبقى أن هناك جهات إدارية لازالت تمسك بالقيود التي تكبل عمل الجمعيات وقد استساغت الوصاية عليها وتحاول بكل السبل أن تعرقل أي تطوير أو تغيير في القانون لاستمرار الهيمنة عليها وتكبيل حركة فعلها في المجتمع. وضمن هذا السياق أصبح تغيير القانون ضرورة لتغيير الذهنية أو المرجعية لمن يتعامل مع الجمعيات. وما يستتبع، تبعا لذلك، من تبسيط الإجراءات فيما يتعلق بالإشهار وقبول المساعدات والتبرعات من الخارج أو الداخل, وإيجاد مرجعية قضائية فيما يتعلق بالترخيص وقرارات الحل للجمعيات، وتجاوز النصوص التي تعطي للجهات الوصائية اتخاذ قرارات لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة في مجالات التأسيس والحل, والتخلص من المركزية الصارمة التي عطلت ولا زالت تعطل عمل الجمعيات ونشاطاتها وتدفع الناس إلى العزوف عن العمل الخيري العام. ثم كيف يمكن للجمعيات أن تنطلق في بناء اقتصاد الوطن والقانون يحتم عليها إذا أرادت أن تستغل إيراداتها لضمان مورد ثابت أن يكون ذلك في أعمال مضمونة الكسب؟! وأي مشروع استثماري هذا الذي يمكن أن يكون مضمون الكسب حتما؟! وفي المحصلة فان هذا القيد وغيره يدفع إلى التردد في قبول أي مشروع أو الدخول بأي مبادرة استثماريه خوفا من الوقوع في فخ القانون ومساءلته, وبالتالي إدخال الجمعيات في حالة عطالة مستمرة باعتمادها الدائم على "التبرع العرضي" من المحسنين وأهل الخير، والذي لا يمكن فعليا مدها بإيرادات ثابتة ودائمة تساهم في تطوير عملها ونشاطها. ولا شك بأن هذه الوضعية القانونية لقانون الجمعيات قد أفقدت مجالس إدارة الجمعيات الديناميكية الحيوية, فابتعد جيل الشباب عن المساهمة الفعالة لعدم وجود التحفيز القانوني وعدم وجود بيئة مناسبة تحتضن طاقاتهم وإبداعاتهم, وأصبح الشيوخ هم حملة راية العمل الخيري التطوعي رغم كل عثراته وإشكالاته وصعوباته. وتحول دورهم وفعلهم، الذي هو بالأصل قيادة العمل الخيري، إلى مجرد القيام بتسيير الأمور داخل جمعياتهم، كل منهم بطريقته الخاصة بشكل آلي وروتيني, وافتقاد إداراتهم لأولويات علم الإدارة, مما أدى إلى غياب العمل المؤسساتي لدى معظمهم والخروج بقرارات غالبا ما تكون ارتجاليه. هذا عدا عن استمرار بقاء مجالس الإدارة بإدارة الجمعيات لدورات انتخابيه عديدة ومتعاقبة. إن إجراء أي تغيير حقيقي في قانون الجمعيات ليس مجرد إجراء تعديل أو ترقيع هنا أو هناك فيه. ولقد دفعت الجمعيات ثمنا تمثل في تعطيل عملها ومبادرتها نتيجة الارتكاز على قانون قديم, مما وضعها في حالة سبات, ذلك لان حركة الجمعيات مرتبطة بمدى اقتراب القانون من حاجاتها ومتطلبات حركة عملها. كذلك فان مشاركة الناس، والشباب خاصةً، مرتبط بما قد يفتحه القانون من مساحة للمشاركة من أوسع شرائح المجتمع، وإطلاق مبادرتهم الذاتيه في العطاء والبناء, ليتحول العمل الأهلي التطوعي في مجتمعنا إلى "حاله مجتمعيه" وتقليدا مستمرا في حياة أبناء بلدنا. المحامي: محمد علي صايغ- (العمل الأهلي التطوعي والقانون) |