|
برلمان الأطفال في دير الزور: من الفكرة إلى الواقع |
|
|
|
فريال زهرة
|
|
2007-01-03 |
سألني أحد الزملاء: لماذا اختيرت دير الزور مكاناً لبرلمان الطفل في سورية؟.. ابتسمت وقلت له: لم يختر ذلك أحداً.. هم أبناء دير الزور بادروا ونظموا وانطلقوا في العمل.. لم يتلقوا توجيهاً من أحد ولا قراراً ولم يرسل لهم تعميم.. معه حق ان يسأل ويتساءل لعدة اعتبارات: أولها: اننا اعتدنا على العمل «وخصوصاً بأفكار جديدة» بقرارات تأتي دوماً من الأعلى ولم يسبق أن نعتاد على مبادرات تأتي من القاعدة أو من الأدنى.. ثانيها: دير الزور.. نعم دير الزور التي ما زالت تصنف كمحافظة نائية ولم تشملها خطط التنمية إلا مؤخراً وبقيت طويلاً تفتقر الى الدعم الرسمي والى الخدمات الأساسية.. دير الزور التي احتلت مكانة «هامة» في خريطة الفقر على مستوى سورية.. دير الزور التي أشير اليها بالأصابع عند التخطيط لرفع مستوى الخدمات والتنمية للمنطقة الشرقية.. نعم أطفال تلك المنطقة وريفها هم من تحاوروا عبر جلسات متعددة لتناول الشؤون التعليمية والبيئية والاجتماعية والثقافية والتطوعية والصحية والاعلامية، وقدموا قبل أكثر من شهرين أسئلة خطية في جلستهم البرلمانية الى السادة المسؤولين في محافظتهم واستمعوا الى ردودهم الرسمية نهاية الشهر الماضي في دورتهم البرلمانية الثالثة.. القرار المعكوس كيف وصلوا الى هنا ؟هو السؤال الذي يستحق الاستفاضة والبحث فيه جملة وتفصيلاً تجربتهم التي مازالوا يطلقون عليها (اسم التجربة) رغم ما حظيت به من اعجاب ورغم ما ردده كل من حضر جلستهم الأخيرة من السادة الكبار؛ مسؤولين ومعنيين ومراقبين ومشاركين ومهتمين واعلاميين بأنهم «مذهلون». تجربتهم هي من تستحق التوقف عندها ملياً لنتعرف على نموذج من العمل من الأدنى الى الأعلى وليس العكس تنفيذ قرار أو توجيه من الأعلى الى الأدنى.. كيف أصبحنا أمام تجربة برلمان أطفال دير الزور؟ سؤال توجهنا به الى صاحبة الفكرة التي حولتها الى واقع بعد عامين من الايمان بالمشروع والعمل الحثيث.. الى السيدة سهام الخاطر عضو المكتب التنفيذي في محافظة دير الزور فقالت: بداية وقبل ان اتحدث عن العمل على تجربة برلمان أطفال دير الزور دعيني أقول: ان أي فكرة أو مشروع لا يمكن ان يقوم لمجرد أن شخصاً يفكر ويحلم به ولولا وجود الداعمين والمتطوعين فيه لن يكون مهما كانت قدرات وامكانيات الشخص، والحمد لله توفقنا بالداعمين والأصدقاء المتطوعين الذين آمنوا بالفكرة والهدف حتى أصبحت اليوم حقيقة نعمل على تطويرها وصقلها بكل ما يتوفر من امكانات. الداعم الأساسي الأول كان لنا في تجربتنا السيد المهندس خالد الأحمد محافظ دير الزور الذي وضع أمامنا كل الدعم الرسمي للمشروع، وقبل أيام خصص لنا السيد المحافظ قاعتين مناسبتين كمقر مبدئي لإكمال تجربتنا سنخصص قاعة منهما لتأسيس نادي الطفل الإعلامي الذي سيعمل فيه أعضاء اللجنة الاعلامية التي انبثقت عن برلمان الطفل في دورته البرلمانية الثالثة وستكون بمثابة المركز الرئيسي للأطفال البرلمانيين كافة للتزود بالعلوم والمعارف والاتصال والانترنت. أيضاً وجدنا شركاء داعمين لنا من القطاع الأهلي والخاص سواء كان من الشباب والشابات المتطوعين المساهمين في التنظيم والتحضير، إضافة الى دعم رجال الأعمال لتجربتنا ولولا هذا التشبيك بين الجميع؛ القطاع الحكومي والأهلي والخاص لما كنا الآن نتحدث عن تجربة ناجحة. بداية العمل على مشروع برلمان الطفل كانت عندما كنا في مرحلة الاستعداد لإقامة مهرجان الثقافة في دير الزور، حاولنا عندها وضع أنشطة مرافقة له تضفي عليه شيئاً من الحركة، فكرنا بإشراك الأطفال بكل الفعاليات وحاولنا ان يكون لديهم انشطة خاصة ترافق أعمال المهرجان الثقافي،وعلى مدار سبعة أيام كان هناك عرض فني لفرقة الأطفال الاستعراضية التابعة لوزارة الثقافة بالإضافة الى معرض فني لرسومات الأطفال بعنوان «أعرف حقوقي» ورفدتها ورشات أدبية وفنية شارك بها الأطفال بالشعر والقصة والموسيقا.. هذا الى جانب ثلاث جلسات حوارية واحدة حول اتفاقية حقوق الطفل واخرى حول الاعلام وثقافة الطفل وجلسة حول تشكيل ثقافة واعية للطفل، وبعد ذلك اقمنا جلسة حوارية برلمانية للأطفال بعد تهيئتهم مبدئياً من خلال مجموعة الأنشطة ولظروف صحية طارئة توقف العمل أشهراً وفي أيلول الماضي كنا قد أعدنا التحضير للعمل للمهرجان وكانت الفكرة قد تبلورت أكثر لدى الأطفال في المجتمع المحلي وكان ذلك عاملاً أساسياً للاستمرار بالمشروع فحاولنا تخصيص حيز أكبر للأطفال وكان هناك معرض لكتاب الطفل وجلسة حوارية لتشغيل الثقافة كقيمة انسانية واجتماعية للطفل بالإضافة الى تخصيص يوم لزيارة الأطفال في متحف دير الزور وعقد جلسة حوارية هناك كما رافق ذلك معرض فني لرسوم الأطفال وورشات أدبية وفنية شارك فيها الأطفال بالإضافة طبعاً الى الجلسات الحوارية حول استثمار الوقت. ثم عقدت جلسة برلمانية تمهيدية لتقسيم الأطفال الى لجان حسب ميولهم وتمهيداً للانتخاب وفي اليوم الأخير أقيمت الجلسة البرلمانية الرسمية لهم والتي تشرفنا بها بمشاركة السيدة أسماء الأسد التي حاورت الأطفال وناقشتهم بالطروحات التي قدموها خلال الجلسة. وكان لزيارة السيدة أسماء أكبر الأثر والحافز لدى الجميع لإكمال التجربة وصقلها سواء من الداعمين الرسميين أو القطاع الخاص أو المتطوعين أو عند الأطفال أنفسهم.. حينها وضعنا برنامجاً لاستمرار العمل في التجربة وأكد البرلمانيون الأطفال على ان تعقد دورة برلمانية لهم كل شهرين لمتابعة أعمالهم واقتراحاتهم والمشكلات التي طرحوها وتحاوروا فيها.. في الجلسة المذكورة قدم الأطفال البرلمانيون أسئلة خطية لكل المسؤولين في المحافظة حول كل القضايا التي طرحت للمناقشة. وفي نهاية الشهرالماضي عقدت الدورة البرلمانية الثالثة لبرلمان الطفل لمدة أسبوع. ماالذي يميز الثالثة؟ أطرف تعليق سمعته على مدار أيام قضيتها في دير الزور مع المعنيين بهذه التجربة هو أننا أول مرة نجرب ونجرب حتى تتبلور الأمور بصيغة مقبولة ونستفيد من خلال التجريب من الأخطاء والعثرات وندرس الصعوبات التي تعترض العمل، بانتظار الصيغة الرسمية القانونية أو التشريعية لما نقوم به. فالعادة غير الإيجابية والقاعدة هي العكس وهي التجريب لأي مشروع أو فكرة أو عمل بعد الإقرار بالصيغة الرسمية حيث نصطدم بعشرات العقبات تارة بحجة التفسير وأخرى تحت بند التأويل والاجتهاد.. ويأخذنا الوقت ونصبح جميعاً قانونيين شغلنا الشاغل المقارنة بين النص والتعليمات ونضيع في متاهة روح التشريع أو القانون الناظم. نقول ذلك لأننا بدأنا هذه المرة بالعكس ووفرنا على أنفسنا الكثير من الوقت لاقتراح المبادرات التي تطور المشروع حتى قبل إقراره من خلال العمل الميداني التجريبي.. ـ ما الذي ميز تجربة برلمان الطفل في دورته البرلمانية الثالثة؟.. سؤال لمسنا جواباً له على مدى أسبوع في العمل مع الأطفال مباشرة من خلال التدريب المكثف في ورشات العمل المتنوعة التي اقترحت قبل انعقاد الجلسة البرلمانية للأطفال. صحيح ان الأطفال يملكون الأفكار.. لكن إخراجها الى العلن ليس بالسهولة التي نتوقعها فهم يحتاجون الى وقت ما والى حوارات عديدة ليتخلصوا من فكرة التلقين التي شئنا أو لا لا تزال موجودة لدى الغالبية من أطفالنا.. فالأسرة والمدرسة وربما المجتمع الذي لم يتقبل فكرة الحوار وتبادل الرأي واحترام الرأي الآخر حتى لو كان معارضاً ليس من السهولة تغيير فلسفته مالم نعمل بشكل مكثف مع أطفاله، وهذا ماحدث مع الأطفال البرلمانيين الذين تحاوروا وتحاوروا حتى تخلصوا تلقائياً من التلقين وبدؤوا يستحضرون الأفكار للأخذ والرد وليس قول رأي ما فقط والجلوس. هذا العمل المكثف على تدريبهم وتأهيلهم على مهارات التواصل والحوار جعلهم لا يكتفون «بالحكي» في جلستهم الثالثة جعلهم يستشعرون ان الحوار ليس لمجرد الحوار وان ذلك بليه في حق المشاركة المساهمة في صنع القرار والمبادرة بأفكار ومشاريع. الأداء الرائع والمذهل للأطفال البرلمانيين بعد هذا التدريب لم يكن عادياً لا بمستوى الحوار ولا النقاش العام.. فإن أداءهم أكثر من مذهل لجميع من تابع تجربتهم منذ البداية. تشرين سجلت بعض هذه الانطباعات من المشاركين: السيدة هديل الأسمر ـ ممثلة هيئة شؤون الأسرة قالت لنا: كان لي الشرف ان اجتمع مع الأطفال في ثلاث دورات برلمانية وأرى ان التجربة الآن أصبحت أنضج. د. وائل الإمام ـ عميد المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية قال: برلمان دير الزور تجاوز التجربة وهناك نقطة ايجابية ومميزة وهي انطلاقه من محافظة دير الزور علماً أن هناك امكانيات أكبر لدى محافظات أخرى. السيدة سهام الخاطر المشرفة على البرلمان قالت: لن انظر اليهم بعد اليوم كأطفال عاديين يلعبون ويمرحون لا همّ لهم سوى تأمين حقوقهم اليوم وبعد جلسات التدريب والحوار اكتشفت فيهم روح المسؤولية بما يؤهلهم لأن يكونوا نواة حقيقية لأي برلمان يملكون الرؤية ويستشعرون المشكلات ويفكرون بطرق حلها وانتظر منهم الكثير من الأفكار والبرامج التي ستترجم كلها لصالح مجتمعنا.. لقد قرروا فعلاً واخذوا المبادرة ليكونوا فاعلين لا متلقين فقط. لأن يكونوا مساهمين مشاركين في المسؤولية في هذه الدورة البرلمانية أعادوا تنظيم أنفسهم في عشر لجان حتى باقتراح أسماء اللجان لم يكونوا تقليديين فاختاروا أن يحددوا هدفنا لكل لجنة لمدة ثلاثة أشهر يعملون عليه ثم يقومون عملهم ونجاحهم فيه ثم ليتبادلوا الأدوار ضمن اللجان. واللجان هي لجنة المتطوعين الصغار ولجنة الطفل الاعلامي ولجنة داعمي ذوي الاحتياجات الخاصة ولجنة انقذوا بيئتنا ولجنة عودوا معنا الى المدارس ولجنة حاورونا نفهم ولجنة نحن متساوون ولجنة الشكاوى ولجنة البدائل. وحددوا مضمون وأهداف وآلية عمل كل لجنة أثناء جلستهم البرلمانية وجسدوها بمشاريع فورية، فمثلاً لجنة عودوا معنا الى المدارس وكون منطقة دير الزور تعاني بشكل واضح من مشكلة التسرب قرر الأطفال البرلمانيون الذهاب الى أسرة الطفل أو الطفلة المتسربة ليحاوروهم ويحاوروا الطفل المتسرب أيضاً.. وإذا لم ينفع ذلك سيتابعون مع المرشد الاجتماعي في مدرسة المتسرب والإدارة ثم سيتابعون في القضاء مع القاضي والأهل وهكذا. الدعم والمؤازرة نادراً ما نجد رجال أعمال يتبرعون ويدعمون أعمالاً ونشاطات اجتماعية جديدة عليهم في محافظتهم على الأقل.. خاصة في مشروع مثل البرلمان الذي لقي من الانتقادات مالقي في بدايته مثل عبارات «شورح ينفع العمل مع الأولاد..شورح يطلع منهم إذا الكبار..خليها «المشرفة» تدور على شغلة تنفعنا».. وربما تزداد الانتقادات في منطقة كمنطقة دير الزور التي تفتقر للكثير كما نعرف فكان يقال مثلاً «شوما عنا شغل حتى نلتهي بالأولاد.. وغيره..».. ومع ذلك دعم رجال الأعمال والقطاع الخاص جملة الأنشطة الاجتماعية التي قامت بها المحافظة مثل: العرس الجماعي وحملة كراسي المعوقين وتجربة برلمان الطفل. ولعل من أبرز الداعمين لهذه الأنشطة هم شركة كنامة التجارية، فالسيد مازن كنامة نائب رئيس غرفة التجارة في دير الزور في أكثر من حديث معه كان يؤكد لنا في كل مرة ايمانه بالعمل الاجتماعي وايمانه بأن مثل هذه المبادرات تحرك الأجواء الباردة والتقليدية في المجتمع وأن كثرة هذه المشاريع هنا وهناك بنشاط للمعوقين وآخر للشباب وآخر للأطفال سنجد أنفسنا في حراك اجتماعي يتبلور تلقائياً ويترجم الشراكة الحقيقية في المجتمع. إن دعم هذه الفئة سواء شخصياً أو غيره من الفعاليات الاقتصادية بالتأكيد ستخلق حافزاً مهما للكثيرين مهما امتلكوا من امكانات سواء مادية أو تطوعية مجانية. اليوم نتحدث عن هذه التجربة المتميزة على مستوى سورية.. لكن ومهما قلنا عن مبدعي الفكرة وصانعي المشروع لن ننصفهم لأنهم فعلاً صنعوا التغيير وصنعوا تجربة ناجحة وستتطور بالتأكيد ما دامت قد وجدت الشركاء المؤمنين بالنجاح وما دامت عناصر النجاح وأدواته ووسائله تتوفر.. نادي الطفل الإعلامي لعل أهم ما يميز استمرار تجربة برلمان الطفل هو انبثاق مشروع فوري وعاجل وضعه الأطفال على أجندة العمل حالياً وبالتعاون مع مشرفة البرلمان ومحافظ دير الزور خصص المكان المناسب له وهو نادي الطفل الإعلامي الذي انبثق عن لجنة الطفل الاعلامي في البرلمان وحدد له فوراً برنامج عمل ولقي الدعم من جريدة تشرين وجريدة الفرات، حيث منح رؤساء التحرير صحفاً مجانية لأطفال البرلمان يومياً وقبل انتهاء الجلسة، لتعلن مشرفة البرلمان عن وجود شركاء حقيقيين آخرين داعمين لتجربة برلمان الطفل وحالياً تستعد شركة خاصة لتجهيز النادي الاعلامي وتمويل المشروع بكافة المتطلبات من الاستفادة بخبرات اعلامية على مستوى عال من داخل وخارج سورية الى الوسائل اللازمة من اتصال وانترنت الى ورش تدريبية الى ايفاد للأطفال الاعلاميين الى الخارج للتدريب وغيره.. أما اللجنة الاعلامية لبرلمان الطفل التي تفتخر بأن أحد البرلمانيين الأطفال خصص موقعاً للبرلمان على الانترنت قبل أشهر ويتم الآن الاستعداد لإطلاقه وجدت اللبنة الأولى لإنجاح نادي الطفل الإعلامي، فقرروا المباشرة فوراً بإعداد نشرة دورية تسلط الضوء على ابداعات الأطفال الأدبية والاجتماعية والبرلمانية ونشاط أطفال البرلمان في اللجان الأخرى، كما تهدف إلى جمع أعمال الأطفال ونشرها عبر التواصل مع الاعلام المحلي الرسمي والخاص، وحددوا مهلة شهرين ليعلنوا رسمياً عن تأسيس ناديهم في جلستهم البرلمانية المقبلة في شهر شباط القادم. فريال زهرة- (برلمان الأطفال في دير الزور: من الفكرة إلى الواقع)- (العنوان الأصلي: حين تتحول المبادرات إلى حقائق.. نكتشف عالم المتطوعين.. برلمان الطفل في ديرالزور من الفكرة.. إلى الواقع.. نادي الطفل الإعلامي أول المشاريع التي بدئ العمل عليها بانتهاء الدورة البرلمانية الثالثة)-
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
|