|
لا تستغربوا من حقهم أن يقولوا: "لا" |
|
|
|
ثائر زكي الزعزوع
|
|
2007-01-03 |
الطفلُ بوصفه المرحلةَ الأولى للإنسان، هو، بحقٍّ، التكوينُ الذي يمكن أن تنعكس السلوكيات التي يتعلمها في مراحله الأولى على حياته المستقبلية كاملة وقد يتأثر المجتمع كله بتلك التصرفات والسلوكيات التي اكتسبها أو تعلّمها في طفولته، إذا كان شخصيةً اجتماعية أو ثقافية أو سياسية، وكثيرا ما لجأ علماء النفس أثناء تحليلهم لبعض السلوك "الغرائبي" من أحد الأشخاص إلى دراسة تأثيرات الطفولة والمراهقة عليه، ولهذا فإن دراسة الطفل وتعليمه المعارف تبدو الشغل الشاغل للعاملين في مجال تطوير المجتمع المعاصر كونه اللبنة الأساسية لأي مجتمع آت. تعاني السيدة "روعة" كثيراً من نقل "أوامرها" لابنها الصغير البالغ من العمر سبع سنوات، إنه يرفض الكثير مما تطلبه، ويسوق لها أعذاراً يظن بأنها أسباب كافية للرفض، هو يقول دائما: "لا". حتى أطلقوا عليه اسم السيد "لا" أو المستر"نو". السيدة "روعة" متخرجة في جامعة دمشق/ قسم اللغة الإنكليزية وتعمل ومنذ عشر سنوات مدرّسةً، تقول: قبل أن يبدأ الكلام كنت أخطط مع زوجي لنعلم "يامن" اللغة الإنكليزية مع العربية، كونها لغة العالم بأسره، زوجي أيضا يحمل إجازة في اللغة الإنكليزية، ويعمل دليلاً سياحياً، صرنا نقول له الكلمة العربية ومرادفها الإنكليزي، لكنه كان يرفض ذلك ويهرب إلى غرفته، ويمسك أوراقه ويبدأ يلوّن، اعتبرنا الأمر في البداية نوعا من اللعب لكن وبعد أن دخل إلى المدرسة وبدأ التعلم، لاحظنا أنه لا يحب اللغة الإنكليزية أبداً، وقد نصحتني مدرسته بأن أعلمه الفرنسية، لكن فكرت في أن أناقش معه الموضوع، زوجي بذل جهوداً كبيرة قبلي لإقناعه لكنه كان متمسكا برأيه، هذا الأمر أغضبنا كثيراً، هل يمكن أن نكون كلانا نحمل إجازة في اللغة الإنكليزية وولدنا الوحيد لا يحب الإنكليزية، حين تحدثت معه، كان عنيداً جداً، رفض تماماً أن ينفذ ما طلبته، وصار يصرخ: لا،لا،لا. بدأنا فعلا بتعليمه الفرنسية وغيرنا مدرسته، والمفاجاة أنه تفوق في تعلم الفرنسية، حتى أن معلمته تقول: "يامن" موهوب في تعلم اللغة. وحين أقول له مثلاً: ما رأيك أن نذهب لزيارة بيت خالتك، يقول: أنا لا أحب ابن خالتي إنه يضربني، في البداية كنت أجرّه جرّاً، لكني صرت أفضل عدم إجباره على فعل هذا الأمر لأنه كان يظل صامتاً طيلة فترة الزيارة، فأحسست بأنه قد يتأذى من إجباره، صرت أفضّل تركه في البيت مع أبيه والذهاب بمفردي لزيارة أختي، الأمر أحرجني لأن أختي سألتني كثيراً لماذا لا أحضر يامن معي، وأنا دائما أتهرب من الإجابة بقولي بأنه نائم، أو أنه ذهب إلى الحديقة مع أبيه..... وحين كنت أعود إلى المنزل كنت أجده وقد رسم رسومات جميلة جداً، أي أنه لا يحب أن يضيع وقته في الصراخ مثلما يفعل ابن خالته. هذه الحالة ليست نادرة وتشبه حالات كثيرة لماذا يرفض الأبناء أن يشبهوا أهلهم، طبعاً نسمع كثيراً عن ابن الطبيب الذي صار لاعب كرة قدم وأغضب أبويه، أو درس دراسة لا ترضي أهله. في الأصل هناك مشكلة في خيارات الطفل فهو لا خيار له حتى في شكل الملابس التي يحب أن يرتديها، أمه تشتري له وعليه أن يفرح وإن أبدى ملاحظة ما حول اللون أو شكل الملابس، يقال له: أنت صغير، ولا يحق لك أن تقول رأيك! هذا في القضايا الصغيرة، أما في القضايا الكبيرة مثل تغيير محل الإقامة، أي خلع الطفل من المكان الذي ولد وترعرع فيه، وزرعه في بيئة قد تكون غريبة كلياً عليه، فإن هذا الأمر قلما يُسأل الطفل عن رأيه فيه، بل تتم الأمور على الشكل التالي، يقرر الأب والأم الأمر وعلى الأولاد حزم حقائبهم وتوديع رفاق طفولتهم وذكرياتهم في المكان الذي يفارقونه، ثم أن تبقى ذاكرة المكان مصاحبة لهم طيلة حياتهم، فإن لم يكن المكان الذي انتقلوا إليه بيئة مناسبة لتكوين صداقة جديدة، فإن نوعا من الحنين يظل مصاحباً لهذا الطفل في كل تصرفاته. ومن الملاحظات الشديدة الأهمية أن نقل التجربة الديمقراطية إلى أولئك الذين عانوا "قمعاً" في بداية حياتهم يبدو أمراً صعباً تحقّقه في بعض الأحيان، إذ تتوالى فكرة الرفض لتنمو مع الشخص الذي كان مرفوضاً، فيصير هو أيضاً رافضاً، ويصير إصغاؤه لرأي الآخر شيئاً غير مألوف بالنسبة له على الأقل، لذلك فإن التأسيس لفكرتي الديمقراطية والرأي الآخر ينطلق تماماً من مرحلة الطفولة، فالطفل الذي عانى شتى أنواع الإلغاء من حيث الرأي "قد" يعمد في مرحلة متقدمة من عمره إلى ممارسة الإلغاء الذي مورس عليه. على اعتبار أنه صاحب الرأي السديد أو الرأي الأوحد، كما كان أبوه أو أمه كذلك بالنسبة له. يقول "غسان" طالب علم النفس في جامعة دمشق، لم أختر أن أدرس علم النفس، فقد دخلت هذا الفرع بسبب علاماتي في الثانوية العامة، لكني الآن أحب هذه الدراسة كثيراً فقد صرت أفهم نفسي أكثر، ويتابع.. لم أكن أعرف السبب الذي يجعلني "أثور" أمام أي نقاش، وأي اختلاف في الرأي، لكني الآن أدرك ذلك تماماً، فقد كان أبي يرفض أن أناقشه في أي موضوع، بل إنه كان يصر على أنه "هو" صاحب الرأي الصحيح حتى في موضوع الرياضة، الذي لم يكن يعنيه في شيء، وعلى ما يبدو كنت أقوم بتقليد أبي دون أن أعي، لكني الآن صرت أراقب تصرفاتي وأحاول جاهداً أن أسيطر على حالة "الأنا" التي كانت تسيّر سلوكي كله. المعاناة من الإلغاء لا تقتصر في الكثير من الأحيان على الأسرة بل إنها موجودة في الكثير من المدارس، فنادراً ما يُسأَلُ الطلاب عن رأيهم في طلاء غرفة الصف مثلاً، أو عن طريقة التدريس، وهل هم يستفيدون من مدرّس المادة أم لا، وقد ينعكس عدم تقبل الطلاب للمدرّس سلبياً وبشكل كبير على تفوّق الطلاب، أو استيعابهم، والتجارب والأمثلة كثيرة، في العام الدراسي 1999/2000 في مدرسة إعدادية في منطقة "البوكمال" تبين أن كل طالبات الصف الثالث الإعدادي في تلك المدرسة ضعيفات تماماً في مادة اللغة العربية، وقد حصلن على علامات متدنية في الامتحان النهائي، والسبب هو ضعف مدرّسة المادة، في طريقة تقديمها للدرس وعرض المعلومات، بعض أهالي الطالبات كانوا في أثناء العام الدراسي قد تقدموا إلى إدارة المدرسة بشكوى على المدرّسة، لكن شكواهم لم تجد آذاناً صاغية، وقد قال مفتش التربية وبالحرف الواحد: "المدرّسة ممتازة لكن بناتكم كسولات. فكيف يمكن أن يقول طالب بأن أستاذه غير جيد في إعطاء المادة المقررة"؟!. الطفل حسب تعريف الأمم المتحدة هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه. وبموجب هذا التعريف فإن أكثر من ثلث الشعب السوري هم من الأطفال، ولكنهم ونتيجة لانعدام صوتهم، يظلون مغيبّين تقريباً عن أية مساحة يمكن لهم من خلالها الانطلاق، أو التعبير وتبقى رغباتهم واحتياجاتهم وهميةً، يفكر بها "الكبار"، ويلقنونها لهم.... ثائر زكي الزعزوع- (لا تستغربوا من حقهم أن يقولوا: "لا")
|