|
بنت الأربعين
|
|
2006-12-18 |
اليوم، استسلمت لشعور عارم بالجرأة يدفعني لأن أبدأ "بالخربشة"، لعلها تقودني إلى بوح، أو أي شيء يشبهه، قادر على أن يفرج عما استوطن ذاكرتي منذ سنوات طويلة، وما زال حاضراً مؤثراً فيّ..
عما أحس به، وهو غضب في أغلبه.. عن أحلامي التي يتهاوى واحدها تلو الآخر وأنا أجيرها من شهر لشهر.. ومن عام لعام.. لا أعتقد أن العجز هو ما يدفعني لهذه الكتابة. لكن ربما الخيبة هي التي تدفعني لأن أتحدى هذا العجز، لأن أستفيد من مساحة العمر المتاحة في أن أراجع ما عشته وأنا أملك القدر والحرية اللازمتين كي أسمي الأسماء بمسمياتها الحقيقية، بعيداً عن الإحساس أن الوقت قد فات! وقبل أن أعود ثانية للإحساس بالخجل عما قد يقوم به آخرون... أنا، ابنة الأربعين، سأبدا بالكتابة وأنا محاطة "بخربيطات" السياسة والاقتصاد والمجتمع.. وحتى "بخربيطات" الطقس! فبعد تاريخ طويل من "دس الأنف" بما يسمونه الشأن العام، أصحبت أعتبره شأناً خاصاً من شؤوني. ورحت أثق بشدة بقدرتي على التأثير فيه. سأبدأ الكتابة بعد أن تحررت من قيد الإحساس بأن موقعي ومكانتي، وكل الوجوه "الكرتونية" التي أختبئ وراءها.. تمنعني من أن أظهر على ما أنا عليه، أن أظهر كإنسان حقيقي.. ببساطة هذا التعبير وعمقه.. ليس هدفي أن تقرؤوا ما أكتب. لأنني أعرف أنني كما أملك الحق في الكتابة، تملكون أنتم الحق في أن لا تقرؤوها.. أو تقرؤوها.. إن أقصى ما أهدف إليه هو أن أتصالح مع ذاتي.. مع ذاكرتي.. مع جسدي الذي لما أمتلك حرية التصرف به حتى الآن.. وربما ستكشف التجربة، والتجربة وحدها، إن كان لهذا البوح من قيمة..لنبدأ إذن.. لا أستطيع أن أقول إن طفولتي كانت طفولة عادية، لأنني أعترف أنه لا يمكنني أن أحدد ما هو العادي في حياة الأطفال، طالما أن غريزة الظهور بالشكل الذي يطلبه منا من هم أكبر منا، سناً وقدراً وسلطة، كانت تدفعنا لأن ندفن في ذواتنا الحياة الحقيقية التي عشناها، فلا هو مسموح لنا أن نقول إننا ضحايا، فعار المعتدي نحن من سنتحمله، ولا هو مسموح لنا أن نلعب ببساطة وحرية تلك الألعاب التي كانوا يقولون هم عنها: "ألعاب بريئة"..! ما زلت أذكر تلك "الكفوف" التي انهالت علينا عند ضبطنا ونحن نلعب، ولمرة واحدة فقط، لعبة "ضرب الإبر"، والغمز واللمز الذين يرافقان حديث الكبار عن لعبة "العروس والعريس" إذا لعبها بعضها، وبما كلنا..! كنت أعيش طفولتي كما يعيشها الآخرون.. وربما لا! لأنني، حقيقة، لا أعرف كيف عاشوا طفولتهم! أو بالأدق حيواتهم الطفولية. حتى إخوتي الذين اقتسمت معهم حيز الفراغ الذي كانت تشغله عائلتنا، هنا في المدينة أو هناك في القرية. فأنا لم أعرف إلا الخطوط العامة والمعلنة لما أطلق عليه: "تفاصيل الحياة". فتصوروا كيف يمكن أن تكون الأشياء تفاصيلاً وهي مجرد خطوط عامة؟! حتى إن ما استطعت أن أعرفه عن شيء "مستور" عندهم، فإنما حصلت عليه بطريقتين لا ثالث لهما: الأولى أن أكون شريكة في "التستر" على ما حصل، لأنه ليس من الضروري أن نكون شركاء في صنعه! والثانية هي اتخاذ أحدهم القرار بالبوح بما "ستره". وغالباً ما يأتي القرار بعد أن يبلغ "سن الرشد"! أعرف أنني أكثر من استخدام الأقواس الصغيرة، ليس لولعي بها، ولكن لأنني أتحفظ بشدة على المعنى الحقيقي للتعابير التي تتضمنها هذه الأقواس. على كل، وبلا طول سيرة، كنا عائلة متوسطة الحجم. فيها البنات والصبيان. وتقريباً جميع أنواع الأقارب الذين كنت ودودة نحوهم.. لكنني لم أحب منهم إلا القليل! كان بيتنا في المدينة كأي بيت لعائلة من أصل ريفي: مفتوحاً للجميع. وغالباً ما يكون عندنا ضيوف على الفطور والغداء والعشاء.. والنوم أيضاً! وما بينها من نوادر وحكايات و"طرنيب"! وكنا نستقبل كل من يطرق الباب سواء كان الكبار موجودين أم لا. ونادراً كنا نكتم ما قد جرى في هذه الزيارة أو تلك عن الكبار. لأننا، وقتها، نكون خجلين أو خائفين من أن نروي ما حصل لنا! وكيف أدخلنا الضيوف "الكبار" في عالمهم المجرم! كان علي أن أعاود، وربما أخوتي أيضاً، استقبال أولئك الضيوف الذين كرهتهم، مرات كثيرة بعد ذلك، وأنا أزم شفتي مع انفراجة بسيطة لتؤشر على ابتسامة ترحيب! حتى لا ينتبه أحد من المحيط أنني لا أرحب بهذا الضيف أو ذاك، فيسألني لماذا؟ وعندها سأحاول طبعا أن أجيب بصراحة: لأن ما حصل هو "عيب"! وربما "عار"! لكن لم أكن أعرف وقتها أن ما حصل هو "عار" على ذلك الشخص! ولا أتحمل شيئاً من وزره..يتبع..
بنت الأربعين- (في البداية..) |