|
التنمية الشاملة هي الأساس! |
|
|
|
محمود الوهب
|
|
2006-12-18 |
منذ أسبوعين تقريباً أتيح لي حضور ندوتين متتاليتين أعتقد أنهما مهمتان. انعقدت الأولى في فندق سميراميس بدمشق، والثانية في المركز الثقافي العربي بحلب. وقد كان لمشاركة مجلس الشعب فيهما حضور بارز في إطار ما هو قائم من تعاون بينه وبين صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، والآخر المتعلق بالمشكلة السكانية. أما الندوة الأولى فكانت حول المشاركة السياسية للمرأة في سورية، وكانت الثانية حول مشكلة التزايد السكاني المطرد في سورية الذي تصل نسبته إلى أكثر من 3% سنوياً، وقد خصصت الندوة الثانية للحوار مع الكتاب والفنانين الذين ـ مع كل أسف ـ لم يحضر منهم أحد سوى رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب بحلب، وذلك دليل على ما سأقدمه من ملاحظات. ففي الندوة الأولى أكدت الزميلة ندوة السلوم وهي قاضية من الرقة، تقديم ما هو واجب على الدولة لكي تنهض بالمرأة وتفسح لها في المجال للمساهمة السياسية الفعالة. وذكرت عدة بنود يدخل التثقيف في كل منها إضافة إلى التوعية والتدريب والتأهيل. وانتهت إلى تأكيد (الكوته) النسائية التي تسمح بزيادة عدد ممثليها في مجلس الشعب حتى نسبة 25% أي ضعف ما هو موجود حالياً. كذلك فعل الزميل خالد نجاتي الذي تحدث في الندوة السكانية المخصصة لمنتجي الثقافة ومروجيها، مقترحاً على هؤلاء الذين لم يحضروا كما أسلفت أن يعملوا على إدخال المشكلة السكانية في فنونهم أدباً موسيقياً ومسرحاً وغير ذلك، بغية توعية الناس للحدِّ من هذا التكاثر العجيب الذي يُعجِز الدولة ويسقط برامجها التنموية واستشهد بأغنتين هما (الله أكبر) و(دع سمائي) اللتين أذيعتا أيام حرب 1956. واضح أن مدخل الزميلين إلى المشكلة قد جاء عبر الثقافة والتوعية، وكأن الوعي وحده هو الذي يصنع تقدم الأمم والشعوب، وأن الوعي يأتي هكذا على نحو مستقل دونما أي ارتباط بالواقع المحيط به إن لم نقل منتجه. فإذا افترضنا أن ذلك صحيح فمن الذي يصنع الوعي وكيف؟ إن المشكلتين قائمتان منذ أربعين عاماً ونيف، وإن مئات المحاضرات وآلاف المقالات قد دُبِّجت وما تزال المشكلتان في تفاقم. إذاً أين يكمن جوهر المشكلتين؟ وهل هناك أبعاد اقتصادية واجتماعية؟ أمر طبيعي ألا ننكر دور الثقافة والوعي، ولكن المشكلة أعمق من ذلك وأبعد، فالقصيدة والقصة والفكرة واللوحة والنغمة الموسيقية، وحتى المسرحية، لا تغيّر مجتمعاً، فلا هي تقدم المرأة ولا تطورها ولا تحلّ الأزمة السكانية أو تحد من تفاقمها. لا شك أن للثقافة دوراً كبيراً ومهماً، وهو يساعد كثيراً في هذا المجال الذي يحتاج إلى بلورة وعي حقيقي ولكن متى؟ وكيف؟ أعتقد أن هذا الفعل مفيد حين تكون تلك المشكلات قيد الحل الجذري، أي حين تكون الحكومة مدركة لأسباب هاتين المشكلتين الكامنة أصلاً في قضية التنمية الشاملة المتوازنة، وليس غريباً ولا خافياً على أحد أن ثمة علاقة جدلية بين كثرة الإنجاب وشدة الفقر، فمعظم البلاد التي يتزايد فيها السكان هي بلاد ضعيفة متخلفة على الصعد كافة. والصين على سبيل المثال، ورغم القوانين الصارمة المتخذة لم تستطع الحد من المشكلة السكانية إلا بعد أن دخلت في رحاب التطور الاقتصادي والاجتماعي. وكذلك بالضبط حال المرأة فالمرأة لن تنهض إذا لم تنخرط في سوق العمل، وإذا لم تكن مساهماً أساسياً في الإنتاج، وحين تكون المرأة مساهماً رئيسياً في الإنتاج والتنمية تستطيع فرض وجودها في المؤسسات الفوقية كلها، لا بل تستطيع أن تدفع بعملية التنمية وتعطيها أبعاداً جديدة! وما يؤكد ما ذهبت إليه هو ما أوردته الزميلة ندوة من حكايات تشير إلى دهشة الناس، وخصوصاً النساء منهم، من كونها قاضية أو عضوة في مجلس الشعب، وسؤالهم إياها: وما تفعلين في المجلس أنت؟! أو مطِّ شفاههم حين تواجههم بأنها (امرأة قاضٍ)؟! المشكلة هنا ليست من الموروثات، كما أشارت الزميلة ندوة، بل هي في صلب المجتمع القائم وفي أغلبيته الساحقة المتروكة للتخلف بأشكاله، والبدء يكون من هنا. أما عدم حضور الفنانين والكتاب فكأنما غيابهم احتجاج على أسلوب المعالجة، ودعوة الدولة للقيام بواجبها تجاه المجتمع، تحسيناً لعيشه ومكافحة للبطالة المتفشية في صفوفهم وارتقاء به علماً وصحة وعلى نحو شامل دونما تمييز، عندئذٍ ستحلّ المشكلة بنفسها. محمود الوهب- (التنمية الشاملة هي الأساس!)جريدة النور (6/12/2006) |