|
راشد العواني
|
|
2006-12-02 |
بعد مناقشةٍ حادّة.. قالت له.. وهي تسوّي ربطة شعرها الحمراء: (إذا كنت تحبني، وترغب في الزواج بي، عليك أن تصير مثلنا.. مجنوناً!).
ابتسمت، ثم أدارت يدها حول صدغها محاولةً التوضيح: - (ماذا؟.. ألم تسمعْ بالمجانين؟! تلك الجماعة التي عاشت كل عمرها، تصول وتجول، بحثاً عن يتيمةٍ مفقودةٍ اسمها " حياة "). بعد دقائق حرجةٍ، دفعت المجنونة حساب قهوتها، ثم غادرت، مخلفةً وراءها طائراً جارحاً.. جريحاً.. خانته كل قُواه عندما احتاج إليها. فنجان قهوته لازال ساخناً، أرخى نظره إلى قاعهِ الطينيّ.. الأسود.. المرير. أغمض عينيه المتعبتين، سمع صوتاً من داخل الفنجان: - (الأحمقُ! يترك بناتِ عمّه الجميلات.. الثريّات.. من أجل بنتٍ أقلّ من عاديّة). تلت ذلك الصوت صفعةٌ مؤلمة: - (إذا تزوّجتها.. سأغضب عليك حتى تقوم القيامة). - (أمّي سيّدة طيّبة.. سيلين قلبها ذاتَ يوم). حاول العاشق المسكين تعزية روحه الشقيّة، لكن صاعقة مدمرةً أطاحت بعزائه ذاك، إذ صرخ به كبير الملّة، شاهراً سبّابته إلى السماء. - (لعن الله المرتدين.. لعن الله المرتدين). هوى الشاب بكفّه على الطاولة مزمجراً: ـ (سأتزوّجها.. نعم.. غصباً عن الـ..). أخيراً.. تنقذ زلّةَ لسانه كفُّ والده المبجّل، تمسح له شعره، ثمّ صوته الأجش يشرح المعادلة بالتفصيل: - (يا ولدي! الفقراء أعداؤنا، يكرهوننا ويحقدون علينا،عندما فشلوا في بناء الثروة، وجمع المال، والسيطرة على مقاليد الحكم، شرعوا بتوضيب النظريات العاطلة عن الإنجاب، وتأليف الشّعارات البرّاقة التي لم تلحق بنا ضرراً يذكر). تعقّدت الأصوات، تشابكت مثل خيوط العنكبوت عندما تبدأ باصطياد فريستها الضعيفة.. تحوّل ذلك الرأس الذي أنهكه العشق إلى حقل ألغام بدأ يخشى على عُذريته أيّة حركةٍ خاطئة. فجأةً.. يشعر بجسده المرهق يصل إلى الدفء مع سربٍ من الكلمات الرّقيقة: ـ (يا حبيبي.. الحبّ – وحده – يخلق المستحيل!). آآآه.. ذلك الصوت، يعرفه تماماً، نعم، بل يكاد يؤمن به، هو صوتها، القوي الرقيق، الواثق من صداه، إنه أشبه بالمغنّي الذي استطاع بحلاوة غنائه وعذوبته، وصدق عاطفته، أن يقهر كل أصوات الغربان البشعة، حيث كادت تسحق ذلك الرأس المريض، الذي يقرّر أخيراً: - (سأصير مثلها.. محترفَ جنون!!). عند الصباح التالي: استقلّ الشاب أوّل شعاعٍ للشمس وسار.. سار متخلياً عن كلِّ شيء.. أبيه.. ذي العقليّة المتسلّطة المتحجّرة.. أمّه.. السيّدة الشرقية الطيّبة المغبونة.. ملّته.. المتكوّرة على نفسها كالقنفذ.. أصدقائه.. ثروته الضخمة.. حتّى ثيابه الفخمة، استبدلها بملابسَ بسيطةٍ، لن تستطيعَ ردّ صفعة شتاءات الشمال القاسية جداً!. عندما وصل دارها، وجد الباب مفتوحاً، شيء ما أيقظ الخوف فيه، اجتاز العتبة بخطىً مرتعشة، في الداخل فهم كلّ شيء.. الدار مهدّمة، النافورة في وسطها تنضح دماً، حشودٌ من القتلى تلعق جراحات بعضها بشراهة، تحاول إغلاقها عن شهوانيّتها المفرطة للموت، في الزاوية، أسفل الدرج، رضيعٌ يمتصُّ ما تيسّر له من رحيق أمّه المذبوحة، قبل أن تسمعه دقة قلبها الأخيرة. لم يعرف من؟ وعمّن سيسأل؟؟.. الحبيبة لم تكن بين الضحايا!!اطمأنّ قليلاً، أطلق نداءً باتجاه الداخل المغتصب: - (عائشة....). لم يجب أحد.. أعاد الكرّة.. سرَّ لسماع صدى صوته.. أما " عائشةُ " فلم تردّ.. أرسلت المرضع نفسها الأخير.. كفَّ الصغير عن الرضاعة.. صافحت خدّهُ المجروح دمعةٌ حمراءُ نقيّة.. شعر بنفسه يكبر بسرعة.. هتف بصوتٍ متهدجٍ مقهور: ـ (أولادُ الحرام، اقتحموا الدار ليلة أمس، دمّروها، ذبحونا جميعاً، جرّوها كالغنمة من شعرها الأسود الجميل، اعتقلوها بتهمة التحريض على أشياء ممنوعة "الحياة"!... هم قالوا عنها.. ممنوعة!!). بكى الشابّ بحُرقة، لأنه لن يراها بعد الآن، بل..لأنه لم يستطع إنقاذها ممّا كانت فيه. شعر بجسدها الأسمر الممشوق، يلتحم بلذّةٍ وعناد، مع أغلظ حبل مشنقةٍ هناك.. يمين العالم... جهة غروب الشمس الخائنة. راشد العواني- نادي دوحة الميماس- (عائشة) |