|
ملف مجلة شبابلك: الثقافة الجنسية في مجتمعنا.. |
|
|
|
مجلة شبابلك
|
|
2006-12-02 |
|
صفحة 4 من 4 عندما يقول الجميع: لا أرى... لا أسمع .... لا أتكلم التردد والحذر والتجاهل... عناوين دور الحكومة في نشر الثقافة الجنسية راما نجمة في مؤتمر للشباب العالمي، كان يعقد في كوبا، وزعت اللجنة المنظمة، بروشورات للشباب عن الثقافة الجنسية وسبل الوقاية من الأمراض الجنسية، والمعلومات العلمية حول الجنس، وكيفية حدوث الحمل، فما كان من مسؤولي الوفد السوري، إلا أن جمعوا كل الشباب السوري في غرفة "وعزلوهم" ريثما تنتهي "هذه المهزلة". هذه القصة التي سمعتها بكثير من التفاخر، لا أعرف مدى دقتها، لكنها تبدو حقيقية بدرجة كبيرة، فهذه المنطقة التي تسمى "ثقافة جنسية" ممنوع المرور بقربها أو التصوير، تماماً مثل المنطقة العسكرية، أما ما يجري داخلها والكلمات التي قد تحتويها، فهي ممنوعة من التداول، كأسرار الأمن القومي، أما من هو مصدر هذا الفرمان، فهنا وهنا بالذات تتفق نظرة الحكومة، مع نظرة المجتمع، "ممنوع وفقط". من كان يحكي لي حكاية كوبا، كان سعيداً جداً بهذا الفرمان، فأكثر ما يزعجه هو المصطلح بحد ذاته، "كيف يعني ثقافة وجنسية، الثقافة والجنس لا يمكن أن يجتمعا معاً، لأنهما عكس بعضهما أصلاً..." الثقافة الجنسية، منطقة الخطر العالية التوتر للأهل والحكومة ووزارة التربية والجمعيات المدنية، إلا أنها المنطقة الأكثر إغراءً للشاب، وخاصة المراهق. لا يستطيع أحد أن ينكر هذه الحقيقة، لكن بالمقابل لا يبدو أحداً قادر على مجابهتها، أو إعلان تبنيها أو البحث فيها. في عام 1996 نشرت وزارة الصحة دراسة كانت تتناول الإعلام والتثقيف الجنسي، ومصادره عند الشباب، لكنها غيرت عنوان الكتاب إلى "الإعلام والتثقيف الصحي"، وكانت تلك الدراسة "المتنكرة" بعنوان "محترم" آخر دراسة ترصد الشباب والثقافة الجنسية في سورية، وربما كانت أيضا الدراسة الأولى. أما التلفزيون العربي السوري، فما زالت كلمة الجنس ممنوعة من أن تذكر حتى لو في حديث علمي، عدا أنها ممنوعة من الكتابة في ترجمات الأفلام والبرامج الغربية. ربما مازال التلفزيون يعتمد على جهل الناس باللغة الأجنبية، لكن الغريب أن هذا التلفزيون لا يجد غضاضة في عرض أجساد شبه عارية في الفيديو كليبات، بينما كلمة الجنس مازالت تسبب له "الحازوقة". لماذا كل هذا الخوف؟ ولماذا يعتبر الحديث في الجنس، دعوة إليه، ولماذا تحجب المعلومات العلمية عن الشباب، فيما كل المعلومات غير العلمية والفاقدة لأي قيمة أخلاقية أو تربوية، تحاصره أينما ذهب، بسطات الكتب المملوءة بالعناوين اللاهبة "تفاصيل ليلة الدخلة" "جسدين غامضين" "ماذا تفعلي كي ترضي زوجك" أو القنوات الفضائية، أو أفلام البورنو التي تباع بالكيلو فوق جسر الرئيس، أو صفحات النت، التي تظهر فجأة وتطلب الدخول إليها، هذا باعتبار أن الشاب لم يبحث بنفسه عنها، أو حتى الأصدقاء والرفاق، الذين يتباهون بمعرفتهم "لأسرار" غالباً ما تكون خاطئة، هل سيرفض الشاب كل هذه المصادر، عندما يكون لا يعرف؟ أم سيرفضها عندما يكون يعرف، ومعرفته قائمة على العلم والقيم، التي تؤمنها هاتان الكلمتان اللتان من الصعوبة بمكان أن تجتمعا معاً في هذا المجتمع، الذي يصر أن عدم الرؤية وعدم الاستماع وعدم الحديث، يشكل تعويذة تمنع وقوع "المحظور". يقول الأستاذ أنس حبيب من جمعية تنظيم الأسرة: "الثقافة الجنسية لا تعني الصحة الإنجابية فقط، ولا تعني الناحية البيولوجية، ولا حتى الشق النفسي فقط، بل تعني القيم والأخلاق التي يمكن زرعها بالفرد عن مفهوم الجنس ودوره في الحياة، لكن للأسف هناك ممانعة من دخول هذه الثقافة لحياة الأسرة بشكل طبيعي، لأن هناك تقاليد تتفوق على العلم وعلى الدين فلا شيء في الدين يمنع هذه الثقافة" ويرى الباحث في علم الاجتماع، الدكتور كامل عمران، أن الثقافة الجنسية ضرورة كبيرة لا يمكن الاستمرار بتجاهلها، مضيفاً "لكن علينا أن نكون دقيقين جداً، هي ضرورية في إطار القيم الاجتماعية السائدة، ومن يقدمها يجب أن يكون قادر على تقديمها، بعيداً عن ما يسمى الحياء الاجتماعي، كيلا يؤدي ذلك لمفعول معاكس، ولا أعتقد أن ذلك يتعارض مع مجتمعنا فالشباب والأزواج يتوجب عليهم معرفة مواقع الخطأ والصواب، فإذا لم نعرف خفايا جسدنا فكيف سنعرف الآخر؟" فماهي مسؤولية الحكومة في هذا الموضوع؟ وتحديداً وزارة التربية، وخاصة في هذا الزمن الذي أصبحت فيه مصادر المعلومات أكثر من أن تحصى، أليس الأولى أن تأخذ الحكومة هذا الرهان، وتتصدى لتقديم ثقافة وتربية جنسية علمية، وأخلاقية، بعيدة عن السطحية والإسفاف، والإثارة، بشكل علمي مدروس، يحصن الجيل من الصدمات والمعلومات الخاطئة والانحرافات. تقول الدكتورة مجيدة بدور مديرة المناهج والبحوث في وزارة التربية "في المناهج السورية قدر لا بأس به من الثقافة الجنسية، لكنها موضوعة بطريقة تناسب مجتمعنا، بإيحاءات معينة لا تجرح أحداً، ونحن نراعي أن لا ندفع باتجاه تشكيل مجتمع معارض أو قلق من وجود الثقافة الجنسية بشكل أوسع أو بشكل صريح ومباشر، المديرية تعمل على خلق وعي يناسب ثقافتنا وقيمنا. بالمقابل فإن مفاهيم الصحة الإنجابية توضع بشكل صريح وواضح في المنهاج الجديد، كذلك مواضيع كانت صعبة وحساسة سابقاً كطفل الأنبوب وتنظيم الحمل، والإجهاض" وترى الدكتورة بدور أن ما يوجد في المناهج لا يمكن أن يكون كاف لوحده، أو أن يجيب على أسئلة المراهقين الكثيرة والمعقدة، لتضيف "المراهق أو الشاب يحتاج مصدر ثقة قد لا توفره المؤسسة التربوية دائماً...". وكانت وزارة التربية قد غيرت المنهاج منذ عدة سنوات مغلقة بعض الثغرات التي تتناول الجنس، ولكن مع بقاء كثير من الأسئلة دون إجابة، يقول الأستاذ وليد شبيب الموجه الأول للعلوم "تم تشريب مفاهيم الثقافة الجنسية والصحة الإنجابية في مدارسنا بدءاًً من الحلقة الثانية في التعليم الأساسي والمرحلة الثانوية، في الصف السادس بدأنا بالمفاهيم البسيطة مثل التكاثر والهدف من التكاثر، عند الحيوان والنبات ثم انتقلنا إلى الإنسان، وعند ذلك تطرقنا لزيادة عدد الأفراد وطرائق التحكم بالنسل، وأهمية الصحة الإنجابية ، وفي الصف التاسع تعرضنا لبنية جهاز التكاثر الذكري والأنثوي، اللقاح، الحمل، الصحة الإنجابية، زواج الأقارب، وبعض الأمراض المنقولة جنسياً، وفي الصف الثالث الثانوي العلمي، تم التوسع بطرائق التحكم بالحمل وموانع الحمل الطبيعية والصناعية والأمراض المنقولة جنسياُ، أما بالنسبة لطلاب الأدبي هناك مادة تدعى الثقافة العلمية وتم إدخال وحدة كاملة تتعلق بالصحة الإنجابية". ويعترف الأستاذ شبيب أنه غير كاف، ويضيف "هذه المناهج موجودة، ومع التأليف الجديد وبعد وضع المعايير سيتم تعزيز هذه المفاهيم وربطها بالواقع المحلي حتماً، وليس في مادة العلوم فقط وإنما نسعى إلى مبدأ أساسي وهو شمول المعرفة، أي نفس هذا الموضوع سيناقش في عدة كتب، أي المواد الاجتماعية ستتناول جزء منه والعلوم والصحة، والتربية الدينية لها واللغة العربية أيضاً....". فمن منا لا يذكر حصة العلوم في الفصل الثاني في الصف الثالث الثانوي، طبعاً كثيرون لا يذكرون، لأن أستاذهم تجاوز هذه الصفحات القليلة، فعادة تكون الحجة أن "المنهاج لا يلحق"، وكثيرون أخذوا هذه المعلومات كدفقة ماء بارد، بسرعة وعلى عجل، هذا الدرس الذي يسبب حياء الطلاب والأساتذة على حد سواء، ليس إلا ألف باء الحياة، وهو الذي يجيب على واحد من أكثر الأسئلة إلحاحاً "كيف نأتي للحياة"، وهو لا يشكل إلا جزءً بسيطاً من المعلومات التي يجب على كل فرد معرفتها، لكن وزارة التربية لا تريد الخوض في هذا المجال الذي تعتبر أنه قد يسبب حساسيات، وتفضل المرور عليه، مرور الكرام، دون الدخول في متاهاته، فتكتفي بالشق البيولوجي، أما الشق القيمي، وما يتعلق بالوعي، فهو متروك للفضائيات ربما... وقد كان يعول على المرشدين النفسيين في المدارس أن يقوموا بدور أكبر في التصدي للجهل الجنسي، وأن يحاولوا بناء هذه الثقافة بطريقة علمية وحضارية، لكن المرشد النفسي يخاف أيضاً من هذه الموضوع "الذي يوجع الرأس". وتضع وزارة التربية خطة عامة على مستوى القطر لكن يحق للمرشد تغيير التفاصيل حسب الفروقات على مستوى المناطق والمجتمعات، ولم تقم الوزارة ولا مرة بوضع موضوع الجنس في هذه الخطة، وبالتالي فإن المرشد لا يتكلم بهذا الموضوع إلا إذا سأل الطالب، لكن مع غياب الثقة، المرشد يتهرب مثلما الطالب لا يبادر، ويقول رئيس دائرة الإرشاد النفسي في وزارة التربية "على المرشد أن يقيم علاقة قوية مع الطلاب، والتلاميذ لمساعدتهم على معرفة أنفسهم، وفهم شخصياتهم وحل مشكلاتهم، خاصة أن الطلاب يواجهوا صعوبات بالمراحل الانتقالية، المرشد النفسي له أدواته، ليقوم بتقديم خدماته ومن ضمنها معلومات تتعلق بالنمو والجنس كي يتعرف الطالب على ذاته، فصورة الجسد لها مدلولها عند الشخص لذا يجب زرع صورة سليمة وإيجابية لكن دائماً، هذا الموضوع له حساسيته، نحن نتعاطى مع هذه المواضيع بحذر ووعي لأن طبيعة مجتمعاتنا قد تؤثر سلباً على عمل المرشد، خاصة إذا حدث فهم قاصر من المجتمع لطبيعة دور المرشد والحقيقة حدثت حالات تضايق الأهل من هذا حديث المرشد مع الطلاب بهذه الأمور". ويؤكد المرشد النفسي، المرشد النفسي عبد الحميد محمد، أنه لا يمكن تجاهل دور الحكومة أو الأهل في تقديم التربية الجنسية، وتجاهل هذه المهمة إنما يعني تعريض الشباب لخطر الأمراض، ومشاكل تحديد الجنس، والانجرار وراء أجوبة خاطئة أو عادات سيئة أو حتى تصديق خرافات، قد تؤثر على حياته أو صحته، ويقول "هذه التربية يجب أن تبدأ من البيت، لم يعد مقبولاً أن يسأل الطفل أهله من أين أتيت فيقولون له من السما، لن يصدق ببساطة، وسيبحث عن جواب يشفي فضوله، فالتربية لم تعد حكراً على الأسرة وإنما على وسائل الإعلام والانترنت ورفاق السوء، لذا الأهل عندما يكذبون والحكومة عندما تتجاهل الموضوع، والإعلام عندما يتبرأ منه، سيجد المراهق ضالته في مكان آخر، وغالباً يكون "المكان الخطأ" هناك وهم عن هذا الموضوع، فالحديث عن الجنس هو أمر طبيعي والأسئلة التي تغزو عقل الفرد في مرحلة من حياته أسئلة طبيعية بل إن عدم وجود أسئلة هو الأمر غير الطبيعي، ويجب التفريق بين الحديث الصريح عن هذه الأمور والدعوة لفعلها، فالسكوت لا يمنح أي وقاية، بل عدم المعرفة هي التي تشكل خطراً... المعلومات التي يمكن أن تقدمها والطريقة التي يمكن أن تقدم بها المعلومات هي التي تزرع قيم وحدانية الشريك، وربط الجنس بالحب، وضرورة الامتناع عنه إرادياً حتى إيجاد الشريك المناسب، والوقت الجيد للارتباط، أما الصمت فهو سيعزز الاتجاه الآخر حكماً، لأن من يعرف الحقائق عن أي موضوع هو الذي يستطيع اتخاذ قرار بشأنه، أما الجاهل فهو يميل أينما تأخذه الرياح، وكلنا نعرف أين تذهب الرياح الآن" ويرى الدكتور كامل عمران، أن مسؤولية الدولة أساسية في نشر هذه الثقافة، وعليها القيام بدور فاعل ولا يمكنها الانسحاب منه، ويضيف "الدولة مثل المولد مهمتها ليست إنتاج الأفكار بل توجيه هذه الأفكار في الاتجاه الصحيح، إما تكون محفزة، أو معيقة، ووعي الدولة يتوقف على وعي المجتمع، أعتقد أنه يجب التنبه بشكل أوسع عن هذا الموضوع في المناهج، كذلك التلفزيون ضروري أيضاً على اعتبار أنه أداة ثقافة شعبية، عليه أن يوجه برامجه الصحية والعلمية باتجاه الشباب" بالمقابل تبدو أيضاً الجمعيات الأهلية بعيدة عن الخوض في هذا الموضوع، وهناك عدد قليل جداً من الجمعيات التي تعمل في هذا المضمار وبحذر شديد، فأي خطأ يمكن أن يجعل أصابع الاتهام توجه إليهم، ومنذ فترة ليست ببعيدة جرى شيء مشابه، عندما تحدث "أحدهم" في ورشة عمل عن ما يعتبر ممنوع "اجتماعياً" فتوقفت الورشة. جمعية تنظيم الأسرة، تضع ضمن أهدافها أن يتمتع الشباب بالثقافة الجنسية الجيدة التي يمكن أن تحصنهم ضد المؤثرات التي يتعرضون لها، يقول الأستاذ أنس حبيب "دخل مربين جدد إلى حياة المراهقين والشباب، فإذا لم تكون الثقافة السليمة انطلاقاً من البيت والمدرسة وبطريقة صحيحة، فلا أحد يعرف ما هي القيم التي قد تزرع في نفس الشباب على غفلة من الصمت الكامل عن هذا الموضوع المسكوت عنه" ويؤكد الأستاذ حبيب أن الجمعية صادفت الكثير من الحالات والمشكلات الموجودة لدى الشباب بسبب الثقافة المغلوطة والمعلومات السطحية. ويضيف "بهذا الصدد تقوم الجمعية بعدد من المشاريع كان منها مشروع موجه إلى أساتذة العلوم، لتدريبهم على الطريقة المثلى لإعطاء درس التكاثر وكيفية الرد على أسئلة الطلاب، وفي مشروع آخر استقطبنا مجموعة من الشباب من مناطق عالية الخطورة (معاهد الأحداث- المدينة الجامعية وغيرها) لبناء قدراتهم ومنحهم معلومات سليمة لكن كي يستطيعوا منحها بنفس الطريقة لغيرهم حيث تمت تنمية قدراتهم التواصلية، وعقدنا عدة ورشات عمل حول الوقاية من الأمراض الجنسية، ومرض الايدز، وكيفية مقاومة الاستغلال الجنسي وما هي آلياته، فقد شاهدنا حالات من الاستغلال الجنسي لم يكن يعرف الضحية فيها ماذا يحدث.... أو لم يعرف كيف يدافع عن نفسه أمام جهله بجسده".
مجلة شبابلك عدد تشرين الثاني 2006 (الثقافة الجنسية في مجتمعنا..)
عن كلنا شركاء (30/11- 1/12/2006)
|