|
داليا حيدر
|
|
2006-11-30 |
تطلب الأمر تدخّل الدراما التلفزيونية الخيالية للخوض في أحد المواضيع التي من المحرّم الكلام عنها (تابو) في سوريا، ألا وهي مرض الإيدز.
تسبر "داليا حيدر" هذا الموضوع ناقلة عن المرضى قولهم أنهم لا يزالون ضحية، في الوقت الذي يبذل الخبراء الصحيّون الجهود لزيادة الوعي في ظل تزايد التحفظ في المجتمع حول هذا الموضوع. عندما وصلت الدكتورة سلمى إلى النزل الجديد والحديث المعدات الذي يُقيم فيه مرضى الإيدز في إحدى ضواحي دمشق، لم يصدّق أحد أن هذه الطبيبة النفسية الشابة ستكون قادرة على كسب ثقة مرضى متلازمة نقص المناعة المكتسب "الإيدز"، إن تجاوزنا فكرة إقناعهم بالتكلم عن طريقة إصابتهم بالمرض. لكن بعد أن تحدثت هي لهم عن الطريقة التي انتقل الفيروس الذي يسبب الإيدز إلى ابنها ، شعر كل من كان في الغرفة بأنه يمكن كسر جدار الصمت أخيراً. تلت إحدى المريضات، مريم، قصة لم تتلوها سابقاً إلى أحد وهي أن زوجها ضربها لأنه كان ظنّ أنها أصيبت بالمرض من رجل آخر، تحدثت عن الطريقة التي نبذها بها أفراد عائلتها عندما علموا بأنها تحمل فيروس HIV، بينما في الحقيقة كان زوجها هو من نقل الفيروس إليها. ولسوء الحظ، ليست مريم ولا الدكتورة سلمى ولا النزل الجديد والحديث المعدات موجود على أرض الواقع في سورية اليوم. بل تطلب الأمر أن يقوم كاتب السيناريو السوري هاني السعدي بكتابة مسلسله "جدار الصمت" الذي بثه التلفزيون السوري وقنوات أخرى في العالم العربي في أكتوبر 2005 خلال شهر رمضان، لكسر جدار الصمت حول أحد أكثر التابوهات رسوخاً في المجتمع السوري. المسلسل، الذي يحكي قصة مرضى إيدز مقيمين سوية في نزل قرب دمشق، لم يحجم عن التطرق لأسباب أو نتائج الإصابة بالمرض، الذي تحوّل إلى وباء عالمي يقتل ملايين البشر حول العالم سنوياً، ولكن يتم تجاهله على نطاق واسع في العالم العربي. ناقش المسلسل العلاقات الجنسية الغير آمنة مع شريك يحمل المرض على أنها أكثر الطرق انتشاراً لانتقال المرض. كما تمت مناقشة الطرق الأخرى لانتقاله عن طريق الاشتراك في استخدام الإبر وأدوات ثقب الجلد الملوثة ونقل الدم وانتقال العدوى من الأم المصابة إلى الجنين عن طريق الرحم أو للطفل من خلال عملية الإرضاع. نوقشت كذلك أعراض المرض، كما تلى المرضى قصصهم بينما كانوا يخسرون وزنهم بسرعة ويعانون من إعياء شديد وظهور أورام لمفاوية وإسهال دائم وتعرق ليلي وعوارض خرف قبل الموت. من جانبها، قالت رولا القدسي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: "قال لنا مسؤولو مركز مكافحة الإيدز في دمشق أن عدد من قدموا إلى المركز لإجراء فحوص للدم زاد فعلاً بعد أن بث المسلسل." وفي دولة لا يزال مرض الإيدز يعتبر خطاً أحمر في وسائل الإعلام وموضوعاً لا يتم الحديث عنه من قبل أغلبية سكان سورية المحافظين نتيجة للفهم السائد بربط حمل فيروس المرض بعلاقة جنسية غير شرعية، التي يُعرفها الإسلام بأنها ممارسة جنسية مع شريك غير متزوج، يهدف البرنامج الذي تعمل عليه رولا القدسي إلى إشراك طيف واسع من وسائل الإعلام العربية والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الدينية والشخصيات الحكومية في نقاش هذا المرض. أتت فكرة المسلسل من البرنامج الإقليمي الأول للإيدز في الدول العربية الذي تم إطلاقه في سبتمبر 2002 بواسطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت شعار "كسر جدار الصمت". لكن إذا نجحت الدراما التلفزيونية بكسر هذا الجدار، فإن هذا التصوير الدرامي لم يكن بالضرورة خطوة في الاتجاه الصحيح بالنسبة لبعض المصابين الحقيقيين بالإيدز. حيث قالت امرأة سورية تبلغ من العمر 53 عاماً وتحمل الفيروس والتي طلبت عدم الكشف عن اسمها: "شعرتُ أن هذا المسلسل يدعو إلى اليأس. ذهبت إلى وزارة الصحة لتقديم شكوى عن سوء تصوير هذا المسلسل للحالة التي نعيش فيها. إني مصابة بالإيدز ولكني أعيش حياتي بشكل طبيعي تماماً." تعيش هذه المرأة حياتها طبيعياً، كأخت وابنة. وقد انتقل إليها المرض من زوجها منذ ثمانية أعوام وقد توفي بدوره في مرحلة لاحقة من أمراض لها علاقة بالإيدز عام 2002. وتتابع حديثها متذكرة بالدموع ذلك اليوم المؤلم عندما قابلت أخاها المقيم في الخارج: "عندما عرف أفراد عائلتي أنني مصابة، توقفوا عن زيارتي. وعندما عانقت أخي، صرخوا جميعاً: ’لا تقترب منها، إنها مصابة بالإيدز‘." يقدر برنامج الأمم المتحدة للإيدز أن عدد حاملي الفيروس حول العالم الآن بـ 40.3 مليون شخص. ومنذ اكتشاف الفيروس عام 1981، توفي أكثر من 25 مليون شخص حول العالم من أمراض لها علاقة بالإيدز. وطبقاًً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للإيدز انتقل الفيروس إلى 4.9 مليون إنسان معافى، وفقد 3.1 مليون مريض حياتهم عام 2005 وحده. يمثل الشبان (15-24 سنة) نصف عدد من انتقل إليهم الفيروس حديثاً بحيث ينتقل إلى أكثر من 6000 شخص كل يوم، الأمر الذي تحوّل إلى إحدى أكبر التحديات التي تواجه الجنس البشري. ومنذ أن تم اكتشاف حالة الإصابة الأولى بالمرض عام 1987 وحتى عام 2005، ومن بين 4 مليون شخص أجرى فحص الدم في سورية، تم توثيق حالات 377 شخص يحملون الفيروس، ومن ضمنهم 151 من غير السوريين، وذلك بحسب أول إحصائيات رسمية نشرتها وزارة الصحة السورية عام 2006. من جهته، قال مدير البيئية الأمراض البيئية والمزمنة في وزارة الصحة، الدكتور محمود كريم، لوكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" في 12 فبراير الماضي أن عدد الإصابات بالإيدز في سوريا يعتبر الأقل في المنطقة. فطبقاً لأرقام منظمة الصحة العالمية لعام 2005، يقدر عدد المصابين بالإيدز في العراق 448 عام 2005. بينما يقدر "البرنامج الوطني للسيطرة على الإيدز" التابع للحكومة اللبنانية عددهم بـ 813 من إجمالي عدد السكان البالغ 4 ملايين نسمة. أما في الأردن، فيقدر "البرنامج الوطني للإيدز" عدد المصابين بـ 392 شخص. لكن يشكك خبراء صحيّون في سورية في صحة الإحصاءات الرسمية السورية. حيث قال الدكتور فؤاد مجلّد ممثل منظمة الصحة العالمية في دمشق: "دائماً ما تكون الأرقام الرسمية عن عدد مرضى الإيدز منخفضة جداً. إني متأكد من وجود أكثر من 1600 شخص يحملون الفيروس. وجدير بالذكر أن وزارة الصحة لم تغير رقم المصابين منذ ثلاث سنوات. طبقاً للسياسة الداخلية لسورية، فإنهم إما يخفون ذلك أو يُنكرونه." وبناءاً على ما يقوله محمود كريم، فقد تم نشر إحصائيات الوزارة للمرة الأولى في وسائل الإعلام الحكومية لـ "دحض جميع الشائعات التي زعمت عن وجود إصابات جديدة بالإيدز في بعض المناطق السورية." وكانت وزارة الصحة قد أطلقت بعد تسجيل الإصابة الأولى في سورية عام 1987، "البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز" و "الجنة الوطنية لمكافحة الإيدز" التي تتألف من ممثلين عن المنظمات الحكومية وغير الحكومية ووزارات الدولة، وتترأسها وزارة الصحة. من جهته، قال هيثم سويدان، مدير البرنامج الحكومي، أن مجموعته تعمل على مسألة فحص الدم ونشر الوعي حول المرض ونشر الدراسات المتعلقة بالموضوع. تم تأسيس مركز فحص الدم في بداية الأمر في دمشق في بداية التسعينات، ومن ثم تم افتتاح مراكز في كل محافظة. وخلال الفترة الأخيرة، ساعدت منظمة الهلال الأحمر العربي السوري وبعض منظمات المجتمع المدني في فتح مراكز شبه حكومية في كل من حماه واللاذقية. أضاف هيثم: "تعمل جميع هذه المراكز تحت شعار ’مجاني وسري‘ لكل من يريد إجراء فحص للدم. كما يُقدِّم البرنامج الوطني علاجاً مجانياً لجميع المرضى." هذا وتُظهر الإحصائيات الرسمية أن 60 مريض فقط يتلقون علاجاً للإيدز في سورية. ويضيف سويدان أن المرضى الذين يحملون الفيروس من أكثر من سبع سنوات، لا يتطلب وضعهم أي علاج مباشر للإيدز، بل يتناولون فقط أدوية لمعالجة الأمراض المتعلقة بالإيدز. وبعد هذه المرحلة يتناولون الأدوية المضادة للمرض، والتي تستخدم لإطالة عمر المرضى عن طريق تأخير انتشار الفيروس في خلايا الدم، وهي أدوية متوافرة في مركز مكافحة الإيدز. يغطي فحص الدم طيفاً واسعاً من المجتمع السوري. حيث يُطلب إجراء فحص للدم من جميع طلاب الجامعات والشبان الذكور الذين يبلغ عمرهم أكثر من 16 سنة والذين سيؤدون خدمة العلم ويريدون الحصول على أوراق رسمية. حيث يتبرعون بـ 500 ميلي لتر من الدم لبنك الدم في دمشق. كما يجب تقديم تبرّع للدم مماثل في حال الرغبة بالحصول على شهادة قيادة للمركبات. كما يشمل البرنامج إخضاع العاهرات والعاملين في النوادي الليلية في سوريا لفحوص دم إجبارية شهرياً. رغم قول سويدان أن العلاقات الجنسية المثلية والغير شرعية هي أكثر الطرق انتشاراً لالتقاط فيروس الإيدز، إلا أنه يقرّ أن الحديث عن الممارسة الجنسية الآمنة باستخدام العازل الذكري، لا يزال أمراً محرماً في سورياً. وتشير الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة السورية إلى أن 74 بالمئة من حالات انتقال فيروس الإيدز تمت من خلال الممارسة الجنسية، 60 بالمئة منها كانت بين شريكين غير متزوجين. من جهته قال الدكتور بيير شنيارا، الطبيب النفسي الشهير في دمشق: "إن العيش في مجتمع محافظ لا يعني عدم وجود علاقات جنسية غير شرعية. كما يعتبر التعليم الجنسي من المواضيع التي دائماً ما يتجنّب الناس الخوض فيها." وتقول المريضة التي انتقل إليها الفيروس بعد إنجابها لستة أطفال، والذين لم ينتقل إليهم المرض، أنها لا تزال غير قادرة على الحديث مع ابنتيها المتزوجتين عن الممارسة الجنسية الآمنة. وتضيف قائلة: "كنت أتصل بهما كل يوم والطلب منهما مشاهدة مسلسل ’جدار الصمت‘ معاً لألفت انتباههما إلى النقاط التي لا أستطيع التكلم مع بنتي عنها." أما بالنسبة إلى التعليم الجنسي فهو موجود في أفضل الأحوال بشكل خجول. ففي المرحلة الابتدائية، يتعلم الطلاب أن الجنس يؤدي إلى الحمل وتُقدم إليهم معلومات أيضاً عن الأمراض المنتقلة جنسياً. وفي المرحلة الثانوية، تُقدّم إليهم بعض التفاصيل حول الفيروسات المنتقلة جنسياً وكيف أن فيروي الـ HIV قد ينتقل عن طريق الاتصال بالدم والإبر الملوثة. لكن لا تقدم للطلاب معلومات عن أنه يمكن الحؤول دون انتقال فروس الإيدز عن طريق الممارسات الجنسية الآمنة. يختار معظم الأساتذة تجنب أي أسئلة متعلقة بالجنس أو المثلية الجنسية، التي تشكل 9 % من حالات انتقال المرض في سورية طبقاً إحصائيات وزارة الصحة السورية. وتعليقاً على هذا الموضوع، قال عبد العزيز نهار مدير التعليم الصحي للمدارس الرسمية في دمشق: "يخشى المدرسون هنا كثيراً من الحديث عن الجنس مع طلابهم. لا يزال موقفهم ضعيفاً ويشعرون بخوف من الحديث عن هذا الموضوع علناً." يقترح عبد العزيز إضافة التعليم الصحي الجنسي إلى المناهج المدرسية للبالغين لأن الطلاب يحاولون الحصول على المعلومات من الإنترنت أو الأصدقاء أو البرامج التلفزيونية، في الوقت الذي لا يزال أساتذتهم غير مؤهلين بشكل كافٍ لإعطائهم هذه المعلومات. ويضيف قائلاً: "عقدنا خلال السنتين الماضيتين العديد من الورشات التدريبية للأساتذة حول مرض الإيدز، وعلى الرغم من ذلك لا يزالون غير قادرين على الحديث عن الموضوع." إن كان المجتمع بطبيعته محافظاً، فإن المؤسسة الدينية تنمو بشكل متزايد بحيث تعيق خطوات الناشطين في هذا الموضوع لنشر الوعي بين الشبان عن كيفية ممارسة الجنس بأمان مستخدمين الواقي الذكري. حيث يقول محمد حبش البرلماني الإصلاحي ورئيس مركز الدراسات الإسلامية في دمشق: "إني معارض تماماً لاستخدام الواقي. إن استخدامه سيجعل الناس يقعون في طريق الخطيئة." يقول محمد حبش وآخرون أنه يجب محاربة الإيدز عن طريق تعزيز القيم الدينية والقيم الأخلاقية، بدلاً من إيجاد طرق لممارسة الجنس الآمن لمنع انتشار الفيروس. وحتى المنظمات الدولية، تشعر بقيود على عملها في سورية في ما يخص نشر الوعي بالممارسة الجنسية الآمنة. تقول رولا القدسي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: "لا يمننا أن نجول ونوزّع على الناس الواقي قائلين لهم ’فلتعيشوا بالطريقة التي تحلو لكم‘. إن هذه مسألة حساسة هنا." ينظر محمد حبش إلى موضوع الصحة الجنسية على أنه قضية فضيلة شخصية، حيث يقول: "من الأفضل أن نضع حداً للمبررات والأسباب التي أدت إلى العلاقة الجنسية الغير شرعية، بدلاً من دفع الناس إلى الزنا ومن ثم الطلب منهم السيطرة على أنفسهم واستخدام الواقي في اللحظة الأخيرة." لكن يعتبر كلام حبش وكلام شريحة كبيرة من أفراد المؤسسة الدينية "سواء المسلمة أو الكاثوليكية" فارغاً تقريباً بالنسبة للمريضة التي انتقلت إليها العدوى من زوجها منذ ثماني سنوات والتي من المرجح أن تموت بسبب المرض. حيث ختمت المريضة كلامها لنا قائلة: "فلينظر كل رجل دين إلى الموضوع بالطريقة التي تناسبه. إن أؤمن أن لكل امرأة الحق بالطلب من زوجها استخدام الواقي، وخاصة إن كان غير متأكد من أنه غير مصاب بالإيدز. لقد أصبت بالإيدز وأعرف كم هو صعب التعايش مع المرض. ولهذا فإني آمل أن يكون الجميع حذراً."
داليا حيدر- (كسر جدار الصمت) ترجمة: باسل جبيلي، عضو فريق عمل نساء سورية عن Syria Today |