|
من حقنا أيضاً أن.. "نحضن"! |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2006-11-30 |
هذه ليست طرفة على طريقة (أرنولد شوارزينجر) حين امتلكته رغبة أن يصير أماً في فيلم "جونيور" (الصغير)! وليست أيضاً مناكدة للساعين إلى تمديد سن حضانة الأم لأطفالها في حال الطلاق! بل هي فكرة أوسع من هذه وتلك. وتنسجم كليا مع الشرائع السماوية والأرضية. وقبل ذلك، تنسجم مع العقل. فالأمر ببساطة، وفق العقل، أن الحضانة يجب أن تنطلق من نقطة أساسية هي (مصلحة المحضون). أي مصلحة الطفل أو الطفلة التي ابتليت أصلاً بالظروف غير المؤاتية التي أدت إلى الطلاق. والطفل، الذي يعرّف دائماً على أنه الكائن الذي يحتاج إلى رعاية وعناية من كافة النواحي، ولا يمكنه الاعتماد على ذاته، ليس (ملكاً) خاصاً لوالديه حتى يتنازعان هذه الملكية! وليس موضوعاً للمنافسة والمناكدة بينهما حتى يصير به ما صار في القصة المعروفة (دائرة الطباشير القوقازية)! وما يصير دائما في الحياة الحقيقية التي نعيشها ونراها. لأنه ما إن يكبر حتى يصير عضواً فاعلاً في المجتمع. سواء في ذلك إن كان فاعل خير أم فاعل شر، مساهماً في تقدم مجتمعه أم معرقلاً له، متلائماً مع واقعه أم غريباً عنه.. أي أن نتائج ما سيتلقاه في طفولته، من البيت والحارة والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها، سيقوم بترجمة جزء مهم منها في حياته حين يكبر. وهذا يعني أنه مما يجافي العقل أن يكون الطفل مسؤولية والديه فقط. وهذا ما اتجهت إليه الدول الحديثة في مناح شتى. وأخذت بعضه دولتنا أيضاً حين شرعت التعليم الأساسي على أنه تعليم إلزامي، وفرضت عقوبات على الأهل حين مخالفته. كما أنها فرضت جملة من الخدمات الأخرى كالتلقيح مثلاً. فإذا لم يكن الطفل مسؤولية والديه، بل كان مسؤولية المجتمع ممثلاً في والديه وبقال الحارة وآذن المدرسة ومديرها والكتاب المدرسي ومعد برامج الأطفال في التلفزيون.. بل والمؤسسة العربية للإعلان أيضاً حين يجب عليها أن تتشدد، في مراقبتها الإعلانات، حين تكون الإعلانات تلك سهلة التناول للأطفال، إذا كان كذلك، فهذا يعني أن انفكاك إحدى هذه الحلقات، وهي الأسرة في موضوعنا هذا، يجب أن يفرض معياراً رئيسياً في التعامل مع (ضحية) هذا الانفكاك: الطفل. المعيار هنا هو مصلحته. أي ما يوفر أفضل الظروف المتاحة لتنمية شاملة مناسبة له. هذا يعني أنه لا منطق في أن يفرض سن محدد سلفاً هو حق لأحد الوالدين. وهو الآن في بلدنا حق للأم إلا في استثناءات قليلة. بل يجب أن يكون مفتوحاً للأم والأب، أيهما أكثر ملاءمة. وأكثر ملاءمة هنا تعني الإمكانيات المختلفة التي يحتاجها الطفل. أي ليس فقط الوضع المالي. بل أيضاً المستوى العلمي، والأداء النفسي، والاستقرار، والأخلاق.. وغير ذلك. وليس بناء على دعاوى كيدية يقيمها اليوم الآباء للطعن بأخلاق الأمهات! ولا يمكن لأحد الجزم مسبقاً أن الأم هي الأقدر دائما على أداء هذه المهمات! وليس من الأخلاقي أن تفرض على الرجال مهمة (إثبات) أن الأم غير قادرة على ذلك حتى يمكنهم أن يقوموا بدور الحضانة! بل ليس من المنطقي أيضاً أن (يتحرر) الرجاء من هذا العبء القاسي دائماً بمساندة اعتقاد أثبت علم النفس خطأه هو أن الأم هي التي يحتاجها الطفل في مراحل نموه أكثر من الأب! من هنا نعتقد أنه يجب أن توضع معايير جديدة لهذا الأمر الهام والمتكرر دائماً. ويجب أن تستند تلك المعايير إلى مقياس أساسي هو: أي من الوالدين هو الأقدر على رعاية الطفل وتأمين مستلزمات نمو صحيحة ومتكاملة؟ فإذا كان الأب، وجب منحه الحضانة. وإذا كانت الأمر، حصلت عليها. ولأن الظروف متغيرة هنا كما في كل مناحي الحياة الأخرى، يجب الأخذ بالحسبان مراجعة هذا القرار بين الفترة والأخرى. فقد تتغير ظروف الحاضن، ماليا أو نفسيا أو غير ذلك، ويصير الأجدر للطفل البقاء مع الوالد الآخر. بل قد تتغير مشاعر الطفل وعلاقته مع الحاضن فتتحول، لسبب أو لآخر، إلى علاقة غير متوازنة. فيصح عندها أيضا البحث عن حل يلائم مصلحة الطفل. هذا يعني أن مثل هذا القرار لا يمكن لقاض أن يتخذه وحده. فهذا لم يعد أمراً قانونياً بحتاً. بل صار أمرا اجتماعياً أولاً. يعني أننا صرنا بحاجة إلى محاكم خاصة في هذا الأمر تعتمد معطيات علم الاجتماع وعلم النفس كما تعتمد معطيات القانون. محاكم مزودة بصلاحيات مناسبة وهيئات مناسبة لدراسة الحالة واتخاذ القرار الملائم ومتابعة تنفيذه، كما صلاحيات مناسبة لمراجعته عند الحاجة. مصلحة الطفل العليا هي القيمة الأخلاقية السامية الأساسية التي يجب أن توضع فوق كل اعتبار. ولعل الكثيرين لا يعرفون أن "لا إكراه في الدين" نزلت أساساً.. في الأطفال!
بسام القاضي- مشرف موقع نساء سورية- ( من حقنا أيضاً أن "نحضن"!)-
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
جريدة الثورة (29/11/2006) |