|
الكتاب ومسيرة جيل من الحلم إلى الوهم |
|
|
|
معن عاقل
|
|
2006-11-30 |
في مطلع الثمانينات من القرن الماضي صدر ما يشبه الفتوى بين أوساط المثقفين أو الأصح بين أوساط المراهقين الذين كنا هم، الطامحين إلى اقتحام حقول صراعات تلك المرحلة وموائد نقاشاتها السائدة ومفادها ( أي الفتوى): سرقة الكتب حلال. كانت الكلمة بالنسبة لنا تعادل الفعل وحتى نكون فاعلين لا بد من القراءة وحتى نقرأ نحتاج لكتاب وحتى نحصل على الكتاب نحتاج للمال.. ومصروف الجيب ضئيل جدا إذا ما قورن بعدد الكلمات اللازمة لتغيير العالم.. وكانت أولى معالم الفعل والتغيير بضع كلمات جاهزة في مواجهة جشع التجار آنذاك.. تجار الكتب.. السرقة منهم حلال. على تخوم هاجس الفعل والتغيير كان هاجس ثان يترعرع وينمو كالفطر، ربما أشد وطأة وربما أخف بحسب الظروف، هو هاجس المباهاة، نادرا ما كنا ندخل منزلا بلا كتب أو مكتبة.. وكانت تلك الكتب المرصوفة بجانب بعضها البعض المزخرفة بإهداءات على صفحاتها الأولى أو المدموغة بعلامات تميز مالكها ومقتنيها إحدى أساليب جيلنا في الاعلان عن نفسه في الإعلان عن بلوغه سن الرشد بغض النظر عن العمر البيولوجي في إعلان حروبه واصطفافاته في أسرته أولا ومدرسته وجامعته ثانيا ومجتمعه ثالثا، رافعا بيمناه شعارا وبيسراه كتابا، فلا قيمة لشعار بيد جاهل ولا قيمة لكتاب بدون شعار، إذ لا علم من أجل العلم ولا من أجل الفن إلا كشعارات وراءها أكوام من الكتب. عموما لم يعان معظم أبناء تلك المرحلة في الحصول على كتاب مع أن الطلب عليه كان أكثر من العرض، مثله مثل السمنة والزيت لكنه لم يكن يضطرنا إلى الوقوف في طوابير انتظار، فمثلا توفرت الكتب في مدارسنا الابتدائية والإعدادية، وكان بعض أساتذتنا يعطوننا دروسا إضافية في المساجد فيمر متبرع لطلاب العلم يوزع علينا مبالغ زهيدة اليوم، لكنها كانت يومذاك تشكل ثروة بالنسبة لنا، ولعله من المفارقة أن أتذكر كيف أحصل على تلك الثروة في مسجد لأشتري بها كتبا اشتراكية رخيصة أواجه فيها الكتب الرأسمالية البغيضة!! لم تكن مسارب الحصول على الكتاب دوما شرعية وإذا استثنينا مصروف الجيب وتبرعات المساجد فإنني أستطيع القول إن شهوة الكتاب جعلتنا نتبع أساليب أكثر فسادا من أولئك الذين كنا نقرأ للوقوف في وجههم، وكانت الفتاوى جاهزة كالسيوف في ظهورنا. كانت أمي ترسلني إلى السوق لشراء الحاجيات وتعلمت بمرور الزمن أن أستغل خطأ الخباز في الحساب، وأن أكذب ( كل شيء مبرر) في أسعار المواد الغذائية المتقلبة، وباختصار غالبا ما رفعت الأسعار من تلقاء نفسي قبل أن ترفعها قوانين السوق، لاعبا دور الوسيط أو البرجوازي الطفيلي أو الصغير وفق نعوت ذاك الزمن بين أمي وأصحاب الحوانيت، وراحت الفرنكات تتجمع إلى جانب كتبي المدرسية على شكل مجلات أسامة وتان تان ثم على شكل قصص عقلة الإصبع وأميرة الغابة المسحورة، وأخيرا في المرحلة الإعدادية على شكل بائعة الخبز وأحدب نوتردام والبؤساء.. وغيرها. فجأة، اكتشفت منبعا أغنى وأقل فسادا وإفسادا، تفوح منه رائحة أقل وخزا من رائحة النفط يومذاك، تعرفت في المرحلة الإعدادية على ابن صاحب معمل كرتون، كانت تأتيه سيارات محملة بنفايات الورق والكتب، تدخل بين مسننات آلاته لتخرج بعد ذلك أطباقا منشورة في العراء، وهكذا بدأت زيارات اليفاعة المبنية على أساس المصلحة من طرف واحد تتزايد، كنت أبحث بين الركام على مخلفات أبناء الذوات من القصص والروايات وكتب السياسة والعلم، تلك التي أفهم فيها وتلك التي لا أفقه فيها شيئا البتة، ولم أكن أوفر شيئا لأن غريزة الطمع على ما يبدو لا تميز بين ايديولوجية وأخرى، بين مبدأ وآخر لكنها تتخذ شكلا وخصوصية مختلفتين بين هذا وذاك، وكان المبرر جاهزا دوما، إنقاذ أكبر عدد من الكتب من بين أنياب الوحش الرأسمالي هو جزء لا يتجزأ من الحرب المقدسة ضده. وكما أن عالم المثل والانسجام والوحدة هو من سمات المرحلة الغنائية، كذلك تعتمل فيه بكتريا التناقض والتقلب ينخره سوس التمزق الخفي.. أخذت أفرز وأنقي الكتب المنتزعة من مخالب الوحش كيفما أتفق، وما لبثت أن اكتشفت أن مخالبا بدأت تنمو لي ورحت أحمل الكتب التي لا أريدها أو استبعدها من مقتنياتي لأسباب إيديولوجية أو مزاجية أو شكلية إلى المدرسة، أرغب بها هذا وأعرضها على ذاك، وقد أذهلتني السهولة التي انتزعت بها جزءا من مصروفهم اليومي، وكاد عالمي برمته ينهار عندما قارنت بين ربح تاجر ووسيط وبين ربح فلاح يعمل طيلة عام، لكنني سرعان ما تماسكت، ولا سيما أن صديقي المغفل اكتشف بعد أشهر أنني كنت أستثمر معمل والده وأحوله إلى مكتبة شخصية لي، فعرض علي في البداية أن يشاركني، وسرعان ما استولى على كل شيء، بما في ذلك علاقاتي في سوقي الصغير، فهو ابن الوحش أما أنا فمجرد متنكر في زيه، وطبعاً لم أكن يومها أعرف معنى الديون المعدومة، فظلت أسماء البعض ترحل من دفتر مدرسي لآخر بصفة مدينين. لست أدري بالضبط متى استقويت بفتوى السرقة، سرقة الكتب، لكنها جاءت تماماً بعد أن طبقت شهرة أحد اللصوص في محافظة اللاذقية الآفاق- وهو الآن مترجم معروف- ولم يكن دافعها الحاجة فقط بل وأيضاً السعي إلى مطابقة النموذج المثال ... نوعً من الاشباع والاستكمال لنزعة المرحلة الغنائية إلى الشهرة. كان ذلك اللص يدخل إلى المكتبة، يمسحها سريعاً بنظره، يحدد أهدافه، وبجولة سريعة ورشاقة بالغة، يتزنر الكتب تحت ملابسه ويخرج منتصراً. وربما بنوع من الأسطرة (من الأسطورة) روى أحدهم لي كيف راهنه على كتاب سميك ومرتفع السعر، وتراهنا على غداء، دخلا إلى المكتبة وبعد دقيقة واحدة طلب اللص الخروج، معتذراً لعدم قدرته على سرقة هذا الكتاب بالذات، ومعلناً خسارته الرهان. وهكذا ذهبا إلى المطعم وجلسا إلى المائدة، وبينما هما يأكلان، نهض اللص وأخرج من داخل معطفه الكتاب قائلاً لمراهنه:(هيا، ادفع الحساب). دخلت مكتبة النوري، بعد أن حددت في يوم سابق كتاباً يتناسب مع لص مبتدىء، وكان سعر غلافه لا يتجاوز الأربع ليرات، وضعت الكتاب داخل معطفي، بعد التفاتات فاضحة خبرها جيداً أصحاب المكتبات وهممت أن أغادر وأنا أرتعش تقريباً. فجأة، من الخلف، قصفني صوت راعد، أو هكذا خلته:(ماذا تخبىء?). كان الشاب قد رأني في مرآة لم أحسب لها حساباً، وانتهت المشكلة يومها بسبب تدخل ضابط كان يتجول في المكتبة وبسبب تسامح رجل عجوز جالس خلف صندوق المحاسبة نظر إلي يومها بقسوة بالغة، توشيها من حين لآخر التماعات متسامحة، وقال لي: (خذ الكتاب) لكنني في المرة القادمة سأسلمك إلى الشرطة. بعد هذه الحادثة، أصبحت موضع تندر أصدقائي، فالفتوى الثقافية هي مجرد غطاء معنوي، مجرد تحرر من الروادع الاخلاقية والقانونية الظالمة والبالية، وكان ينبغي أن أبدأ في ممارسة القيم الجديدة في مكتبة اشتراكية تروج للعلم والمعرفة والتسامح، مكتبة ليس هاجسها الأول الربح، وليس في مكتبة رأسمالية، مصاصة دماء، تخرب العقول حتى لو باعت بعض الكتب الجيدة، لأنها باختصار تدس السم في الدسم.. والحمد لله على السلامة. على أي حال لم يعرف ذاك الضابط الذي أنقذني من المأزق أن تلك الكتب كانت قد أوغلت في ترسيخ مأزق لامنقذ فيه، في ترسيخ لوثة العقل والحرية، وأن تلك اللوثة خلقت أجيالاً تفسر أو تتوهم تفسير العالم بالعلم، فلا تغيير بلا معرفة، والمعرفة أداة للتفسير والتفسير قوة وسلطان على العالم والبشر، يطرد الغيبيات والخرافات ويقدس العقل ويهدم الحاضر لصالح المستقبل كما أن هذا التفسير ذاته هو وقود التقدم، صراع بين جديد يولد وقديم يقاوم ونحن أسرى التاريخ وأحرار بالتاريخ، وحتى أولئك الذين وجدوا لأنفسهم ملاذا فوقه أو تحته ما بعده أو ما قبله هم متورطون فيه بعقولهم وبالكتب التي تغذيها وما علينا إلا أن نكتشف ونفضح زيفهم في كتبهم ونفضح منطقهم كنقطة انطلاق لترفرف أعلامنا فوق الغد وفي سياق ذلك كله لم يكن من النادر أن تتبدل المواقع وتتعدد الألوان، ولم يكن مستغربا أن يغدو العدو صديقا وأن يصبح رفيق الأمس مرتدا فماكينة العقل ليست آلة عادية إنها أعقد بكثير من ماكينة الايمان وأقانيمها. لا ستيلايت ولا موبايل ولا انترنت، العالم بين أيدينا كتاب وسينما ومسرح وقناة تلفزيونية أو قناتان ما عدا في بعض المناطق الحدودية ودمشق من علٍ حقول على مد النظر من الهوائيات، وفي بطون الكتب استولى ثلاثمئة شخص على قصر الشتاء وغيروا مسار العالم وثار أحد عشر رجلا في كوبا وصنعوا حياة جديدة في القارة الجديدة وأثار صادق جلال العظم زوبعة ضد خرافات ولدت في أعقاب الهزيمة وما كان لخرافة كخرافة الحجامة التي اجتاحتنا إثر سقوط بغداد أن تمر آنذاك بسلام كما لو أنها انتصار عظيم في مواجهة هزيمة صغيرة لم يكن هناك مجال آنذاك للفرار من جلودنا الى نوستالجيا تاريخية، كان الحلم دوما في الأمام وما الماضي إلا مؤونة وذخيرة له على النقيض تماما من حالنا اليوم صار الحلم في الماضي بلا مؤونة من الحاضر بل هربا من الحاضر نفسه. في عام 1987 تركت مكتبتي أمانة بين يدي أمي على اعتبار أنه ليس هناك أحرص من أم على حاجيات ابنها كما فعل الكثيرون وانتقلت الى مكتبة ثرية فيها ما يشبع نهم العقل، لكن الاقامة فيها جبرية والقائمون على خدماتها أجهل من أن يعيروا الكتب أدنى اهتمام وما يهم?لا شيء لم أعد ذلك الصبي الذي تلاعب بأسعار حاجيات أمه ولا ذاك الفتى الذي يتمرن على سرقة كتاب ولم أعد بحاجة للنقود البتة جل ما أحتاجه هو الاستمرار في الحياة ووقت فراغ وكتاب ولست أخفيكم بأن نفحات تسامح تعتريني من حين لآخر تجاه أولئك الذين وفروا لي ولغيري هذه الأشياء وهكذا كان أمامي ما ينوف على لست سنوات لاكتشاف عوالم الورق القصية عوالم مدهشة ومفاجئة وممتعة. فيما بعد سيقلد أخي ما فعلته أمي بمكتبتي سيستعرض ما جرى بحركات مبالغة طريفة مقارنا ذلك بتدمير مكتبة بغداد على يد هولاكو في البداية قررت أن تحرق كل شيء لكن من حسن الحظ أن أول كتاب وقع تحت يدها كان المصحف الكريم أمسكته وهمت أن تلقي به في النار لكن زخرفته جعلتها تستدرك وتسأل أخي: ما هذا? ولما علمت أنه القرآن الكريم نحته جانبا وصارت بحذر شديد تسأله عن عنوان كل كتاب فإن اشتمت فيه رائحة ما ألقته في النار دون تردد وهكذا نجا كتاب في نقد الفكر الديني من المحرقة لوجود كلمة (الديني) في العنوان ولقي كتاب الواقعية في الأدب الاشتراكي الجزائري حتفه بسبب كلمة الاشتراكية بعد تلك السنوات الست وفي حياة جامعية متأخرة، سيدهشني أن الأجيال الجديدة شفيت تماماً من لوثاتنا، فطيلة أربع سنوات من الدراسة، لا يسعني أن أتذكر أكثر من حادثة أو حادثتين شاهدت فيهما طالباً يحمل كتاباً خارج المقررات الجامعية، ونادراً جداً ما سمعت نقاشاً أو جدالاً يتعلق بما كان يوماً جزءاً من أحلام أجيال وصار اليوم جزءاً من الخرافات والأوهام، لم تعد المعرفة أو العلم أو التفكير أو التفسير من اهتمامات جيل الطلبة ا لجديد، بل التخرج والحصول على الشهادة وإنهاء الحياة الدراسية بأسرع ما يمكن، لأنه بناء على هذا الهدف الواقعي بنوا أحلاماً أخرى أبسط بكثير من أحلام سابقيهم وراحوا يتداولونها بشيئ من الخوف وعدم الثقة، الحلم بالعمل والوظيفة، الحلم بالسفر، الحلم بالهجرة، الحلم بالزواج لا سيما بالنسبة للفتيات اللواتي صارت العنوسة قلقاً مستمراً بالنسبة لهن... باختصار، كل الأحلام التي كانت صغيرة ومضحكة بالنسبة لنا أنجزت انقلاباً ناجحاً لكنها ظلت مع ذلك تعيش المأزق ذاته و سرعان ما انضمت إلى قائمة المستحيلات واكتشف أصحابها بعد سنوات أنهم نسوا النذر اليسير الذي تعلموه في الجامعات وأنهم يعملون في مهن جوالة ويتندرون فيما بينهم: (أعمل باحثاً عن عمل) أبحث عن مكان أهاجر إليه،... بل إن بعضهم رتب أرشيفاً لعدد المسابقات الحكومية التي تقدم إليها وبعضهم الآخر احتفظ بقائمة لأسماء السفارات التي طرق بابها، والجميع يروي تجارب مريرة مع مؤسسات خاصة شغلته في أعمال لا تمت بصلة إلى دراسته ولا إلى أخلاقه ربما. على أية حال، بمشقة أتذكر إحدى الزميلات التي تقدمت خلال معرض كتاب في الجامعة واشترت نسخة من أحدث كتاب صادر حديثاً يتحدث عن الأبراج، دسته بخيلاء أمام زميلتها التي بدت غير مكترثة للأمر نهائياً وهي تداعب أزرار الموبايل بينما نظراتها شاردة في اللامكان، وفي مرة أخرى سألتني إحداهن عن رواية عابر سرير، ولم أكن قد سمعت بها بعد. دمشق من علٍ أصبحت مائدة صحون لاقطة، وأنا آخر من يحق لي الحديث عن الاندهاش، لأنني بصراحة أول من أدهشت الاخرين، أصبحت في بداية الأمر موضع نظرات السخرية الخجولة، والمشفوعة بكلمات مازحة وساخرة بعد ذلك، واستحالت في النهاية إلى شتائم وإهانات معلنة، لا لشيء إلا لأن بقايا لوثة الماضي مازالت تلاحقني ولأن بعض آثارها ظلت عالقة برأسي، لأنني كنت أنزوي لساعات في ركن قصي مع كتاب باللغة الفرنسية وقاموس، لا أضجر من تقليب صفحاتهما.وعندما اتخذت قرار بدء حياة جامعية جديدة، نصحني المشفقون بالتفكير في المال، في التجارة و بأي شيء إلا الدراسة التي لم تعد تغني أو تسمن من جوع، وكان مجتمعاً كاملاً شفي تماماً من لوثة الحرية ولوثة المعرفة وحتى لوثة العلم و الدراسة في المؤسسات التعليمية، وكأن شهوات أخرى قضت على المكتبات المنزلية وأتت على موائد النقاشات والجدالات، وها أنذا استيقظ على عالم جديد، غريب فيه من دون هجرة أو سفر تحيط بي أكوام من الصفقات الصغيرة والكبيرة التي لا أفقه فيها شيئاً بل إن أحدهم علق حين رآني أحمل كتاباً وأتجه إلى الجامعة قائلاً: (دعوا هذا الحمار يذهب إلى الجامعة لنرى ماذا سيكون من أمره). ها نحن أمام جيل لم يمر بمرحلة الأحلام الكبيرة، مرحلة الكلمات وتغيير العالم، مرحلة التفكير بكينونته، لذلك بالتحديد هو جيل مشمئز، ساخط وناقم، وسيدفع عاجلاً أم آجلاً وسندفع معه ثمناً باهظاً ربما بدأت معالمه تتضح منذ فترة ليست بالقصيرة لا سيما أنه بدأ يبحث عن ألبسة بالية مهترئة تستر عريه وعن أوهام تحل بالتدريج أو لعلها حلت وانتهى الأمر، محل الأحلام، إنه جيل استبدل التفكير بالتكفير، العقل بالإيمان، الشعار- الكتاب بالشعار -البندقية وبدأ استعداداته للغرق في مقامرات لا تنتهي. لعلها ليست مصادفة أن يكون أول تحقيق صحفي أجريه في حياتي المهنية عام 2001 عن الكتاب، يومها ألح علي السؤال: (من يرتاد مكتبة لشراء كتاب? من يقرأ?) وعلى مدى يومين، في مكتبات دمشق، كشف الاستبيان أن معظم الزبائن هم ممن تجاوزوا الأربعين من عمرهم، بقايا أجيال الحلم المحطمة والممسوسة بتغيير العالم، لكنهم ما عادوا يقرؤون للأسباب القديمة ذاتها، وربما تحولت تلك السوسة القديمة التي كانت في يوم ما أداة للوجود في العالم، ربما تحولت بالنسبة لهم إلى نوع من العادة السرية. مكتبات كاملة بيعت لتجار الأرصفة، ولولا تأثر أمي على ما يبدو بعادات بعض الشعوب التي تحرق الجثث بعد الموت، لربما صرت واحداً من أولئك الذين يمرون أمام الكتب المفروشة على الأرصفة، تجذبني نزوة حنين، فأتوقف وأتناول كتاباً، وأفاجأ بكلمات تخصني على الصفحة الأولى، أصحو فجأة، أرميه وأواصل طريقي متذكراً أنني شفيت من لوثتي. وعلى هامش كتاب ومفكري الماضي، ما زال بعض المصابين بشيزوفرينيا الشهرة يبلعطون، اقتحموا حلبات الثقافة الخالية واستسهلوا كل شيء، الأدب والفن والفكر... لا يقرؤون إلا ما يكتبون أو ما يكتب أصدقاءهم لهم وعنهم وصنعوا نقاداً لهم على الموائد أو صنعهم بعض نقادهم وجميعهم أبناء مرحلة التعريب ونتاجها في زمن صارت فيه الأمية تعني عدم معرفة لغة أخرى حية ... لا يهم، ما دام الجميع لا يقرأ وما داموا ينشرون كتباً أحياناً بعشرات النسخ وفي أحسن الأحوال بالمئات ليوزعوها هدايا مجانية ويجدوا بعد ذلك أسماءهم مع إهداءاتهم مرمية على الأرصفة.. والكارثة الأكبر أن البعض أتقن التفكير والإنتاج الثقافي بلغته الأم، لكن جهوده لم تزل بعيدة عن القدرة على مواكبة سيل الثقافة المتدفق ولم يزل بعيداً عن المشاركة فيه، ولن أنسى ذلك اليوم الذي وضع فيه الأستاذ أنطون مقدسي أمامي مخطوط كتاب عن البنيوية لأحد المؤلفين الشباب قائلاً: (الكتاب جيد ويبدو أن مؤلفه هضم جيداً كل ما كتب عن البنيوية باللغة العربية لكن المشكلة أنه لا يعرف لغة أجنبية وهذا ما يمنعني عن نشره، وفيما بعد خطر لي أن مقدسي يومها لم يرد أن يوغل في التشاؤم أمامي لذلك لم يتطرق إلي أننا لم نزل عند حدود المدارس الفكرية التي سادت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع أن أنهار تهدر بالأفكار والنظريات، بالآداب والعلوم والمدارس النقدية.. لكن لا أهمية لكل ذلك فنحن ما زلنا نقرأ ترجمة كتاب هكذا تكلم زرادشت في ترجمة فيليكس منذ عام 1916 وما زلنا نترجم الفلسفة الألمانية عن الانكليزية وما زلنا نقرأ أحدث نظريات المعرفة بعد اندثارها في العالم الذي أنتجها بزمن طويل.. فعلا لا يهم، ما دمنا سعداء، ماد ام العالم بالنسبة لنا مجرد صور متحركة تزيدنا جهلا في أعماقه ومعرفة بسطوحه المخادعة ما دمنا نستلقي تحت شجرة باسترخاء نضع رجلا فوق رجل ننظر إلى السماء ونغني أو نصفر، وإذا ما مر بنا عابروا السبيل وحدثونا عن السعادة في العالم سنجيبهم بهزء: لكننا سعداء الآن وهاكم الدليل على ذلك: انتظرنا جماعات وأفراد بشغف حلقات مسلسل كساندرا المديدة، البعض أوقف جبلة الإسمنت وصبها قبل موعد الحلقة بقليل، وكادت أزمة الازدحام المروري في العاصمة تتلاشى تماما وكادت الشوارع تخلو من المارة كما في لحظات الكسوف الشهيرة التي مرت بنا، وربما هرب الكثيرون من محاضراتهم كل هذا حتى لا تفوتنا شذرة من مسلسل مخصص لربات المنازل. في العام الماضي أجريت بحضور أحد الأصدقاء حوارا مع مصور صحفي فرنسي أراد الرجل أن يكرمنا ويقدم لكل واحد منا هدية تذكارية بسيطة في الفندق طلب مني أن أمهله خمس دقائق ليقرأ آخر ثلاث صفحات في كتاب باللغة الفرنسية، ولما انتهى ناولني إياه قائلا: هذه رواية لكاتبة جيدة إنها ممتعة خذها فهي هديتي لك. ثم تناول زجاجة شمبانيا وقدمها لصديقي، لا أخفيكم أنني شعرت بالحسد مع أن السعر على غلاف الرواية أغلى بكثير من سعر زجاجة الشمبانيا ومع أن الرجل اعتبر نفسه يكرمني بهديته هذه أكثر مما كرم صديقي المهندس، أنا شخصيا عذرته فهو لم يعرف بعد أننا شفينا جميعا من كل لوثات العالم الحر، لوثة الكلمة، لوثة الفعل، لوثة العقل، لوثة الحرية.. وأن شهواتنا تحددت وتنضدت ولم تعد من بينها شهوة المعرفة.
معن عاقل- (الكتاب ومسيرة جيل من الحلم إلى الوهم)جريدة الثورة (29/11/2006)
|