|
"المياه كلها بلون الغرق".. إميل سيوران: الاقامة في الظل |
|
|
|
رولا حسن
|
|
2006-11-30 |
بعد ترجمة أولى لسيوران بعنوان "توقيعات" الذي ضم مختارات من ثلاثة كتب له ترجمها لقمان سليم وراجعها وضاح شرارة "دار الجديد" يكون "المياه كلها بلون الغرق" أول كتاب لسيوران ينقل كاملا الى العربية والعنوان الأصلي للكتاب "مقايسات المرارة". ولد أميل سيوران عام 1910 في قرية رازيناري الرومانية في مناخ لا يمكن إلا أن يجذر لديه روح المقارفة التي وشمت كتابته فيما بعد. دأب سيوران على الكتابة والنشر طيلة حياته فيما لا يدع مجالا للشك في حرصه على الحضور إلا أنه كان يريد حضورا دون ظهورخاليا من البهرج، والزينة لذلك ظل حريصا على الاقامة في الظل بعيدا عن الاعلام ولعله كان اسعد حالا طيلة الثلاثين سنة التي ظلت كتبه تطبع في نسخ محدودة ليعتني بها قلة من النقاد والمعجبين وهو الذي يرى ان "النسيان لا يطول إلا الكتاب الذين "فهموا" والذين لم يعرفوا كيف يضمنون "سوء فهم" الآخرين لهم. إلا أن شهرته تضاعفت بعد صدور كتابه، رسالة في التحلل، ضمن سلسلة كتاب الجيب ونقل أعماله الى الانكليزية والألمانية لدى منحه جائزة "بول موران" 1988 فاضطر الى رفضها ذلك ان هذا التكريم لا يعني له إلا شيئا واحدا ظل طيلة حياته يعتبره منافيا للقدر اللائق بكاتب مثله وقد قال في (مجلة Lirc) متحدثا عن بورخيس وكان يقصد نفسه: "لاعقوبة أشد من التكريس، ما إن يصبح الكاتب مرجع الجميع حتى يتعذر الرجوع اليه خشية ان نزيد من حشد المعجبين به أي خشية ان نزيد من اعدائه". تابع دراسته العليا في باريس، وذلك لاعداد اطروحة جامعية في الفلسفة وهناك تفرغ الى المطالعة بنهم، والتيه في الشوارع مواصلا التأليف في لغته الأم مثمرا كتابه الرابع "غروب الافكار 1938" إلا أن الليالي الطويلة التي قضاها يجوب الازقة أفضت الى يقين "موجع": "من الأفضل ان يكون المرء مؤلف أوبريت على أن يكون صاحب ستة كتب في لغة لا يفهمها أحد..." ربما كانت هذه أحد أهم الانسلاخات الحاسمة والاختيارية في حياته وهي الخروج من لغة الى لغة أي من هوية الى هوية ما يعني تأكيد احساس بالغربة والتمزوق لن يفارقه مدى حياته". في الوقت نفسه الذي كان قد توصل فيه الى أن الفلاسفة الفرنسيين كتبوا بأساليب بسيطة لكنهم قالوا أشياء عميقة بعيدا عن الرطانة الألمانية التي ساهم في ارسائها سارتر ومن بعده هيدجر حيث كان يستخدم لغة معقدة جدا لقول أشياء بسيطة. قرأ سيوران الفلسفة باكرا حيث تحفل جميع صفحات الكتاب بأسماء فلاسفة كنيتشه، هولدرين وباسكال وهيغل، وسقراط.. لوثر.. بروست.. بوذا..ص32. /مع بودلير اقتحمت الفيزيولوجيا مجال الشعر، مع نيتشه اقتحمت مجال الفلسفة، وبهما معا رفعت اضطرابات الجسد الى مرتبة النشيد المفهوم، ألقي على عاتقهما وقد اطردا من العافية ان يضمنا للمرض حياة مهنية/ كذلك بأسماء مذاهب كثيرة كالبوذية ـ الطاوية ـ البهاجا فادجيتا أحد الكتب الدينية التي تستند اليها الديانة الهندوسية وهو أثر فلسفي ديني. ص38: /ماذا يصنع الحكيم؟ يستسلم للفرجة والأكل. إنه يرضخ بالرغم عنه لهذا الجرح "ذي الفتحات التسع" الذي هو الجسد حسب البهاجافا دجيتا ـ الحكمة؟ أن نتحمل بكبرياء المذلة التي تسلطها علينا ثقوبنا/. لكن قراءاته للفلسفة خيّبته والخيبة هذه جعلته يتجه الى الأدب، وذلك ابتداء من اللحظة التي أدرك فيها أن دوستويفسكي أكثر أهمية من أعظم فيلسوف وأن الشعر العظيم شيء مدهش. ففي لحظة يأس شديدة أدرك ان الفلسفة لا تقدم العون مطلقا وأنها قطعا لا تنطوي على أجوبة وهكذا اتجه الى الشعر والأدب حيث لم يعثر هناك على أجوبة ايضا ولكن على حالات مشابهة لحالته.. والكلام يعود له. ص36/ لما كنت ساذجا بما يكفي للذهاب في رحلة بحث عن الحقيقة فقد قمت عبثا بجولة حول العديدمن الطرق والمذاهب. كنت بدأت بترسيخ قدمي في الشكوكية حين خامرتني فكرة الاسترشاد بالشعر كملاذ أخير: من يدري؟ لعلي أحقق فيه كسبا، لعله يكشف لي من وراء اعتباطيته عن بعض التجليات الحاسمة، ملاذاً وهمياً، كان الشعر قد ذهب أبعد مني في النفي والانكار، لقد جعلني أخسر حتى شكوكي. لعل مرض الأرق الذي بدأ مبكرا لديه في سن التاسعة عشرة تقريبا لم يكن مشكلة صحية فحسب بل كان أعمق من ذلك بكثير كانت مرحلة أساسية في حياته والتجربة الأكثر جدية حيث فتحت ليالي الأرق تلك عينيه فتغير كل شيء، يقول سيوران في حوار أجراه معه جيسون وايس في باريس 1983: /الشخص الذي لا ينام كل الوقت لديه محنة واستمرار لها فبينما الجميع يسرع باتجاه المستقبل تكون أنت على الهامش وحين يتواصل ذلك لشهور وأعوام فإنه يؤدي قسريا الى تغيير احساسك بالاشياء وفهمك للحياة فلست تعرف بعد أي مستقبل تتطلع وهناك حقيقة أنك وحيد مع نفسك، في هذه الحالة أنت لست جزءا من المجتمع البشري وإنما تنتمي الى عالم آخر وهذا يستلزم إرادة خارقة لتجنب السقوط في الجنون وغواية الانتحار"، والمعروف أن سيوران ينتمي الى سلالة "الكتاب الانتحاريين" مثل بودلير ونيتشه وبول فاليري، ذلك كله أوجد لديه فلسفة موت خاصة يدخل فيها أغوار الذات بما فيها من تناقضات مؤكداً أن الموت هو ابن الحياة اليتيم وليس العكس، وأن الرغبة بالموت لن تكون لولا وجود الحياة. ص99: /لا أحيا إلا لأن في وسعي الموت متى شئت لولا فكرة الانتحار لقتلت نفسي منذ البداية/. الحياة تدفع الى الموت، لكن الموت بهذه البساطة هو استسلام أسهل من أن يقبل به من كان مثل سيوران. ص114: /دحض الانتحار: أليس من عدم اللياقة مغادرة عالم وضع نفسه بهذا الحماس في خدمة أحزاننا؟/ هذا دفع سيوران الى رؤية مختلفة للزمن فهو يرى أن البشر يسقطون في الزمن ويسقطون أيضاً أبعد من الزمن. فالشخص الذي يعمل منخرطاً في إنجاز ما يفكّر بالزمن، فالوعي بالزمن يثبت أن الإنسان خارج الزمن وأنه مطرود منه، وهذا بحدّ ذاته تجربة فلسفية ميتافيزيقية تحدّث عنها في كتاباته عن الزمن والتي يعتبرها مؤشراً لأصالته. ص72: /اهتمامنا بالزمن ناشئ عن زهونا بما لا رجاء فيه/ والشعور بالضجر لزمن يمر لا نكون فيه، هو حالة وعي بالزمن، فالزمن في هذه الحالة لا يمضي. ص76: /بين الملل والنشوة تدور أحداث تجربتنا مع الزمن كلها/ ص73: /الوعي بالزمن مؤامرة على الزمن/. لا يخفى أن سيوران كان عقلاً شغوفاً بالمفارقات وقد برع في لملمتها، ففي أحد شذراته ينظر الى القيلولة والخمول واللاحركة ولا ينسى أن ينوّه في الوقت ذاته بفيلسوف اغريقي مثل هيراقليطس أقام فلسفته على مفهوم الحركة، ولا شيء غير الحركة، فإنه من اللافت للنظر في سياق المفارقات نفسه أن يبدأ حياته باعتناقه أفكار الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون جاعلاً منه موضوع رسالة جامعية، ثم ينقلب عليه بهذا الشكل دون أن نراه يبتعد عنه جوهرياً في الكثير من نصوصه. ص87: /ما من تطوّر إلا وهو هدّام لاسيما في لحظات ذروته، ها هي صيرورة هيراقليطس تتحدى الأزمنة بينما صيرورة برغسون تلتحق بتلك المحاولات الساذجة والخرداوات الفلسفية/. كذلك من غير المسبوق أن يجمع أحد بين بوذا وأيوب الذي يرد في القرآن والتوراة، وهناك سفر باسمه وهو رمز الخضوع المؤمن لإرادة الله مع قبائل السيث التي كانت تتكلم الإيرانية، وكان موطنها بين نهري الدانون والدون. ص115: /قلتم لي: من غير اللائق أن تطلق لسانك دون انقطاع في نظام الأشياء، هل هو ذنبي إن لم أكن غير أحد وصوليي العصاب؟ غير أيوب لاهث وراء جذام ما؟ غير بوذا مغشوش؟ غير واحد من قبائل السيث كسول ومنحرف؟. عُرف سيوران بشكوكيته وعدم استقراره وهذا يوضح تأثره بباسكال الذي يرد أكثر من مرة في شذراته باسكال الفيلسوف وعالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي المعروف بعدم اطمئنانه الى يقين وإعادة نظرته الدائمة في كل شيء ولعل من المفيد الاقتراب أكثر من طبيعة سيوران أن نراه يتحدث عن باسكال بهذا الشكل. ص26: /لو عكف موليير على هُويّه السحيقة لبدا حيال باسكال؟ بهاويته الخاصة؟ في هيئة صحفي/. ثم يستنسخ فكرة باسكالية كاملة في شذرة تالية: ص26: / لا أسلوب مع اليقين، الانشغال بتجويد القول من مميزات الذين لا ينامون على عقيدة انهم يتكلمون بالكلمات، تلك الشبيهة بالواقع في غياب الأرضية الصلبة فيما الآخرون الأقوياء بقناعاتهم يهزؤون بمظهر الكلمات ويسترخون في الارتجال/. أيضاً إعجاب سيوران الشكاك وصاحب الحملات الهوجاء على كل ما له صلة بالتيولوجيا بالمؤلف الموسيقي الألماني باخ الذي خلدته أعماله ذات النزعة الدينية. ص149: /لولا باخ لظلت التيولوجيا دون موضوع والخليقة تخييلية، والعدم باتا/. /إذا كان ثمة من هو مدين بكل شيء لباخ، فهو الله/. وكذلك الأمر بالنسبة الى مارتن لوثر العالم والمصلح الألماني الذي كان منشغلاً بفكرة الخلاص وقد كتب كثيراَ ضد الكاثوليكية وضد الثورات الاجتماعية فيتبناه سيوران وينقلب عليه حيناً آخر شأنه مع الكثير من المفكّرين والكثير من الأفكار. لوثر: الصورة المسبقة للإنسان الحديث تمثّل أنواع اختلال التوازن كلها، باسكال وهتلر كانا يتساكنان داخله/ص158. سيوران الشكاك وسيد المفارقات على مستوى الأفكار كان كذلك على مستوى اللغة، فكثيراً ما يستعمل الكلمات التي تعني الشيء وضدّه وهو القائل /تحت كل صيغة ترقد جثة/. فالكتابة لديه، نوع من التحايل على الحياة التي تتظاهر بالمعنى والحال أن لا معنى لها على الإطلاق. كتب كي يموت على طريقته هو وكأنه يعلن أن من كان شظية مثله لا يمكن أن يكتب إلا بالشظايا والشذرات والمزق المتناثرة هنا وهناك باتجاه السقوط، وقد اختار أن يواجه سقوطه وأن يتلمسه بالكتابة الساخرة المرة فكان ضد البنية المحكمة والصيغ الجاهزة انه يفضل اللمع والبرقيات الشبيهة بالحكم والأمثال. ص30: /نماذج الأسلوب: الشتيمة، البرقية، شاهدة القبر/. يوجهها الى لا أحد بالتحديد، لكنه يوجهها والعبارة له (يوجهها كما توجه الصفعة). جمل تبدأ في كثير من الأحيان ولا تنتهي ناحتاً بذلك لغة تجعل من تمنعها عن الاكتمال غاية الاكتمال، لغة تجعل من نقصانها سبيلاً للخلاص؛ بهذا نفهم قوله إليك بقاعدة ذهبية: /أن تترك بعدك صورة عنك ناقصة/ إنه كائن النقصان بامتياز، بقي حتى بعد رحيله عن هذا العالم ينعم بنقصانه. وأخيراً، ما أود التنويه عنه أن هذه الترجمة أوصلت إلينا سيوران بشكّه، بتناقضاته، بكماله ونقصانه.. صورة يتلاشى فيها الغبش حتى يكاد أن يختفي، ترجمة مختلفة عن كل الترجمات المحتشمة التي وصلت إلينا وهذه نقطة تُحسب للمترجم.
رولا حسن - ("المياه كلها بلون الغرق".. إميل سيوران: الاقامة في الظل)
جريدة تشرين (29/11/2006) |