|
إيمان ونوس
|
|
2006-11-30 |
صحيح أن حلم كل فتاة مرتبط على نحو أو آخر بفستان يختال فيه الثلج وشاحاً يغطي مساحات الأحلام بحياة مفعمة بالحب والانسجام والتفاهم، وبالتالي تكوين أسرة صغيرة تكون استمراراً لأحلام وطموحات كلٍ من الشاب والفتاة.. لكن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن تلك الأحلام والآمال. والسبب يعود في ذلك إلى أكثر من سبب في ظل مجتمع يعج بموروث تقليدي قيمي (اجتماعي- ديني). إضافة إلى تناقضات كثيرة فرضها التطور الذي طال المجتمع ونمط الحياة والتفكير لدى جميع الأفراد والشرائح، وبالتالي حدث اختلال في بعض تلك القيم والمفاهيم كان بعضه إيجابياً، والآخر سلبياً. ونستأثر هنا في تلك الفسحة بموضوع الزواج. إذ إن الهدف الأول من الزواج في مجتمعاتنا بشكل عام هو (الممارسة الجنسية نتيجة الحاجة إليها بعد سنين طويلة من الكبت والتقيد بالأسس الوضعية لمبدأ الحلال والحرام، فيما تُفرَض بقية الالتزامات الناتجة عن الزواج على الطرفين، خصوصاً بعد إنجاب الأطفال، الذين غالباً ما يكونون ضماناً لاستمرار العلاقة المشوّهة بين الزوجين). تعاني مؤسسة الزواج في وقتنا الراهن أيضاً إشكاليات كثيرة ومتضاربة لم تكن موجودة أو ظاهرة في الماضي، إما لأن المرأة لم تكن خينئذ قد دخلت معترك الحياة العملية كما هي عليه الآن، أو لأن مفاهيم الجيل الجديد للعلاقة بين الجنسين، وخاصة في إطار الحياة الزوجية، قد اختلف عن السابق بفعل خروج المرأة للعمل، إضافة إلى الانفتاح الفضائي والإعلامي بكل اتجاهاته ومساحاته، ومقاصده أيضاً..! ولا نستطيع إنكار التناقضات التي تكتنف العلاقة الزوجية بفعل التأرجح بين الماضي والحاضر، بين الحفاظ على الموروث أو التأثر بمفاهيم جديدة، وتبدل نظرة كل طرف للآخر وفق ما هو حاصل، مثل إيمان الرجل بأهمية تعلم المرأة وعملها، وأثره على العلاقة بينهما ونتائجه على صعيد التربية والأبناء. هذا الإيمان الذي نراه في غالب الأحيان سطحياً وغير أصيل في تفكير الرجل أثناء علاقته بالمرأة داخل الحرم الزوجي. أيضاً عدم إدراك الطرفين لمفهوم الزواج ومسؤولياته إدراكاً واقعياً عميقاً وحقيقياً. إذ غالباً ما نرى أن الموقف من الزواج أو عدمه (العنوسة) لدى الجنسين هو ما يتحكم بالموضوع، وبالتالي يكون الدافع للزواج مادياً، أو معنوياً، فقط لأن الزواج كالقدر لا يمكن الفرار منه، أو لأنه سترة للبنت..!هنا وفي أغلب الحالات لا يكون هناك فهم واضح ولا صحيح، ولا حتى صريح لطبيعة العلاقة الزوجية وصيرورتها، وهذا ما يفسر لنا تزايد حالات الطلاق عند حديثي الزواج. ولنستعرض بعض الحالات التي يعيشها الأزواج الجدد في وقتنا الراهن: فمثلاً، زواج المتعلمة من رجل أمي أو شبه أمي، لكنه يملك المال اللازم لإتمام الزواج( وهذا ربما لا يتوفر عند معظم المتعلمين)، فالتوقعات قبل الزواج تصبح مختلفة تماماً بعده، بدءاً من الاحترام المتبادل، مروراً بقناعة كل طرف بالآخر وإمكانية التناسب الفكري والعيش المشترك، وصولاً إلى ما يترتب على ذلك من نتائج. وبحكم الموروث الاجتماعي- الذكوري الذي يضع الرجل بالمرتبة الأولى، فإن النتيجة في ظل مثل هذا الزواج تكون، إما دلالاً واحتراماً مبالغاً فيه من قبل الزوج لزوجته، أو رفضاً ضمنياً وعلنياً لكل ما تقوله الزوجة أو تقوم به. وكلتا الحالتين غير سويتين. ففي الحالة الأولى: إذا لم تمتلك الزوجة الوعي والفهم الكامل لهذا الدلال والاحترام، فلا تكون العلاقة بنظرها إلاَ من خلال سيطرتها التامة على شخصية الزوج، وبالتالي لا تخدم هذه العلاقة لا الزوج ولا الأولاد، وهي هنا لا تفيد من علمها، فيكون دورها وفاعليتها في محيط الأسرة أكثر من تقليدي سلبي لا يهمها إلاَ ذاتها، وهذا بحد ذاته خطر يهدد الأسرة برمتها، وبضمنها تلك الزوجة. أما في الحالة المقابلة التي يتعامل فيها الزوج بديكتاتورية مطلقة، فقط لأن الزوجة تفوقه علماً، فهي حالة تثير عقد النقص لديه فيترجمها رفضاً واستخفافاً بكل ما تأتي به الزوجة، وبالتالي يهمش دورها أو ربما يلغيه باستثناء ما يريده هو منها( إذا كان معك شهادة، يعني بتفهمي..؟!) وهذا أيضاً سينعكس سلباً على كامل الأسرة، وخصوصاً على طريقة ونمط تربية الأبناء والعلاقة الأبوية معهم. إذاً في كلتا الحالتين تكون الحياة غير صحيحة في ظل فقدان التفاهم والانسجام، والنتيجة زواج فاشل وأسرة مفككة بكل المقاييس. وهنا يمكننا أن نخلص إلى مؤدى مفاده عدم صوابية زواج مقرون بفارق تعليمي وثقافي، خصوصاً إذا كانت المرأة هي من تحوز الشهادة العلمية. أيضاً، هناك زواج الفتاة من رجل كبير السن، وحتماً لأنه يملك كل ما يتطلبه الزواج من تكاليف مالية، فهذا الزواج ستسوده عاطفة الأبوة وسلطتها بآنٍ معاً بحكم الفارق العمري، كما ستكتنفه خلافات الرأي بسبب التفاوت وصراع الأجيال، وهذا أمر حتمي طبيعي. ربما تعتقد الفتاة هنا أن هذا الزوج سيتعامل معها بمنتهى الدلال بحكم فارق العمر بينهما. إلا أن ما يحصل غالباً هو العكس، إذ إن جل ما يريده الزوج هو اهتمام ودلال زوجته له، لأنه يملك المال والحكمة والعمر، وكل هذه الأمور تفرض على الزوجة أن تقوم هي بهذا الدلال وتلك الطاعة، فلا يشفع لها صغر السن ولا الجمال ، ولا حتى الشهادة العلمية إن وجدت، ناهيك بموضوع الغيرة الذي يعشش في كيان الزوج وتفكيره للأسباب الآنفة الذكر. وأود القول هنا إن ما ذكرته ليس مجرد رأي وحسب، وإنما هو من واقع الحياة، ومن مشاهدات ومعايشة لحالات مشابهة أو بالأحرى مطابقة تماماً لما طرحناه. من هنا أود القول: إن أساس الزواج وشرطه الرئيسي هو الحب والانسجام، إضافة إلى التوافق الفكري والعلمي، ومتى نقص أيٌ من هذه الشروط، فإن هناك خللاً واقعاً لا محالة قد يؤثر سلباً على الحياة برمتها، وبضمن ذلك الأولاد وطريقة تربيتهم والتعامل معهم. ولكي نتخلص من كل هذه الإشكاليات التي تعترض شبابنا عند الإقدام على الزواج، فإن المطلوب من كلا الطرفين التعامل مع شروط الزواج بحكمة وقناعة وتشاركية واجبة وفعلية من قبل الفتاة، وذلك برفض المهور وتكاليف الزواج المرتفعة، والمعتمدة على البذخ والمظاهر الترفية غير الواقعية التي لا تتناسب وإمكانات الشباب وهم في مقتبل الحياة العملية، خصوصاً في ظل البطالة المبجلة والأسعار المحلقة أبداً إن كان لجهة السكن، أو للاحتياجات الأخرى. وأيضاً وجوب قبول التشاركية في تأسيس بيت الزوجية، لا سيما أن معظم فتياتنا منتجات مادياً، وهذا ما يتيح للفتاة الزواج بمن هو مناسب لها من كل النواحي، ويتيح للشاب إمكان الإقدام على الزواج دون خوف من تكاليف بناء بيت وأسرة، وبالتالي يتخلص الطرفان من مشكلة العنوسة القسرية التي تفرضها إما المهور العالية، أو التقليدية التي تعيشها الفتاة في الاعتماد الكلي على الرجل في تأمين متطلباتها حتى ولو كانت منتجة. وأيضاً تفرضها عقلية الشاب عند تحديد اختياره للفتاة التي يفضلها صغيرة غير حاصلة على تعليم عالٍ، لأنها لن تنافسه على سلطته في مملكة الزوجية، وأن يبتعد عن الخوف من مشاركة المرأة المتعلمة له في صنع حياتهما وتربية أطفالهما، لأنهما والحال هكذا سيخلقان أسرة نموذجية بكل المقاييس، وسيرفدان المجتمع بأبناء متميزين على معظم الصعد. فهل نقف للحظة مع ذواتنا شباباً وفتيات، ونفكر عملياً بأن الحياة الخالية من التشارك والتفاعل والتكامل لا يمكن أن تكون إلا كأوراق الروزنامة تتناثر يوماً بعد يوم حتى ينتهي العمر دون فائدة تذكر.
إيمان ونوس- (إشكاليات الزواج العصري)جريدة النور (29/11/2006) |