|
الجمعيات الأهلية في سوريا.. تراجيديا العمل ضمن المتاح |
|
|
|
ماهر منصور
|
|
2006-11-30 |
تطرح الجمعيات الأهلية غير الحكومية التي هي على صلة وثيقة مع حال المواطن نفسها بوصفها قناة الوصل الرئيسة بين المواطن والمسؤول، إلا أنها لم ترق لتصبح مؤسسات أهلية جماهيرية تستمد قوتها من قواعدها وإمكاناتها المادية، فضعف الإمكانات المادية والفنية و غياب التعاون الفعلي مع المؤسسات والوزارات المعنية بالمستهلك والتجاهل الإعلامي لها... أسباب ساهمت جميعها إلى حد كبير في تقليص إنجازات هذه الجمعيات، فضلاً عن قيود الوزارات المعنية بقيادة الوزارة الأم بموجب القانون 93 للعام 1959 (وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل).. الأمر الذي جعل من أهداف الجمعية وإنجازاتها دون الطموح الذي أراده مؤسسوها لها. رؤية ضبابية.. ويافطات: في مجمل الحكاية ثمة قناعة واحدة سيصل إليها كل من يطلع على عمل هذه الجمعيات هي أننا ما زلنا نفتقر للحد الأدنى من وعي أهمية العمل الأهلي، وأن كل ما طرح عن ذلك من قبل هو مجرد شعارات و يافطات لم تخرج عن حيزها النظري و إلى الآن، كما يقول المحامي (ربيع خشانة) رئيس الجمعية السورية للملكية الفكرية: (لا يوجد رؤية واضحة للعمل مع الجمعيات غير الحكومية، لقد سمحوا بإنشاء الجمعيات وإشهارها، إلا أنهم لا يعرفون المدى الذي على هذه الجمعيات أن تعمل به وأين يجب أن تتوقف، لذلك ترى أن الطابع المؤسساتي في العمل في هذا السياق لدى الوزارة ضعيف، وما يحدث هو مسألة علاقات شخصية، فإذا كان رئيس الجمعية مقرباً من الوزارة مرت أموره كالماء وإذا لم يكن كذلك فأمامه عدد كبير من المحبطات والمعوقات والتي قد تؤدي إلى بطء عمل جمعيته..رغم أن لدينا الكثير من الجمعيات التي أرى أننا في المجتمع بحاجة إليها، وإذا ما قدر لها أن تعمل على نحو مناسب فستكون ذات نفع كبير). وهو نفع ستتضاعف أهميته مع نتيجة عملية أشارت إليها الإعلامية رندة المهتدى من جمعية حماية البيئة السورية بقولها: (أن التجربة أثبتت أن القطاع العام غير قادر على حل المشكلات، كونه غير قادر على العمل الشعبي وهنا تكمن أهمية عمل الجمعيات، والتشابك في عملها). علاقات شخصية لا مؤسساتية: العمل وفق هذا الخط البياني المتقلب وفقاً لمزاج الأشخاص لا الأنظمة دائماً بدا مصدر قلق كل من التقيناهم، و(الكثير ممن تقدموا بطلبات لإنشاء جمعيات، كما أخبرنا الأستاذ خشانة، أحبطوا أثناء التنفيذ، فليس لدى الجميع نفس القدرة من المقاومة والنتيجة خسر المجتمع النفع الذي قد يأتي من وراء هذه الجمعيات). وبذلك مازالت الجمعيات تنتظر كثيراً من الدعم المادي والفني، وأكثر من ذلك هي بحاجة لآلية تعامل مؤسساتية لا تختلف مهما تغير القائمون عليها، واختلاف الأشخاص لا يرتبط دائماً بمستوى العلاقات الشخصية بين القائمين على الجمعية والمسؤولين الحكوميين، كما أشار الأستاذ خشانة من قبل، بل أيضاً بفهم القوانين وآليات ترجمتها على الأرض... كما حدث مع (جمعية حماية المستهلك) منذ سنوات حين قامت الوزارة المعنية بحذف مواد من نظام الجمعية الداخلي، مما أدخل مجلس الإدارة في معركة دامت ثلاث سنوات لاستعادة هذه المواد لتحويلها إلى واقع عملي في السوق المحلية، واستثمار أهدافها في خدمة المستهلك. وإذا كانت الجمعية قد استردت هذه المواد مع تعديلات بسيطة طرأت عليها، فإنه يبقى السؤال: لماذا حذفت هذه المواد بالأصل؟! وهو سؤال طرح ليجد إجابة دبلوماسية مريحة للرأس، إن صح التعبير: (لا نعرف). وبالمثل ستدخل (الجمعية السورية للملكية الفكرية) المتاهة ذاتها مع إعادة صياغة القانون (12) للعام 2001، استغرقت من عام 2003 ولغاية تاريخه، نتيجة عدم قبول وزارة الثقافة، مديرية حق المؤلف بالذات، أن تكون الإدارة الجماعية لحقوق الملكية بيد الجمعيات. وجع على وجع قانون الجمعيات: والأمر على هذا النحو هو وجع على وجع قانون الجمعيات نفسه والذي حدد إطاراً ضيقاً لعمل الجمعيات غير الحكومية، بحيث لا تستطيع العمل تحت ظله، ولاسيما لجهة علاقتها من الجهات الوصائية (وزارة الشؤون ومديرياتها) والتي تشكل نوعاً من إرباك عمل هذه الجمعيات والمحبط الأول لها، وهو الأمر الذي يرجعه المحامي ربيع خشانة إلى خوف غير مبرر من التعامل مع الجمعيات، ويضيف الأستاذ خشانة: (لا أتصور أن السبب أمني كون أعضاء هذه الجمعيات معروفين تماماً، كما أننا لا نعمل في المجال السياسي، الأمر في الغالب يكمن في عقلية تفكير موظف الحكومة والذي يعتبر أن كل شيء خارج عن الحكومة هو منافس غير مرغوب فيه حتى يثبت العكس، وقد كان على هذا الموظف أن يفهم أن الجمعيات ليست «بعبع» والمفروض أن يتعامل معها بذهنية مفتوحة..). علاقة الشد والجذب بين الجمعيات والوزارات المختصة بها اختلفت، وبحكم أن العلاقة علاقة أشخاص لا مؤسسات اختلفت طبيعة علاقة كل جمعية منها مع الوزارة المختصة، الأمر الذي أفرز علاقات وأراء اختلفت في تشخيص العلاقة هنا واتفقت على أن الدعم، غير كافٍ.. مد وجزر جمعية حماية البيئة السورية: الإعلامية (رندة المهتدي) تحدثت عن علاقة جمعيتها بالجهات الحكومية فقالت: (الجمعيات أصبحت ضرورة وليست ترفاً لذلك يفترض التوجه إليها واستثمار جهود الناس فيها. في البلاد الغربية الجمعيات امتلكت القدرة على أخذ القرار وسن القوانين والتشريعات، ونحن لا نطلب إلا قليل من الدعم زيادة، وأن تفتح لنا الأبواب أكثر، وأن يدار بيننا حوار جدي وفاعل، وأن تجرب الجهات الحكومية مساعدتنا على نحو أكبر مما يقدمونه لنا الآن، علاقتنا مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة بين مد وجزر وذلك وفق الأشخاص «ثمة أشخاص متعاونون، وثمة أشخاص يفتقدون لروح المبادرة والتشجيع». ولم يحدث لنا إحباط بمعنى الكلمة إلا نتيجة ضعف التمويل، صحيح أن أحداً لم يحاربنا وقد تلقينا تشجيعاً من المعنيين إلا أن كل ذلك كان ضمن إمكانيات محدودة). ونفت الإعلامية المهتدي تجاهل الوزارة للجمعية في أي من نشاطاتها المتعلقة بعمل الجمعية إلا أنها أبدت رأياً شخصياً بنتيجة سلبية لدمج وزارة البيئة مع الإدارة المحلية (كون البيئة تستحق وزارة) ونوهت إلى مفهوم عمل الجمعيات والعمل الأهلي ما زال دون الفهم الكامل وأننا نفتقد لذلك الحوار المستمر سواء مع المواطن أو مع المسؤول رغم أن هذا الحوار من شأنه أن يوسع آفاق العمل.. وعن تمويل عمل الجمعية قالت: (أنه بسيط يأتي من وزارة الشؤون الاجتماعية، رغم أنه عندنا روح الإيمان والإمكانيات البشرية..). الجمعية السورية للوقاية من حوادث الطرق.. تجاهل وإلغاء: وعن علاقة (الجمعية السورية للوقاية من حوادث الطرق) مع الوزارات المعنية قال الدكتور (ستالين كغدو) رئيس الجمعية: (مسؤولية جمعيتنا إنسانية وفنية واجتماعية، ونعتمد بالدرجة الأولى على التوعية لكافة الفئات في القضايا المتعلقة، وهنا ثمة نقطة هامة، إذا أن الدولة يجب أن تساهم في هذه المهمة، وهو الأمر الذي يبدو متقلباً فوزير النقل السابق دعمنا وأعطانا مقراً وجهزه، كما دعمنا مادياً، بالمقابل لم يدعم الوزير الحالي بأي مبلغ رغم أننا رفعنا له أربع مذكرات بهذا الخصوص..، حتى الدعم المعنوي لم نحصل عليه، فقد عملنا أكثر من ندوة دعوناه للمشاركة لكنه لم يتجاوب معنا، وحين عدنا لطلب المعونة المالية قام بتحويلها إلى مؤسسة المواصلات الطرقية التي قالت أنه ضمن الأنظمة النافذة لا يحق لنا سوى 15 - 20 ألف ليرة... الغريب أن الوزير ذاته يهتم بجمعية لبنانية للسلامة العامة قدمت نفسها على أنها عالمية، ويتعاون معها في سياق اهتمام جمعيتنا، دون أن يكون لنا دور فاعل في الأمر، وبدلاً من أن نتعاون سوية ثمة محاولة لإلغاء دورنا في هذا السياق. بالمقابل وزارة الداخلية تقدم لنا المساعدة، وعلاقتنا معها جيدة..). ولفت الدكتور كغدو إلى أن تحقيق مهام الجمعية على أحسن وجه يتطلب معونة مادية ومعنوية، مؤكداً أن هذا الدعم يجب أن يرافقه نظام محاسبة ودقيق ما الذي أنجز وما الذي ما تم إنجازه.. أما التجاهل الذي تعاني منه الجمعيات فقد أكد أنه لا يعرف سببه بالضبط ولا يدري ماذا يستطيع أن يسميه. الجمعيــــة الســـــورية للملكيــــة الفكريــــة.. مطلوب مختصين: المحامي ربيع خشانة رئيس (الجمعية السورية للملكية الفكرية) قال: (إن للجمعية علاقة مع وزارات الثقافة والاقتصاد والصناعة فضلاً عن وزارة الشؤون الاجتماعية) مؤكداً أن لكل منها مشكلاتها: (ففي وزارة الثقافة فوجئنا بوجود موظفين لا يملكون الحد الأدنى من فهم شيء أسمه ملكية فكرية رغم أنهم يديرون مديرية اسمها «حق المؤلف» حتى أن أحدهم قال لنا «إذا الجمعية فعّلت أنا لن يعود لي عمل» الأمر على هذا النحو يشي بمستوى إداري منخفض لهؤلاء، فضلاً عن انعدام الثقة بالنفس عند مديري الإدارات وهنا تكمن الكارثة، لأن هذا الشخص غير قادر أن ينجز شيئاًَ، ولا يريد أن يتركك لتنجز شيئاً، لذلك ضروري أن يكون الأشخاص المعنيون على سوية عالية، علمياً وإدارياً. الأمر نفسه، ينطبق على وزارة الاقتصاد). ويشبه المحامي خشانة هذه الدوائر الحكومية بالرجل المريض الذي رغم معرفته بمرضه ودوائه يرفض الدواء، وعن تجاهل هذه الإدارات لعمل الجمعية قال المحامي خشانة: (سأضرب لك مثالاً، لقد بعثنا لوزارات الدولة خلال الأشهر الستة الماضية نحو 98 كتاباً جاءنا رد على سبع منها، وهذا الرقم وحده يدلك على حجم الاهتمام إذ أن 90 % من كتبنا لم يرد عليها رغم أننا بالعموم إيجابيون ومواضيع الكتب بالمجمل تتعلق بالتنسيق والتعاون في عدد من المشاريع). وعن التمويل أكد المحامي خشانة أن وزارة الشؤون الاجتماعية تمنح مبلغاً لا يتجاوز (25) ألف ليرة إذا رغبت وبقرار من الوزيرة الأمر الذي يدفع الجمعيات للبحث عن مصادر تمويل أخرى منها المنظمات الدولية شركاء،لا عاملون تحت الوصاية: كلام الجمعيات السابقة، رسم حقيقة واقعاً قاتماً لمستقبل عمل الجمعيات غير الحكومية ما لم نتدارك هذا التدهور الحاصل في العلاقة الحكومية معها، الأمر يتطلب مؤسسات، أكثر من أشخاص، وهو يشترط عقلية إدارية منفتحة إذا ما ضمنا وجود هذه المؤسسات، وتالياً سيشترط قانون ناظم لهذه العلاقة يفترض على أن ينظر إلى الجمعيات بوصفها شريكاً مثالياً لا مؤسسة تحت الوصاية.
ماهر منصور: ( كلنا شركاء) باتفاق خاص مع مجلة ابيض واسود – (الجمعيات الأهلية في سوريا.. تراجيديا العمل ضمن المتاح)عن: كلنا شركاء (30/11/2006)
|