 |
|
 |
|
افتتاحية نساء سورية |
|
السيدة أسماء الأسد تؤكد، والوزيرة ديالا تنفي: لا يكون الوطن آمنا إذا كان نصفه غير آمن"! |
من غرائب الأمور كيف يمكن أن ينطق وفد سورية إلى مؤتمر واحد، في وقت واحد، بمفهومين متناقضين كليا! فبينما أكدت السيدة أسماء الأسد، رئيسة الوفد السوري إلى المؤتمر الثاني لمنظمة المرأة العربية التي اختتمت أعمالها في 13 نوفمبر 2008، أنه "لا يكون الوطن آمنا إذا كان نصفه غير آمن"، (أدناه الخبر كما ورد في موقع الجمعية السورية للمعلوماتية، بعد أن "اختفى" من سانا!) في تأكيد صريح لا يقبل اللبس على أن أمن المواطنات هو أساس في أمن الوطن، ولا يخفى أن أمن المواطنات هنا هو فعلا حمايتهن من كافة أشكال العنف والتمييز التي تجعلهن غير آمنات في وطنهن، في الوقت ذاته نفت د. ديالا الحاج عارف، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعضوة الوفد ذاته، ان يكون هناك هم لدى المرأة السورية بأمنها، بل فقط "بأمن وطنها"!! |
التتمة..
|
|
|
لا للعنف ضد المرأة |
|
|
إخلاء.. |
جميع الإعلانات المنشورة على "نساء سورية" مجانية، وتقع ضمن نطاق عمله التطوعي
|
|
|
 |
|
 |
|
|
 |
|
 |
|
تأهيل وإصلاح الأحداث الجانحين |
|
|
|
مجلة العلوم الاجتماعية
|
|
2006-11-21 |
1-1 المقاربة النفس-تربوية تعتمد المقاربة النفس-تربوية La psycho-éducation[1] على أربعة ركائز أساسية لعمل المؤسسات الإصلاحية، وتتجلى فيما يلي: ¹ تنمية القدرات والعمليات المهنية لفريق المربين؛ ¹ تطوير أنشطة التعلم؛ ¹ الأخذ بنظام الجماعة؛ ¹ تنظيم الوسط L’organisation du milieu. 1-1 فيما يتعلق بالقدرات والعمليات المهنية للمربين: تركز المقاربة النفس-تربوية على ضرورة اختيار فريق المربين بناء على قدرات ومؤهلات معينة. علاوة على تكوينهم داخل المؤسسات الإصلاحية بشكل متوازي مع طبيعة عملهم واحتكاكهم بالأحداث الجانحين، وذلك بغية إكسابهم الوسائل العلمية والعملية ليكونوا متدخلين فاعلين في إطار علاقة المساعدة أو المصاحبة La relation d’aide ou d’accompagnement لفريق الأحداث الجانحين، ويمكن إجمال هذه الوسائل في الملاحظة، التشخيص، التخطيط، التنظيم، التنشيط، التواصل...2 1-2 أنشطة التعلم: تعتبر هذه المقاربة أن المشاكل الحقيقية التي تصادف المربين العاملين في المؤسسات الإصلاحية تتمثل في عدم تمكنهم من إنجاز برامج عمل فعالة مكملة للنشاط المدرسي والمهني والترفيهي الممارس في ورشات محددة، مما يتطلب تنظيم تدخلهم المهني بجعله قادرا على استيعاب الحاجات الحقيقية للأحداث الجانحين، وذلك بخلق أنشطة للتدريب والتعلم مواكبة لباقي الأنشطة ومكملة لها، مع الأخذ بعين اعتبار خصائص الفئات المستهدفة من هذا النشاط والأهداف المراد بلوغها وكذا الوسائل والإمكانيات المتوفرة... 1-3 الجماعة Le groupe: تحتل الجماعة أهمية كبرى في تأهيل وإصلاح الأحداث الجانحين بالنسبة للمقاربة النفس-تربوية، فالجماعة باعتبارها مجتمعا مصغرا Microsociété ذات بنية وتنظيم اجتماعي معين، يتدخل من خلالها المربي لإحداث التغيرات المطلوبة بالنسبة لأعضائها، فهي وفق هذا المنظور تمثل وسيلة للإصلاح وهدفا له في الوقت ذاته، فإذا كان المربي حسب هذه المقاربة هو عماد عملية التدخل Pivot de l’intervention، فإن الجماعة هي نمط الاشتغال بالنسبة للمتدخلين والأداة التي تمكنهم من ضبط ميكانيزمات الأفراد اجتماعيا، كما أنها وسيلة علاجية ترتكز على مبدأ الاعتماد المتبادل L’assistance réciproque بين أفرادها. 1-4 الوسط: Le milieu : يعتبر Gendreau الوسط هو بوثقة التفاعل الأساسية التي تمكن الأفراد من التكيف الاجتماعيAdaptation sociale ، فالوسط يمثل مجموعا بنيويا ديناميا، وتتجلى بنيويته كما حددها Gendreau في الخصائص العشر التالية: الأحداث أو جماعة المستفيدين، المنشطون، الأهداف والغايات، السياق المكاني، البرنامج، السياق الزماني، الوسائل، القانون، الإجراءات، نظام تدرج المسؤولية، منظومة التقييم والمتابعة[2]. 2.1 المقاربة المعرفية السلوكية: تمثل المقاربة المعرفية السلوكية L’approche cognitive comportementale في علاج وتأهيل وإدماج الأحداث الجانحين وسيلة تربوية فعالة انطلاقا من النتائج الميدانية المحصل عليها[3]، فهي لا تعتمد فقط على الحد من السلوكات الضد-اجتماعية Antisociaux، بقدر ما تتوخى في الوقت ذاته الرفع من السلوكات الاجتماعية Prosociaux، مما يحدد أهدافها العامة في ضرورة جعل الأحداث الجانحين يتخلون بالتدريج عن عاداتهم وسلوكاتهم الجانحة أو المنحرفة، والتحلي تدريجيا بعلاقات اجتماعية نوعية تمكنهم من اكتساب مهارات التواصل اجتماعي في حياتهم العادية، وبالتالي القدرة على حل مشكلاتهم داخل هذه العلاقات بطريقة مقبولة اجتماعيا، ويتم ذلك من خلال تدريبهم على طرق ووسائل التحكم في الغضب والعنف، والرفع من قابليتهم لتعلم واكتساب معارف ومهارات جديدة. وتعتمد المقاربة المعرفية السلوكية في إطار تدخلها مع الأحداث الجانحين على ثلاثة جوانب أساسية[4]: 2-1 جانب التدخل الفردي: خلال الأسابيع الأولى من تواجد الحدث بالمؤسسة الإصلاحية يتم تركيز الملاحظات على جوانب السلوك التي تمثل مشاكل حقيقية للحدث، وكذا الظروف والأجواء التي تنامت فيها. كما أنه من الضروري –تبعا لهذه المقاربة- تجميع كافة المعلومات والبيانات ذات الفائدة من وسطه العائلي للتمكن من الإحاطة الشاملة بطبيعة السلوكات-المشكلة، هل هي تابعة من الحدث (Cognitifs et affectifs) أم أنها ذات صلة بالمحيط؟ وانطلاقا من هذا التشخيص يتم إنجاز أول تعاقد سلوكي مع الحدث تتحدد من خلاله نوعية السلوكات- المشكلة التي يجب تجنبها (à éviter)، وفي المقابل السلوكات البديلة Comportement alternative المرغوب بها (à encourager)، ويصاغ هذا التعاقد من قبل فريق المربين، ويعرض على الحدث (وعائلته عند الاقتضاء)، حيث من المفترض أن يبدي هذا الأخير تعاونه واقتراحاته أيضا، على ألا تتجاوز مدة هذا التعاقد أكثر من 3 أشهر لتليه تعاقدات سلوكية أخرى. 2-2 ورشات التعلم الجماعية: تهدف هذه الورشات إلى إكساب الأحداث الجانحين مهارات التواصل داخل الجماعة، وكذا كيفيات وأساليب التحكم في انفعالات الزائدة وغير المرغوب بها ولاشك أن هذه الورشات تتيح للأحداث بلورة وتنمية التلاحم الاجتماعي Cohésion sociale المرتكز على الأسس الاجتماعية داخل الجماعة نفسها، ومن هذه الورشات هناك ما يلي: ¹ ورشات تعلم واكتساب مهارات التواصل والسلوكات الاجتماعية؛ ¹ ورشة التعاون؛ ¹ ورشة فهم واستعمال ميكانيزمات الجماعة؛ ¹ ورشة التحكم في الانفعالات (الغضب – العدوانية...)؛ ¹ ورشة حل المشكلات؛ ¹ ورشة المناقشة حول السلوكات اللاجتماعية. 2-3 الوسط: إن المقاربة المعرفية السلوكية لا تعتمد على التعاقدات الفردية وورشات التعلم المشار لها أعلاه، فحسب بل إنها تضع كل ذلك في قلب الوسط الطبيعي للحدث، هذا الوسط الذي ينبغي تأهيله بطريقة خاصة ليستجيب لكافة المتغيرات التي من الممكن أن تطرأ على سلوك الحدث خلال مدة إيداعه بالمؤسسة الإصلاحية، ومن ثم تضع هذا المقاربة، من ضمن إستراتجيتها الرامية إلى تأهيل وإدماج الأحداث الجانحين، الاهتمام بالوسط الذي سيعود إليه عندما تنتهي مدة الإيداع. لذا فإنها تضع عددا من المشاريع التي من خلالها يستطيع الحدث توظيف المهارات الاجتماعية التي اكتسبها خلال مدة تواجده بالمؤسسة، وذلك بإشراك العائلة والمدرسة ومكان العمل أو الاشتغال. 1-3 المقاربة المعرفية النمائية : تتلخص الأهداف العامة للمقاربة المعرفية النمائية[5] L’approche cognitive développementale في مساعدة الأحداث الجانحين على تجاوز مواقفهم المعرفية الخاطئة وسلوكاتهم الهامشية، وذلك بإكسابهم أساليب التفكير المنطقي الأخلاقي Raisonnement moral، وتنمية كفاءاتهم العلائقية من خلال تدريبهم على احترام القواعد والنظم الاجتماعية بالعمل على إشراكهم في بلورة ومراجعة قواعد جماعتهم وتحملهم للمسؤولية داخلها. كما تحث هذه المقاربة على ضرورة فهم التشوهات التي تلحق حقائق المحيط الخارجي للحدث والمرتبطة بالجوانب المعرفية لديه (distorsions cognitives) والتي من شأنها أن تؤدي به إلى مسلك الجنوح. وتعتمد هذه المقاربة بدورها على ثلاثة جوانب فيما يتعلق بتدخلها مع فئات الأحداث الجانحين داخل المؤسسات الإصلاحية: 3-1 الجانب الفردي: لمساعدة الحدث الجانح والعمل على تأهيله وإدماجه الاجتماعي ينبغي على المربين أن يتدخلوا من خلال المستويات الثلاث التالية: × فهم ومعرفة سلوكات الحدث والسياقات المعرفية المسؤولة عن هذه السلوكات؛ × دلالة هذه السلوكات وقدرة الحدث على التحكم فيها؛ × معرفة قدرة الحدث على مستوى استرتيجية التواصل علائقيا، وكذا قدرته "التفاوضية" وحل المشكلات. 3-2 ورشات التدريب ولقاءات الجماعة: يتمحور هذا الجانب حول نشاطين أساسيين للتفكير، يتعلق الأول بالمواقف الأخلاقية الحرجة Dilemmes moraux، أما الثاني فيخص الوضعيات الافتراضية للعلاقات البيشخصية للأحداث بأقرانهم أو بالراشدين عموما. مما يتطلب من المشرفين على هذه الورشات وأنشطة الجماعة بصفة عامة تركيز جهودهم على جوانب متعددة من شخصية الحدث داخل عمل الجماعة. وتتميز الجماعة، وفق هذه المقاربة، بأسلوبها الديمقراطي في التسيير، فهي لا تقع تحت سلطة المربي بقدر ما يشكل فيها هذا الأخير عضوا عاديا يملك صوتا واحدا كباقي الأحداث المنتسبين للجماعة. وتتخذ القرارات داخلها باعتماد نظام الأغلبية وفقا للقواعد والضوابط التي تحكم نظام المؤسسة. كما أنه خلال الجموع العامة لهذه الجماعة، والتي تسير في الغالب من لدن أحد الأحداث، تتخذ كل القرارات التي تهم سير الجماعة ومناقشة الأجواء السائدة داخلها أو داخل المؤسسة ككل، وأيضا أنواع المشكلات المطروحة والخروقات التي يرتكبها الأعضاء...وتتبع الجماعة أسلوبا دقيقا في توزيع وتحديد المسؤوليات بين أفرادها ونظاما للتأديب والخروقات...[6] 3-3 الوسط : يؤدي الوسط هنا دورا مكملا لأدوار الجماعة الأخرى، فمن خلاله تتم برمجة عدد من الأنشطة سواء في إطار العائلة أو المدرسة أو مكان العمل، تحفز الحدث على قيم التعاون والمساعدة والعدالة...، والتي من شأنها المساهمة في تطوير وتنمية الكفاءات الفردية والجماعية لمختلف الأحداث. مما يمنح للوسط هنا، تبعا لهذه المقاربة، دورا تكميليا وأساسيا لكل الأنشطة والبرامج التي خضع لها الحدث أثناء فترة تواجده بالمؤسسة. 2- بعض التجارب الدولية في تأهيل وإدماج الأحداث الجانحين لاشك أن التجارب العالمية بخصوص تأهيل وإدماج الأحداث الجانحين متنوعة بتنوع المدارس والخلفيات النظرية التي تؤطرها، لكنها تتفق في مجموعها على هدف واحد يتمثل في العمل على تغيير سلوك الأحداث نحو الأفضل، ونهج السبل الرامية إلى إعادة تكيفهم الاجتماعي، حيث أن المنتوج النهائي لعمل المؤسسات الإصلاحية على اختلاف أساليبها وطرقها يبقى هو تغيير سلوك الحدث وتيسير عملية إدماجه اجتماعيا. فما هي إذن أهم التجارب العالمية في هذا الباب والتي يمكن الاسترشاد بها لتناول التجارب المحلية؟ 1.2- التدخل على أساس فردي لوليام هيلي: يعتبر هيلي Healy,W[7] مشكلة الجنوح مسألة فردية ترتبط بالشخص الجانح وحده، وذلك اعتمادا على نتائج دراسته الطويلة والتي شملت أكثر من ألف حدث جانح بمدينة شيكاغو الأمريكية، وهو بذلك يتفق مع عدد من النظريات النفسية في تفسير الجنوح[8] ويعتبر Healy أنه من الضروري الكشف مبكرا عن المشكلات النفسية العويصة لدى هؤلاء الأحداث للتمكن من وضع برامج للتدخل والعلاج ملائمة لطبيعة المشكلات، ومعبرة عن المشاكل الحقيقية لهذه الشريحة. هذا الطرح نجده أيضا لدى العديد من فرق البحث في الخمسينات من القرن الماضي، كما هو الأمر بالنسبة للزوجين Glueck (Sheldon et Eleanor) اللذين أمضيا سنوات طويلة في محاولة تحديد العوامل الفردية المسؤولة عن ظاهرة العود لدى الأحداث الجانحين، في محاولة لمعالجتها فرديا بالعمل على تغيير سلوك الحدث الجانح لتحقيق غايات الإدماج الاجتماعي[9]. ومن الأمثلة الميدانية التي تدعم هذا الاتجاه هناك مشروع Cambridge Somerville الذي تأسس على خلفية علاجية نفسية في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي (1937)، حيث طرح عملية توجيه الأحداث نحو برامج علاجية مؤطرة من لدن مرشدين كبار يتولون تقديم مساعدات فردية تعمل على تطوير مهاراتهم النفسية والاجتماعية، وقدراتهم الفكرية والبدنية والتي تؤهلهم للإدماج الاجتماعي، وتضمن عدم عودتهم إلى الجريمة والجنوح. وبالرغم من كون هذا المشروع قد توقف في نهاية الحرب العالمية الثانية إثر الإكراهات والتحديات الجديدة التي أفرزتها هذه الحرب في الولايات المتحدة، فإنه قد منح للباحثين فرصة حقيقية لتقييم هذه التجربة التي عمرت زهاء 8 سنوات، وذلك للوقوف على مواطن القوة والضعف. ولعل أبرز مساهمة في هذا الباب سجلت سنة 1955 من لدن الباحثين William et Joan McCord اللذان اعتبرا أن هذا المشروع باعتماده على أسلوب التدخل العلاجي الفردي لم يصل في الحقيقة إلى الغايات التي رسمها لنفسه، كما أنه ساهم في خلق نوع من الاضطراب لمجموعة من الأحداث الذين استفادوا منه، مما طرح محدودية هذا المشروع وعجزه على تغيير سلوك الأحداث الجانحين نحو الأفضل[10]. 2.2- مشروع التدخل الاجتماعي لمدينة شيكاغو: يعد مشروع التدخل الاجتماعي لمدينة شيكاغو الأكثر شهرة ليس في الولايات المتحدة وحدها، ولكن في العديد من أنحاء العالم، هذا المشروع الذي انطلق في أربعينيات القرن الماضي، وتأثر كثيرا بالأفكار الاجتماعية لمدرسة شيكاغو، وخاصة أفكار Clifford show المرتكزة على أهمية إعادة تنظيم الأحياء داخل المدينة، انطلاقا من الدراسة الهامة التي أنجزها بمعية Henry McKay سنة 1942، والتي دعا من خلالها إلى إحداث تغييرات ليس فقط على مستوى سلوك الأحداث الجانحين، بل لابد أن تستهدف هذه التغييرات الشروط الاجتماعية التي دفعت بهم إلى عالم الجنوح والجريمة، ملحا على ضرورة تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأحياء والمناطق التي تعرف ارتفاعا في نسبة الجنوح[11]. ولقد ركز التدخل الاجتماعي لمدينة شيكاغو على خلق لجن مشتركة للتدخل والحد من مشاكل الأحياء، ووضع برامج ناجحة في مجال استثمار الوقت الحر، وكذا التدخل الصحي والوقائي بتوظيف فرق للتدخل والعمل في الشارع Travailleurs de la rue.[12] وإذا كان هذا المشروع قد أعطى أهمية قصوى للعمل في الوسط الطبيعي، ولاسيما داخل الأحياء المهمشة والفقيرة، فإنه مع ذلك لم يستثن العمل المؤسساتي، بل أسهم بشكل ملحوظ في تطوير برامج المؤسسات الإصلاحية، سواء في مجال التكوين المهني أو التعليم أو فيما يتعلق بالخدمات الموجهة لعائلات الأحداث الجانحين. 3.2- أسلوب العلاج داخل الجماعة Traitement dans la collectivité: في ستينات القرن الماضي برزت عدة محاولات لخلق برامج جديدة مرتكزة على النظريات السوسيولوجية الحديثة، والتي تعتبر الجنوح بصفة عامة وجنوح الأحداث على وجه الخصوص مظهرا من مظاهر التفاعل الاجتماعي (نظرية المخالفة الفارقة ل Sutherland)، ومن هذه المحاولات هناك تجربة Provo التي تعد إحدى التجارب النموذجية التي انطلقت في أمريكا لتشمل كندا ثم بعد ذلك بعض البلدان الأوروبية. ويمكن اعتبار تجربة Provo التي تعتمد في علاج الأحداث الجانحين على عدم إحداث قطيعة مع نشاطهم السابق، فالأحداث اللذين كانوا في المدرسة يستمرون في التعلم والتحصيل (الأحداث يتابعون أنشطتهم الطبيعية السابقة (المدرسة – العمل...)، لكنهم جميعا ملزمون بحضور اجتماعات الجماعة. وتتلخص فكرة هذا البرنامج في جعل أسلوب دينامية الجماعة وسيلة للتغير الإيجابي، حيث إذا كانت بعض النظريات السوسيولوجية للجنوح تعطي أهمية قصوى لجماعة الرفاق، فإن ذلك ما دفع Emqey إلى التفكير في أهمية التأثير المتبادل في تحقيق تغير للقيم داخل الجماعة، من خلال استثمار العلاقات التي تنشأ بين الأصدقاء لدفعهم بالتدريج إلى تبني نفس السلوكات المرغوب فيها اجتماعيا[13]. وبالرغم من أن النتائج لم تبرهن بشكل قاطع على صمود هذه الخلفية النظرية، إلا أنه يمكن اعتبار أن التجارب التي تمخضت عنها كانت غنية وفعالة في الحد من مظاهر الجنوح والعود. فالأحداث الذين ولجوا مشروع Provo سجلوا أقل نسب العود بالمقاربة مع أحداث استفادوا من برامج أخرى[14]. وفي هذا الإطار يعتبر Hollin أن الأحداث الجانحين يشكلون في واقع الأمر فئة أو جماعة مقاومة للتغيير بشدة، الأمر الذي يزيد من صعوبة العمل على إدماجهم وتكيفهم، فالجانحون من هذا المنظور يناهضون فكرة التغيير في سلوكهم، مما يجعلهم مرتاحين أكثر بالحفاظ على "جنوحيتهم". ومن ثم يقترح Hollin ضرورة العمل على كسر هذه المقاومة التي نجدها لدى هذه الشريحة الاجتماعية[15]. وبالتالي فمهما كان الإعداد المهني جيدا ومناسبا، ومهما توفرت فرص التحصيل الدراسي، حسب Hollin، لا يمكن التنبؤ إطلاقا بقابلية هذه الفئة من الجانحين ما لم يتم العمل بالموازاة على وضع برامج للتدريب طويلة الأمد تمكنهم من التحكم في النفس والتسيير والتكوين الذاتي والتحكم في الغضب، وتقبل لعب أدوار أخرى إضافة إلى تنمية التفكير المنطقي الأخلاقي [16]. 4.2 – نظرية الضبط الاجتماعي وإدماج الأحداث الجانحين لا شك أن الأفكار التي عبر عنها Braithwaite والتي تندرج في سياق سوسيولوجيا الضبط الاجتماعي، المنبثقة عن ضرورة فهم العلاقة التي ترتبط الجريمة أو الفعل الجانح عموما بميكانيزمات الضبط الاجتماعي، وذلك بالعمل على تقدير موقع ومكانة المرتكبين لهذه الأفعال داخل محيطهم الاجتماعي، تكتسي أهمية بالغة في الصيرورة الإدماجية لهذه العناصر[17]. وتنطلق هذه النظرية التي انتشرت في أستراليا ونيوزيلندا من ضرورة العمل على جمع الأحداث الجانحين بالأشخاص والذين يحتلون أهمية كبرى في حياتهم (أقربائهم أو أصدقائهم أو جماعة من الأشخاص يقدرونهم) ويمكن أيضا جعلهم مع ضحاياهم أو عائلات هؤلاء الضحايا، وذلك لمحاولة ضبط الجانح وعلاجه انطلاقا من تداعيات الفعل الذي أرتكبه والذي يمس بالتأكيد هذه الفئة التي تحتضنه وتشكل جماعة مرجعية له ولو كانت ثانوية. ويقترح Braithwaite و Mygford أسلوبا مؤسساتيا ينسجم مع طبيعة هذا التوجه، ويثنيان على أهمية المؤسسات الدينية في هذا الباب (الكنيسة مثلا) التي تؤمن أفضل الفرص للصفح والتسامح. 2.5- تجربة بوسكوفيل Boscoville الكندية: لقد شكلت المدرسة الكندية في رعاية وإدماج الأحداث الجانحين (Boscoville) تجربة غنية بكل المقاييس، ألهمت العديد من الباحثين والدارسين من مختلف بقاع العالم، فامتدادات هذه التجربة التي ظهرت منذ ستينات القرن الماضي لا تزال إلى اليوم مؤثرة وفاعلة وقادرة على الابتكار والتجديد. استلهمت تجربة بوسكوفيل أسسها النظرية من التراث الأكاديمي لعدد من المدارس والاتجاهات النفسية كالتحليل النفسي والاتجاه السلوكي والاتجاه المعرفي، حيث نجد فيما يتعلق بنظرية تنمية الحدث الجانح Théorie du développement de l’individu تقاطع نظريات كل من بياجي Piaget في الجانب المعرفي وإريكسون Erikson في الهوية L’identité ورابابورت Rappaport في نمو الأنا Le développement du moi، كما أن هناك نظريات اجتماعية أخرى كنظرية الرابط الاجتماعي Le lien social ل Hirchi التي تركز على أهمية الروابط الاجتماعية في إصلاح وعلاج الأحداث والجانحين[18]. وتؤطر هذه الاتجاهات النظرية في مجموعها كل التدخلات التربوية والنفسية للفرد والجماعة معا المبنية على خطوات نظرية المراحل الأربع التي قدمتها الباحثة Jeanine Guindon في كتابها Les étapes de la rééducation des jeunes délinquants et des autres، والتي يمكن إيجازها كما يلي: 1- مرحلة التأقلم Acclimatation: يتحدد الهدف الأساسي لهذه المرحلة في تعريف الحدث بكل الوسائل المتاحة داخل المؤسسة، وكذا برامجها وأساليب عملها وأشغالها، ثم قبول وجوده بها لحاجته إلى المساعدة. 2- مرحلـة الضــبـط Contrôle: يتم من خلالها إكساب الحدث الوسائل التي تمكنه من احترام الوسط الذي يتواجد به، والاندماج داخل الجماعة من خلال اكتساب المعايير المحددة لسلوك الفرد داخل المؤسسة ككل. 3- مرحلـة الإنتـاج Production: يكتسب الحدث خلال هذه المرحلة منهجية محددة للعمل، حيث يستعمل الإمكانيات والوسائل المتاحة لديه داخل المؤسسة لتحقيق نتائج ملموسة وذلك بالاعتماد على مؤهلاته وعلى رؤيته لمستقبله ومشروعه في الحياة. 4- مرحلة الشخصية Personnalité: يصبح من خلالها الحدث واعيا بطبيعة التحولات التي وقعت عليه، وبالتالي لم يعد هو نفسه الذي ولج المؤسسة من قبل، حيث بات قادرا على الاختيار والتخطيط والابتكار بناء على المكتسبات المحققة لديه. وتقترح Boscoville علاوة على كل ذلك برنامجا غنيا ومتكاملا للأحداث الجانحين، فبالإضافة إلى النشاط التعليمي والترفيهي هناك أنشطة رياضية وفنية وورشات مهنية متعددة وتكوين مهني متعدد التخصصات يؤطره مختصون، لكن أهم ما يميز هذه التجربة ارتكازها على تكوين المربين العاملين بالمؤسسة والذين يتم انتقاؤهم بعناية من المؤسسات الجامعية المتخصصة في علم النفس والاجتماع والتربية، ويتلقون تكوينا مستمرا في المؤسسة الإصلاحية، مما يؤهلهم أكثر للقيام بالمهام المنوطة بهم. 6.2- مشروع الإدماج العائلي لجوليان أكير: يعتبر الهولندي[19] Juliaan van Acker أن علاج الأحداث داخل المؤسسات الإصلاحية لا يؤهلهم إطلاقا للإدماج الاجتماعي، فكل البرامج التي يخضعون لها لا تحدث في الواقع التغييرات المنشودة سواء على مستوى شخصية الحدث أو وسطه العائلي هذا ما دفعه إلى البحث عن مشاريع بديلة لإدماج الأحداث الجانحين دون إيداعهم بالمؤسسات الإصلاحية. لقد انطلق هذا المشروع في مدينة Arnhem الهولندية سنة 1997، وذلك بالنظر لما يميز هذه المدينة من ارتفاع ملحوظ في جنوح الأحداث، ويركز مشروع الإدماج العائلي للأحداث الجانحين على ضرورة فهم العلاقة التي تربط هؤلاء بآبائهم، فهي المدخل الحقيقي لعلاجهم وتأهيلهم وإدماجهم اجتماعيا من الفكرة الأساسية التي تقود مشروع Acker تتلخص في: " لا يمكن أن نربي أطفالنا دون أن نحبهم ودون أن نؤثر فيهم ونصل إلى قلوبهم، ولا يمكن إحداث أي تغيير حقيقي في سلوكهم ما لم نستطع التأثير فيهم"، ذلك أن تغير في سلوك الأحداث هو اختيار حر من قبلهم ولا يمكن أن يكون مفروضا عليهم من أي شخص كيفما كانت الرابطة التي تربطهم به. ويوصي مشروع Acker بالخطوات والإجراءات التالية: 1- تحديد جماعة الأحداث الجانحين ذات السلوك الإجرامي، وذلك من خلال التمييز بين المرتكبين لأفعال جانحة وبين أولئك الذين يتميزون بسلوك جانح، وفي حاجة إلى هذا البرنامج للتدخل والعلاج وإعادة الإدماج؛ 2- توطيد الصلة بأسرة الحدث لمعرفة عوامل الخطر Facteurs à risque العائلية باعتبارها مسؤولة عن سلوك الجنوح أو لكونها مساهما أساسيا في تفاقم هذا السلوك لدى الحدث؛ 3- إعادة النظر في أساليب وطرق معاملة الآباء والمدرسين لهؤلاء الأحداث باعتبارها الكفيلة بعلاجهم وإدماجهم، مما يفسر- حسب Acker – فشل طرق العلاج المتمركزة حول الحدث وحده والتي تهمل وسطه الطبيعي والمعتمدة داخل المؤسسات الإصلاحية؛ 4- عدم الأخذ باتجاه نفسي علاجي محدد كما هو سائد في العديد من المؤسسات الإصلاحية للأحداث، بل لابد حسب Acker من الاستفادة من كل الاتجاهات النفسية والاجتماعية وتكييفها مع كل حالة على حدة، من هنا ضرورة إيجاد أسلوب تدخل جديد لكل حدث ولكل عائلة يستند على التجربة والمصاحبة للعائلة[20]؛ 5- تحفيز الأحداث وآبائهم على إحداث التغييرات المطلوبة في سلوكهم، وذلك من خلال تشجيعهم على اتخاذ القرارات ذات الطابع الإيجابي للطرفين معا، فعندما يحاول الحدث تغيير سلوكه العنيف مثلا، لا بد من مساعدته على اتخاذ هذا القرار باعتبار أن ذلك لا يعد بالعملية السهلة واليسيرة كما قد يعتقد بعض الآباء والمربين، لذا من الضروري حسب Acker أن يحدث هناك تعاون بين المعالجين أو المتدخلين والآباء لإحداث نظام للحوافز تبعا للسلوكات المرغوب في تغييرها. ويلخص Acker خطوات التدخل الإدماجي العائلي فيما يلي: ¹ القيام بزيارات مسترسلة للأسرة من قبل المتدخلين؛ ¹ تلقين الآباء بالطرق والأساليب التربوية المطلوبة؛ ¹ تشجيع ومساندة الآباء وإشراكهم في مقاربة علاجية تكاملية لصالح أطفالهم؛ ¹ تخصيص حصص للأحداث من أجل تقوية جوانب معينة في شخصية الحدث من قبيل خفض التوترات الزائدة، تصريف الميولات العنيفة، تنمية القدرات الاجتماعية... ¹ تحسين علاقة الآباء بالمدرسة؛ ¹ دعم وإرشاد المدرسين. 7.1- الحاجة إلى مرحلة إدماجية بعد المؤسسة الإصلاحية: هل هناك حاجة لمرحلة إدماجية فاصلة بين المؤسسة وبين العودة النهائية للمجتمع؟ أظهرت الدراسات المتعددة والمنجزة حول هذا الموضوع منذ أكثر من نصف قرن عن ضرورة وجود مرحلة فاصلة بين قضاء الحدث لمدة إيداع بمؤسسة إصلاحية وبين عودتـه الـنـهـائيـة إلـى المجتمع، واعتبر عدد منهم (Leblanc) و(Lipsey et Wilson)[21] أن عملية الإدماج الاجتماعي للأحداث الجانحين لا يمكن أن تتم في ظروف جيدة إذا لم تكن مدة الإيداع ونوعية التدخل (Intervention) داخل المؤسسة كافيتين من حيث المدة والجودة، ذلك أن المجتمعات الحديثة أصبحت اليوم أكثر انغلاقا من قبل كما أن التحولات الاجتماعية التي تميز المرحلة الحالية للإنسانية تتسم بالكثير من التعقيد، وبصعوبات ولوج متعددة لكافة المجالات إن الصعوبات الكثيرة التي باتت مصاحبة اليوم لمجالات التشغيل والمساعدة الاجتماعية والصحية والتربية والتعليم... تطرح عراقيل إضافية أمام فئة الأحداث الجانحين والمقبلين على مواجهة هذه التحديات، وعند غياب آفاق لتحسين هذه الشروط الاجتماعية يمكن التنبؤ بمزيد من ازدياد مظاهر الجنوح في هذه المجتمعات مما سيهدد أمنها الاجتماعي واستقرارها السياسي والاقتصادي[22]. في المقابل تزداد حدة المشاكل بالنسبة للمراهقين عموما من جراء انسلاخ الأسرة في المجتمعات المعاصرة عن دورها التوجيهي والإرشادي تجاه هذه الشريحة الاجتماعية، ويكاد ينعدم تدخلها مما قلص بشكل كبير من مساهمة الأسرة الأساسية في تأمين النمو العاطفي والاجتماعي للمراهقين الذين لا يزالون في حاجة ماسة إلى مساعدة الآباء لتجاوز كبوات هذه المرحلة[23]. الأمر الذي لم يعد يسمح اليوم بالاعتماد على الأسرة في مجال رعاية الأحداث الجانحين وإدماجهم الاجتماعي، كما لا يمكن في نفس الآن ترك ذلك للمجتمع أو للمؤسسات الموجودة التي هي، في كثير من الأحيان، غير معنية بقضية هؤلاء الجانحين. ومن ثم تظهر الحاجة اليوم إلى مؤسسات تعمل في الوسط الطبيعي لتؤمن الإدماج الاجتماعي للأحداث الجانحين وتوفر على الأقل لهؤلاء ولوجا اجتماعيا سهلا، اعتمادا على ما اكتسبوه خلال مدة إيداعهم بالمؤسسة الإصلاحية. ملاحظات بخصوص التجربة المغربية في مجال تأهيل وإدماج الأحداث الجانحين لا شك أن المقاربات النظرية والتجارب المؤسساتية على اختلافها والمعروضة في في الجزء الأول من هذه المداخلة تمتلك تصورا واضحا لما ينبغي القيام به، وتسندها خلفيات نظرية، كما تستمد قوتها من إسهامات الباحثين الأكاديميين ودراسات وأبحاث المشتغلين في هذا الحقل، ومتابعتهم وانشغالهم الدائم بقضايا هذه المؤسسات والسبل الكفيلة بتطوير أدائها لتستجيب لحاجيات الأحداث الجانحين المحالين عليها، مما يضفي عليها نوعا من الانسجام والتكامل فيما بين الباحث الأكاديمي والممارس الفاعل داخل هذا الحقل. في المقابل فإن أهم ما يميز التجارب المحلية افتقادها إلى الأسس النظرية الواضحة في شأن تأهيل وإدماج الأحداث الجانحين، بل لم تستطع حتى أن تكون ولو نسخة طبق الأصل لهذه النماذج العالمية، مما يطرح تساؤلات كثيرة عن سمات واقعنا المحلي: أي نوع من المؤسسات نتوفر عليها؟ وأي مقاربة معتمدة في تأهيل وإدماج الأحداث الجانحين؟ هل التجارب المغربية تستجيب لنفس الشروط أم تظل بعيدة كل البعد عما يعتمل في الميادين الأكاديمية والعلمية؟ وهل هناك إمكانية داخل هذه المؤسسات لبلورة تجربة خاصة بها يمكن اعتبارها استجابة لشروط محلية وخاصة؟ عند تأملنا لواقع مؤسسات حماية الطفولة نجد في الواقع خليطا من المفاهيم أغلبها غير واضح بالنسبة إلى المربين، وكثير من المسلكيات و"الأعراف" التي لا يجمع بينها ناظم ما، بل في الغالب نجدها متناقضة وغير منسجمة على الإطلاق. هناك مفاهيم تنتمي إلى الحقل السلوكي في علم النفس وأخرى إلى الحقل المعرفي كما تحيلنا بعض المفاهيم إلى التحليل النفسي أو إلى نظريات الضبط الاجتماعي أو نظريات الدور الاجتماعي... قد يقول قائل بأننا نستفيد من كل هذه التيارات والاتجاهات النظرية لنؤسس لإطار نظري مرجعي ذو خصوصية مغربية كما يحلو للكثير قول ذلك لإظهار نوع من الخصوصية، لكن إذا كان التدخل والعلاج بالنسبة لفئة الأحداث الجانحين يتطلب نوعا من الانسجام والتناغم على مستوى الطريقة أو الأسلوب المعتمد، فإنه من الضروري أن يحيل إلى إطار نظري منسجم ومتكامل شأن ذلك كشأن كل أساليب العلاج والتدخل في مجالات أخري كالطب والعلاج النفسي...، لذلك من الضروري أن تسلك هذه المؤسسات أساليب للتدخل تنأى عن العشوائية والفوضى التي تطبع مرجعية هذه المؤسسات. هذا على المستوى النظري أما على المستوى العملي فإن ما يطغى على هذه المؤسسات هو سيادة نوع من الممارسات التي دأب عليها العاملون والتي ترتبط إلى حد كبير بمزاج وعقليات المسؤولين والعاملين على حد سواء، مما أسقطها في نوع من التجريب لأساليب وطرق غير ملائمة إطلاقا، علما بأنه من غير المقبول أخلاقيا وإنسانيا أن يتم تجريب بعض الأساليب على النزلاء ما لم تكن ذات فائدة على حياتهم، بل إن حتى المعايير الدولية قد وضعت الأسس الفلسفية لرعاية وتأهيل هذه الفئة من الأطفال بما ينسجم وغايات المجتمع الإنساني الرامية إلى الاستثمار في مستقبل الإنسان وضمان غد أفضل له، ذلك بالاعتراف المعنوي والقانوني بضعف الأطفال الانفعالي والبدني والنفسي، وحاجتهم إلى رعاية خاصة، والالتزام باحترام وكفالة حقوقهم، بما في ذلك تفهم للجرائم والأفعال التي قد يرتكبونها بالنظر إلى ضعف إدراكهم وتمييزهم. كما يغيب بشكل ملحوظ عمل الفريق التربوي، إذ لا نلمس لدى هذه المؤسسات وجود أدنى شروط التكامل والانسجام بين المربين فيما بينهم أو بينهم وبين إدارة المؤسسة، فكل مربي له أسلوب معين في الاشتغال مناقض تماما لأسلوب الآخرين كما أن تدخلات المشرفين على المؤسسة قد لا تتوافق في كثير من الأحيان مع المربين والمرشدين. لقد ظل الهاجس الذي يشغل بال المشتغلين في هذا الميدان هو البحث عن الخطط والاستراتيجيات الهادفة إلى تأهيل الأحداث، دونما البحث في المقابل عن ربط هذا المبتغى بما يميز المحيط الاجتماعي لهذه الشريحة، وطبيعة التحديات التي تواجه أفرادها في المجتمع المحلي. فبقيت مؤسسات حماية الطفولة بعيدة عن ملامسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الجارية في محيطها، بعيدة بذلك عن مقاربة الإشكالات المرتبطة بقضية الإدماج، غير قادرة على تكييف برامجها مع المستجدات الحاصلة هنا وهناك، غافلة عن إدراك علاقة التكوين والتأهيل بمتطلبات التنمية الاجتماعية المنشودة، وعن علاقة كل ذلك بالحد من انتشار مظاهر الجريمة والجنوح. فظلت بالتالي منغلقة على ذاتها، غير معنية بما يجري حولها، فدأبت ولسنوات عديدة على نهج نفس الوسائل والأساليب العتيقة في تسيير شؤونها التربوية والإدارية والتأهيلية، مما أسقطها في واقع الرتابة والتكرارية. وعاد من النادر جدا أن تحصل على وثيقة أو برنامج أو منهاج أو مذكرة تنتمي للسنوات القليلة الماضية، فكل أدوات ووسائل العمل التقني والتربوي تنتمي لحقبة الستينات والسبعينات والثمانينات. وهذا ما يفسر سعي هذه المؤسسات دوما لتكرار نفسها بأسلوب أكثر مأساوية، ذلك أنها تعيش يومها بوسائل تنتمي إلى ماضيها، فلا تلك الوسائل عادت صالحة تعج نشاطا وحيوية، ولا الإمكانيات والوسائل المتاحة والعقليات السائدة يمكنها اليوم تجديد القديم وتحيينه. في السنتين الأخيرتين بدأ الحديث داخل هذه المؤسسات عما يسمى بمشروع المؤسسة من منطلق الحاجة المجتمعية الماسة إلى إيجاد خطة تربوية حداثية ترمي إلى تنشئة فرد متوافق مع هويته، متفاعل مع حضارات غيره، مؤهّل للمساهمة في المشهد الكوني، معتمد على ذاته، مشارك فعال. مما يتطلب أن تكون المقاربة التربوية لمؤسسات حماية الطفولة في ميدان تأهيل الطفولة والشباب الجانح مقاربة تعمل على ترجمة هذه الرهانات بما يمكّنها من تعزيز حضورها الاجتماعي بتبني أدوار ووظائف تنمّي إسهامها في صياغة مشروع تربية وتنشئة اجتماعية حداثية. ومن هذا المنطلق فإن مؤسسات حماية الطفولة مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى أن تتبنّي برنامجا بيداغوجيا متكاملا يرتكز على مرجعية نظرية وفكرية وتربوية واضحة يتبلور في شكل "مشروع المؤسسة"، والذي يعدّ شكلا من أشكال التعاقد المعنوي – الواعي والمسؤول – بين مختلف المكونات الاجتماعية لمحيط المؤسسة، مشروع يترجم مقتضيات الواقع وموجبات التغيير الذي تمليه طبيعة التحولات الاجتماعية. فمشروع المؤسسة، بهذا المنظور، شكل من أشكال التجديد البيداغوجي الرامي إلى ترسيخ فعل المؤسسة الإصلاحية في محيطها المحلي وإلى تطوير مردوديتها بما ينسجم والرهانات الموضوعة على عاتقها. وبالرغم من التطور الذي شهدته إدارة وتنظيم المؤسسات الإصلاحية في عدد من البلدان، فلا يزال هناك نوع من التأخير النسبي يطبع منظومة هذه المؤسسات ببلادنا في وقت يشتد فيه الرهان على تأهيل هذه المؤسسات والرقي بخدماتها إلى أفضل المستويات، وذلك في إطار ما رسمته توجهات السياسة الاجتماعية للبلاد من خلال المبادرات المعلن عنها. فالحاجة اليوم ليست فقط مقرونة بتوفير إطار نظري يمكن الاستناد إليه لتوجيه هذه المؤسسات نحو نموذج معين، بل نحن في أمس الحاجة إلى نموذج مؤسساتي متكامل يستجيب للتطورات التي بات يشهدها العالم حاليا في هذا المجال، وأيضا التغيرات الكثيرة التي طالت مجال الاشتغال مع الأحداث الجانحين في السنوات الأخيرة. - انتـهى-
[1] Gendreau, G.(1978). L’intervention Psycho-éducative : solution ou défi ? Paris : Fleurus. P. 42-43.2 Leblanc, M. (2000) « quelle stratégie d’intervention choisir pour les adolescents en difficulté? » Septième congrès de l’association québécoise de la thérapie de la réalité, Québec 18,19 et 20 Mai 2000, Article disponible sur le site: www.criminologie.com/revue/[2] Gendreau, G. (1978). OP. Cit. P .45.[3] Leblanc, M. (1998) : « L’intervention de réadaptation en 2010, le prévisible ou le souhaitable », In revue canadienne de psychoéducation, P .27. Disponible au site www.psyced.Umontreal.ca/rpo[4] Lanctôt, N. Beaulieu, S. (2002) : « L’implantation de l’approche cognitive-comportementale au sein de la coordination des services aux adolescentes du Centre jeunesse de Montréal : Un premier pas vers son évaluation ». Ecole de criminologie, Université de Montréal. Disponible au site : http://www.cicc.umontreal.ca[5] Leblanc, M. et autres (1998). Intervenir autrement auprès des adolescents, en difficulté : appliquer l’intervention différentielle. Montréal : Presse de l’université de Montréal. P. (87-112).[6]Dionne, J. (1996) : « L’intervention cognitive développementale auprès des adolescents délinquants », In revue criminologie, volume29, N°1. Article disponible au site :www.erudit.org/revue/crimino/1996/v29/n1/017380ar.pdf[7] Silverman,R. Creechan,J.(1995) : « traitement de la délinquance » Département de la sociologie – université d’Alberta- P.25. Do*****ent disponible sur le site : http://canada.justice.gc.ca/fr/ps/rep/1995 [8] هذه النظريات كثيرة ولا يتسع المجال هنا لذكرها، منها على الخصوص نظري التحليل النفسي لفرو يد وايكهورن Aichorn، وميلاني كلاين M. Klein وريدل Redl، لاكاش Lagache، لاكان Lacan[9] Mucchielli, L.(2000) : « familles et délinquances : un bilan pluridisciplinaire des recherches francophones et anglophones », Centre de recherches sociologiques sur le droit et les institutions pénales, P.71. Do*****ent disponible sur le site : www.cesdip.org/IMG/pdf/EDP_no_86.pdf[10] Op .cit. P.75.[11] Silverman,R. Creechan,J. Op. cit. P.32. [12] Mucchielli, L. Op. cit. P.84.[13] Silverman,R. Creechan,J. Op. cit. P..31.[15]Lemire, G. (2000) « De la dangerosité au risque 40 ans d’évaluation clinique de la réinsertion sociale » In revue pénitentiaire et de droit pénale N°38 décembre 2000, Article disponible sur le site : www.crim.umontreal.ca/cours/cri1600/revue/[16] Op.cit.[17]Loeber,R (1986) : « La prédiction de la délinquance » In revue de la criminologie, Volume 19, numéro 2. Disponible sur le site : http://www.erudit.org/revue/crimino/1986/v19/n2/ [18]Leblanc, M. Tessier, B (1984). « Les étapes de la rééducation: Formalisation et vérification » Cet article s’inscrit dans le cadre d’une évaluation de Boscoville pour groupe de recherche l’inadaptation juvénile de l’université de Montréal – canada. 04 mai 1984, Article disponible sur le Site : http://classiques-4qac.ca/contemporains/leblancmarc/">http://classiques-4qac.ca/contemporains/leblancmarc/ [19] Acker, J.(2001) : « une intervention dans le milieu de vie pour les jeunes délinquants ». Article disponible sur le site Internet : http://users.skynet.be/bk337022/intervention.
[20] يوجه ACKER الدعوة إلى أن يكون من يشخص الوضع العائلي Diagnostiqueur هو المعالج.Thérapeute
[21] Leblanc, M. (2000) : « la réinsertion sociale indispensable ? » Colloque sur la réinsertion : boucler la boucle ou la récidive, fondation québécoise pour les jeunes contrevenants, Montréal. 11/05/2000, Article disponible sur le site : www.crim.umontreal.ca/cours/cri1600/revue/leblanc5.pdf [22] Lemire, G. Op.cit.[23] Morin, L(1993): « la famille dysfonctionnelle et la réinsertion sociale ». Article disponible sur le site : www.fcnetwork.org/4thnorth/lafamill.html لاشك أن التجارب العالمية بخصوص تأهيل وإدماج الأحداث الجانحين متنوعة بتنوع المدارس والخلفيات النظرية التي تؤطرها، لكنها تتفق في مجموعها على هدف واحد يتمثل في العمل على تغيير سلوك الأحداث نحو الأفضل، ونهج السبل الرامية إلى إعادة تكيفهم الاجتماعي، حيث أن المنتوج النهائي لعمل المؤسسات الإصلاحية على اختلاف أساليبها وطرقها يبقى هو تغيير سلوك الحدث وتيسير عملية إدماجه اجتماعيا. فما هي إذن أهم التجارب العالمية في هذا الباب والتي يمكن الاسترشاد بها لتناول التجارب المحلية؟ - يعتبر هيلي Healy,W مشكلة الجنوح مسألة فردية ترتبط بالشخص الجانح وحده، وذلك اعتمادا على نتائج دراسته الطويلة والتي شملت أكثر من ألف حدث جانح بمدينة شيكاغو الأمريكية، وهو بذلك يتفق مع عدد من النظريات النفسية في تفسير الجنوح ويعتبر Healy أنه من الضروري الكشف مبكرا عن المشكلات النفسية العويصة لدى هؤلاء الأحداث للتمكن من وضع برامج للتدخل والعلاج ملائمة لطبيعة المشكلات، ومعبرة عن المشاكل الحقيقية لهذه الشريحة.هذا الطرح نجده أيضا لدى العديد من فرق البحث في الخمسينات من القرن الماضي، كما هو الأمر بالنسبة للزوجين Glueck(Sheldon et Eleanor) اللذين أمضيا سنوات طويلة في محاولة تحديد العوامل الفردية المسؤولة عن ظاهرة العود لدى الأحداث الجانحين، في محاولة لمعالجتها فرديا بالعمل على تغيير سلوك الحدث الجانح لتحقيق غايات الإدماج الاجتماعي. ومن الأمثلة الميدانية التي تدعم هذا الاتجاه هناك مشروع CambridgeSomerville الذي تأسس على خلفية علاجية نفسية في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي (1937)، حيث طرح عملية توجيه الأحداث نحو برامج علاجية مؤطرة من لدن مرشدين كبار يتولون تقديم مساعدات فردية تعمل على تطوير مهاراتهم النفسية والاجتماعية، وقدراتهم الفكرية والبدنية والتي تؤهلهم للإدماج الاجتماعي، وتضمن عدم عودتهم إلى الجريمة والجنوح.وبالرغم من كون هذا المشروع قد توقف في نهاية الحرب العالمية الثانية إثر الإكراهات والتحديات الجديدة التي أفرزتها هذه الحرب في الولايات المتحدة، فإنه قد منح للباحثين فرصة حقيقية لتقييم هذه التجربة التي عمرت زهاء 8 سنوات، وذلك للوقوف على مواطن القوة والضعف. ولعل أبرز مساهمة في هذا الباب سجلت سنة 1955 من لدن الباحثين William et Joan McCordاللذان اعتبرا أن هذا المشروع باعتماده على أسلوب التدخل العلاجي الفردي لم يصل في الحقيقة إلى الغايات التي رسمها لنفسه، كما أنه ساهم في خلق نوع من الاضطراب لمجموعة من الأحداث الذين استفادوا منه، مما طرح محدودية هذا المشروع وعجزه على تغيير سلوك الأحداث الجانحين نحو الأفضل.- مشروع التدخل الاجتماعي لمدينة شيكاغو: يعد مشروع التدخل الاجتماعي لمدينة شيكاغو الأكثر شهرة ليس في الولايات المتحدة وحدها، ولكن في العديد من أنحاء العالم، هذا المشروع الذي انطلق في أربعينيات القرن الماضي، وتأثر كثيرا بالأفكار الاجتماعية لمدرسة شيكاغو، وخاصة أفكار المرتكزة على أهمية إعادة تنظيم الأحياء داخل المدينة، انطلاقا من الدراسة الهامة التي أنجزها بمعية سنة 1942، والتي دعا من خلالها إلى إحداث تغييرات ليس فقط على مستوى سلوك الأحداث الجانحين، بل لابد أن تستهدف هذه التغييرات الشروط الاجتماعية التي دفعت بهم إلى عالم الجنوح والجريمة، ملحا على ضرورة تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأحياء والمناطق التي تعرف ارتفاعا في نسبة الجنوح. ولقد ركز التدخل الاجتماعي لمدينة شيكاغو على خلق لجن مشتركة للتدخل والحد من مشاكل الأحياء، ووضع برامج ناجحة في مجال استثمار الوقت الحر، وكذا التدخل الصحي والوقائي بتوظيف فرق للتدخل والعمل في الشارع Travailleursdelarue. وإذا كان هذا المشروع قد أعطى أهمية قصوى للعمل في الوسط الطبيعي، ولاسيما داخل الأحياء المهمشة والفقيرة، فإنه مع ذلك لم يستثن العمل المؤسساتي، بل أسهم بشكل ملحوظ في تطوير برامج المؤسسات الإصلاحية، سواء في مجال التكوين المهني أو التعليم أو فيما يتعلق بالخدمات الموجهة لعائلات الأحداث الجانحين.Traitement dans la collectivité:في ستينات القرن الماضي برزت عدة محاولات لخلق برامج جديدة مرتكزة على النظريات السوسيولوجية الحديثة، والتي تعتبر الجنوح بصفة عامة وجنوح الأحداث على وجه الخصوص مظهرا من مظاهر التفاعل الاجتماعي (نظرية المخالفة الفارقة ل )، ومن هذه المحاولات هناك تجربة التي تعد إحدى التجارب النموذجية التي انطلقت في أمريكا لتشمل كندا ثم بعد ذلك بعض البلدان الأوروبية. ويمكن اعتبار تجربة التي تعتمد في علاج الأحداث الجانحين على عدم إحداث قطيعة مع نشاطهم السابق، فالأحداث اللذين كانوا في المدرسة يستمرون في التعلم والتحصيل (الأحداث يتابعون أنشطتهم الطبيعية السابقة (المدرسة – العمل...)، لكنهم جميعا ملزمون بحضور اجتماعات الجماعة. وتتلخص فكرة هذا البرنامج في جعل أسلوب دينامية الجماعة وسيلة للتغير الإيجابي، حيث إذا كانت بعض النظريات السوسيولوجية للجنوح تعطي أهمية قصوى لجماعة الرفاق، فإن ذلك ما دفع إلى التفكير في أهمية التأثير المتبادل في تحقيق تغير للقيم داخل الجماعة، من خلال استثمار العلاقات التي تنشأ بين الأصدقاء لدفعهم بالتدريج إلى تبني نفس السلوكات المرغوب فيها اجتماعيا. وبالرغم من أن النتائج لم تبرهن بشكل قاطع على صمود هذه الخلفية النظرية، إلا أنه يمكن اعتبار أن التجارب التي تمخضت عنها كانت غنية وفعالة في الحد من مظاهر الجنوح والعود. فالأحداث الذين ولجوا مشروع سجلوا أقل نسب العود بالمقاربة مع أحداث استفادوا من برامج أخرى. وفي هذا الإطار يعتبر أن الأحداث الجانحين يشكلون في واقع الأمر فئة أو جماعة مقاومة للتغيير بشدة، الأمر الذي يزيد من صعوبة العمل على إدماجهم وتكيفهم، فالجانحون من هذا المنظور يناهضون فكرة التغيير في سلوكهم، مما يجعلهم مرتاحين أكثر بالحفاظ على جنوحيتهمومن ثم يقترح ضرورة العمل على كسر هذه المقاومة التي نجدها لدى هذه الشريحة الاجتماعية. وبالتالي فمهما كان الإعداد المهني جيدا ومناسبا، ومهما توفرت فرص التحصيل الدراسي، حسب لا يمكن التنبؤ إطلاقا بقابلية هذه الفئة من الجانحين ما لم يتم العمل بالموازاة على وضع برامج للتدريب طويلة الأمد تمكنهم من التحكم في النفس والتسيير والتكوين الذاتي والتحكم في الغضب، وتقبل لعب أدوار أخرى إضافة إلى تنمية التفكير المنطقي الأخلاقي لا شك أن الأفكار التي عبر عنها والتي تندرج في سياق سوسيولوجيا الضبط الاجتماعي، المنبثقة عن ضرورة فهم العلاقة التي ترتبط الجريمة أو الفعل الجانح عموما بميكانيزمات الضبط الاجتماعي، وذلك بالعمل على تقدير موقع ومكانة المرتكبين لهذه الأفعال داخل محيطهم الاجتماعي، تكتسي أهمية بالغة في الصيرورة الإدماجية لهذه العناصر. وتنطلق هذه النظرية التي انتشرت في أستراليا ونيوزيلندا من ضرورة العمل على جمع الأحداث الجانحين بالأشخاص والذين يحتلون أهمية كبرى في حياتهم (أقربائهم أو أصدقائهم أو جماعة من الأشخاص يقدرونهم) ويمكن أيضا جعلهم مع ضحاياهم أو عائلات هؤلاء الضحايا، وذلك لمحاولة ضبط الجانح وعلاجه انطلاقا من تداعيات الفعل الذي أرتكبه والذي يمس بالتأكيد هذه الفئة التي تحتضنه وتشكل جماعة مرجعية له ولو كانت ثانوية. ويقترح و أسلوبا مؤسساتيا ينسجم مع طبيعة هذا التوجه، ويثنيان على أهمية المؤسسات الدينية في هذا الباب (الكنيسة مثلا) التي تؤمن أفضل الفرص للصفح والتسامح. لقد شكلت المدرسة الكندية في رعاية وإدماج الأحداث الجانحين () تجربة غنية بكل المقاييس، ألهمت العديد من الباحثين والدارسين من مختلف بقاع العالم، فامتدادات هذه التجربة التي ظهرت منذ ستينات القرن الماضي لا تزال إلى اليوم مؤثرة وفاعلة وقادرة على الابتكار والتجديد. استلهمت تجربة بوسكوفيل أسسها النظرية من التراث الأكاديمي لعدد من المدارس والاتجاهات النفسية كالتحليل النفسي والاتجاه السلوكي والاتجاه المعرفي، حيث نجد فيما يتعلق بنظرية تنمية الحدث الجانح Théorie du développementdel’individu تقاطع نظريات كل من بياجي في الجانب المعرفي وإريكسون في الهوية L’identité ورابابورت في نمو الأنا Ledéveloppementdumoi، كما أن هناك نظريات اجتماعية أخرى كنظرية الرابط الاجتماعي Le lien social ل التي تركز على أهمية الروابط الاجتماعية في إصلاح وعلاج الأحداث والجانحين. وتؤطر هذه الاتجاهات النظرية في مجموعها كل التدخلات التربوية والنفسية للفرد والجماعة معا المبنية على خطوات نظرية المراحل الأربع التي قدمتها الباحثة في كتابها Les étapes de la rééducation des jeunes délinquants et des autres، والتي يمكن إيجازها كما يلي:1- يتحدد الهدف الأساسي لهذه المرحلة في تعريف الحدث بكل الوسائل المتاحة داخل المؤسسة، وكذا برامجها وأساليب عملها وأشغالها، ثم قبول وجوده بها لحاجته إلى المساعدة.2- يتم من خلالها إكساب الحدث الوسائل التي تمكنه من احترام الوسط الذي يتواجد به، والاندماج داخل الجماعة من خلال اكتساب المعايير المحددة لسلوك الفرد داخل المؤسسة ككل.3- يكتسب الحدث خلال هذه المرحلة منهجية محددة للعمل، حيث يستعمل الإمكانيات والوسائل المتاحة لديه داخل المؤسسة لتحقيق نتائج ملموسة وذلك بالاعتماد على مؤهلاته وعلى رؤيته لمستقبله ومشروعه في الحياة.4- يصبح من خلالها الحدث واعيا بطبيعة التحولات التي وقعت عليه، وبالتالي لم يعد هو نفسه الذي ولج المؤسسة من قبل، حيث بات قادرا على الاختيار والتخطيط والابتكار بناء على المكتسبات المحققة لديه. وتقترح علاوة على كل ذلك برنامجا غنيا ومتكاملا للأحداث الجانحين، فبالإضافة إلى النشاط التعليمي والترفيهي هناك أنشطة رياضية وفنية وورشات مهنية متعددة وتكوين مهني متعدد التخصصات يؤطره مختصون، لكن أهم ما يميز هذه التجربة ارتكازها على تكوين المربين العاملين بالمؤسسة والذين يتم انتقاؤهم بعناية من المؤسسات الجامعية المتخصصة في علم النفس والاجتماع والتربية، ويتلقون تكوينا مستمرا في المؤسسة الإصلاحية، مما يؤهلهم أكثر للقيام بالمهام المنوطة بهم.- مشروع الإدماج العائلي لجوليان أكير: يعتبر الهولندي أن علاج الأحداث داخل المؤسسات الإصلاحية لا يؤهلهم إطلاقا للإدماج الاجتماعي، فكل البرامج التي يخضعون لها لا تحدث في الواقع التغييرات المنشودة سواء على مستوى شخصية الحدث أو وسطه العائلي هذا ما دفعه إلى البحث عن مشاريع بديلة لإدماج الأحداث الجانحين دون إيداعهم بالمؤسسات الإصلاحية. لقد انطلق هذا المشروع في مدينة الهولندية سنة 1997، وذلك بالنظر لما يميز هذه المدينة من ارتفاع ملحوظ في جنوح الأحداث، ويركز مشروع الإدماج العائلي للأحداث الجانحين على ضرورة فهم العلاقة التي تربط هؤلاء بآبائهم، فهي المدخل الحقيقي لعلاجهم وتأهيلهم وإدماجهم اجتماعيا من الفكرة الأساسية التي تقود مشروع تتلخص في: ، ذلك أن تغير في سلوك الأحداث هو اختيار حر من قبلهم ولا يمكن أن يكون مفروضا عليهم من أي شخص كيفما كانت الرابطة التي تربطهم به. ويوصي مشروع بالخطوات والإجراءات التالية:1- تحديد جماعة الأحداث الجانحين ذات السلوك الإجرامي، وذلك من خلال التمييز بين المرتكبين لأفعال جانحة وبين أولئك الذين يتميزون بسلوك جانح، وفي حاجة إلى هذا البرنامج للتدخل والعلاج وإعادة الإدماج؛2- توطيد الصلة بأسرة الحدث لمعرفة عوامل الخطر Facteurs à risqueالعائلية باعتبارها مسؤولة عن سلوك الجنوح أو لكونها مساهما أساسيا في تفاقم هذا السلوك لدى الحدث؛3- إعادة النظر في أساليب وطرق معاملة الآباء والمدرسين لهؤلاء الأحداث باعتبارها الكفيلة بعلاجهم وإدماجهم، مما يفسر- حسب – فشل طرق العلاج المتمركزة حول الحدث وحده والتي تهمل وسطه الطبيعي والمعتمدة داخل المؤسسات الإصلاحية؛4- عدم الأخذ باتجاه نفسي علاجي محدد كما هو سائد في العديد من المؤسسات الإصلاحية للأحداث، بل لابد حسب Acker من الاستفادة من كل الاتجاهات النفسية والاجتماعية وتكييفها مع كل حالة على حدة، من هنا ضرورة إيجاد أسلوب تدخل جديد لكل حدث ولكل عائلة يستند على التجربة والمصاحبة للعائلة؛5- تحفيز الأحداث وآبائهم على إحداث التغييرات المطلوبة في سلوكهم، وذلك من خلال تشجيعهم على اتخاذ القرارات ذات الطابع الإيجابي للطرفين معا، فعندما يحاول الحدث تغيير سلوكه العنيف مثلا، لا بد من مساعدته على اتخاذ هذا القرار باعتبار أن ذلك لا يعد بالعملية السهلة واليسيرة كما قد يعتقد بعض الآباء والمربين، لذا من الضروري حسب Acker أن يحدث هناك تعاون بين المعالجين أو المتدخلين والآباء لإحداث نظام للحوافز تبعا للسلوكات المرغوب في تغييرها.ويلخص Acker خطوات التدخل الإدماجي العائلي فيما يلي:¹ القيام بزيارات مسترسلة للأسرة من قبل المتدخلين؛¹ تلقين الآباء بالطرق والأساليب التربوية المطلوبة؛¹ تشجيع ومساندة الآباء وإشراكهم في مقاربة علاجية تكاملية لصالح أطفالهم؛¹ تخصيص حصص للأحداث من أجل تقوية جوانب معينة في شخصية الحدث من قبيل خفض التوترات الزائدة، تصريف الميولات العنيفة، تنمية القدرات الاجتماعية...¹ تحسين علاقة الآباء بالمدرسة؛ ¹ دعم وإرشاد المدرسين.- الحاجة إلى مرحلة إدماجية بعد المؤسسة الإصلاحية: هل هناك حاجة لمرحلة إدماجية فاصلة بين المؤسسة وبين العودة النهائية للمجتمع؟أظهرت الدراسات المتعددة والمنجزة حول هذا الموضوع منذ أكثر من نصف قرن عن ضرورة وجود مرحلة فاصلة بين قضاء الحدث لمدة إيداع بمؤسسة إصلاحية وبين عودتـه الـنـهـائيـة إلـى المجتمع، واعتبر عدد منهم (Leblanc) و(LipseyetWilson) أن عملية الإدماج الاجتماعي للأحداث الجانحين لا يمكن أن تتم في ظروف جيدة إذا لم تكن مدة الإيداع ونوعية التدخل Intervention داخل المؤسسة كافيتين من حيث المدة والجودة، ذلك أن المجتمعات الحديثة أصبحت اليوم أكثر انغلاقا من قبل كما أن التحولات الاجتماعية التي تميز المرحلة الحالية للإنسانية تتسم بالكثير من التعقيد، وبصعوبات ولوج متعددة لكافة المجالات إن الصعوبات الكثيرة التي باتت مصاحبة اليوم لمجالات التشغيل والمساعدة الاجتماعية والصحية والتربية والتعليم... تطرح عراقيل إضافية أمام فئة الأحداث الجانحين. (تأهيل وإصلاح الأحداث الجانحين)
مجلة العلوم الاجتماعية (6/10/2006)
|
|
|
|
 |
|
 |
|
إحصائيات المرصد |
عدد المقالات: 6270
عدد القراء: 4918643
|
|
|