|
كوليت بهنا
|
|
2006-11-21 |
أجبرت معلمة مدرسة تلاميذها الأطفال الذين لاتتجاوز أعمارهم السبع سنوات على تنظيف الأوساخ التي تسببوا بها في الصف وذلك عبر لعق أرضية الصف بألسنتهم، الأمر الذي تسبب بتحطيم نفسية الأطفال الذين عاد بعضهم إلى البيت شبه منهار يرتجف من رعب الحادثة وربما نقل بعضهم إلى المستشفى لمعالجة الآثار الصحية التي قد تنجم عن لعق الأوساخ. المعلمة روسية وليست سورية كما يظن البعض للوهلة الأولى، وتخضع المعلمة الآن لتحقيق قد يؤدي بها إلى عقوبة السجن لسنتين على الأقل. لكن خبرا كهذا، سواء حدث في روسيا أم في تشيلي، أم في أي مكان في العالم، لابد أن يوجعك ويستفزك ويفتح لك ملفات العنف ضد الأطفال في المدارس، ونحن مع بدايات السنة الدراسية، حيث انتشرت في شوارع دمشق مؤخرا لوحات إعلانية تندد بالعنف ضد التلاميذ في المدارس، الأمر الذي يؤكد أن العنف موجود في مدارسنا الرسمية والخاصة على حد سواء، وموجود في معظم مدارس العالم بحديه النفسي أو الجسدي المباشر. كما أن خبرا كهذا يفتح لك ملفاتك الشخصية ويعيدك بالذاكرة إلى حادثة قاسية ما مررت بها في المدرسة مع معلمة أو أستاذ ساديين تركا في روحك ندبة نفسية أو تركا على جسدك أثر عصا لايمحوهما الزمن، وأعتقد أن في كل ذاكرة من ذواكر الناس حادثة مريرة ما مرت بهم أيام المدرسة. أتذكر شخصيا أنني في أول يوم لي في المدرسة الرسمية، بعد أن نقلنا قسرا من مدرسة خاصة إثر صدور قرار تأميم المدارس الخاصة نهاية الستينيات، أتذكر تلك الصفعة التي استقبلتني بها المعلمة لأنني قلت لها ببراءة (بونجور مدموزيل). المعلمة التي غضبت واستشاطت وأجابتني بصفعة قاسية مرفقة بمحاضرة (أنا سأتولى تربيتك من جديد.. هنا تقولين صباح الخير ياآنستي وليست تلك الكلمات المائعة التي تعودتم عليها في مدارسكم الخاصة الاستعمارية.. و.. و..). بالتأكيد لم تمر الحادثة على خير، حيث قام والدي بالشكوى الرسمية، والتي تولت متابعتها شخصيا مديرة المدرسة آنذاك طيب الله ذكرها وتدعى ( خير النساء الحسيني) وكانت مديرة استثنائية يشهد لها التاريخ التعليمي السوري، سواء بثقافتها وتعليمها العالي أو بأناقتها، أو حتى بنخبة الطالبات المتفوقات اللاتي تخرجن من مدرستها بسبب بعد نظرها ورعايتها الحنونة للأطفال. المديرة لم تكتف بمعاقبة المعلمة وحرمانها من التعليم لسنوات،بل اجتهدت شخصيا مع وزير التربية لاستصدار قرار خاص يمنح الطلاب المسيحيين أذنا خاصا بالـتأخر عن المدرسة لساعتين صباح كل يوم أحد بهدف منحهم فرصة للذهاب إلى الكنيسة. لم أفهم يومها وأنا ابنة الست سنوات كل هذا الحقد الطبقي والطائفي الذي أبدته المعلمة ضدي، ولا أتذكر اسمها وحتى لاشكلها، لكنني بالتأكيد لا أنسى صفعتها القاسية التي يوجعني مكانها في كل مرة أسمع أو أقرأ عن ضرب طفل تلميذ في المدرسة. هذا الطفل الذي يفرح قلب أهله لدى إنجابه ويبهج حياتهم، يسهرون الليالي وهم يتفانون في تربيته الجسدية والنفسية والأخلاقية الصحية الصحيحة، وقد يتذوقون المرّ لتحصيل نفقات تعليمه من مستلزمات لا ترحم، ويقومون بتحضيره قبل عام تقريبا للتهيؤ نفسيا للمدرسة،يزينونها له على أنها جنة الأولاد على الأرض، حيث اللعب والعلم والأولاد الحلوين والأطعمة الخاصة اللذيذة ومن ثم النجاح والمكافآت والهدايا. مغريات كثيرة تسقط بالضربة القاضية مع أول عويل موجع تصدره حنجرة طفل من رفاق المدرسة يشاهدونه بعيونهم المذعورة مثل عصفور مكبل ضعيف لا حول له ولا قوة يتعرض لضرب من أستاذ أو معلمة ،فكيف بحال الطفل الذي يتعرض بنفسه لهذا العنف،سواء كان عنفا جسديا مباشرا، أو قصاصا معنويا ونفسيا قد يصل أحيانا إلى حد تحطيم كل تفاؤل داخل نفسه، يدفعه ليس إلى كراهية الأستاذ والمدرسة والتعليم فحسب،بل إلى كراهية النفس والأهل والمجتمع، الأمر الذي يودي إلى سلسلة لا منتهية من العواقب المستقبلية أولها وأقلها الفشل. إن أكبر خطر ينتج عن تعرض التلاميذ للعنف يكمن في أن الكثير من هؤلاء الصغار يخفون أمر تعرضهم لهذا العنف في المدرسة إما خوفا من المعلمة نفسها أو خوفا من أهلهم الذين لا يصدقونهم أو لا يهتمون للأمر في بعض الأحيان، أو خوفا من أي تصور مرعب ترسمه مخيلة الطفل الصغير. خوف قد يتنامى داخل الطفل ويترجم لاحقا في كوابيس ليلية أو تبول لاإرادي أو تدهور في الشهية، وقد يتحول إلى ما هو أخطر، أي أن الخوف الذي يعيشه جراء تعرضه أو متابعته لهذا العنف قد يصير مقبولا بالنسبة إليه وكأنه أمر بدهي في الحياة يقبله كمسلّمة لا جدال ولا اعتراض عليها،ليكبر هدا الطفل وقد تحول إلى إنسان مستسلم يقبل رويدا رويدا بكافة أشكال العنف الذي يمارس ضده، ابتداء من رضوخه لجبروت جار متسلط،أو القبول بشراسة سائق التاكسي دون جدال، أو طأطأة الرأس أمام غضب لا مبرر لمدير ما في العمل، وغيرها وغيرها.. بالنتيجة هو إنسان مهزوم سيعيش مهزوما ويموت مهزوما ينجب بدوره جيلا جديدا مهزوما ويمارس حياة كلها هزائم بهزائم. كيف السبيل إلى إنقاذ أطفالنا من هذه الهزائم؟.. سؤال يبقى معلقا بعهدة التربويين القائمين على تربية الأجيال الذين يمكن أن يذكرهم التاريخ بكل فخر واعتزاز مثل المديرة (خير النساء الحسيني) قبل أن تتنامى فئة الأساتذة أو المعلمات الذين يهوون كسر اعتزاز الطفل وتشويه رونقه وإجباره على لحس الأرض بلسانه وربما لحس أشياء أخرى مستقبلية. كوليت بهنا – (ُقم للمعلم..) مجلة جهينة (11/2006)
|