|
إدوارد سعيد ومقهى الجماهير...علي بدر واختراع التاريخ |
|
|
|
فرح داغر
|
|
2006-11-21 |
بعد روايته الأولى “بابا سارتر” (2001) التي حازت عدداً من الجوائز، وصولاً الى “الوليمة العارية” (2005)، صدرت رواية العراقي علي بدر “مصابيح أورشليم” (عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”) لتغطي حقبة كبيرة من تاريخ فلسطين والعالم العربي والعالم. بطل الرواية هو المفكر الراحل إدوارد سعيد، فيما الرواية مواجهة مع السائد عن مدينة القدس. الروائي هنا يرى المدينة موطناً لكل المنفيين...ويعيد سردها وفقا لروايات المنفيين المختلفين والقادمين إليها، رؤية إشكالية معبرة عن واقع يتجدد وواقع ينهار، وبين هذين الواقعين تبرز المدينة لترمم نفسها وتعيد لروحها بعض ألقها...هكذا يقول السارد. هذه أول رواية عربية يكتبها كاتب عربي عن مدينة القدس أمام أكثر من مئة رواية إسرائيلية. من هنا نعرف أهمية هذه الرواية التي جاءت في الذكرى الثالثة لوفاة المفكر الراحل إدوارد سعيد. تنفتح رواية مصابيح أورشليم بمشهد في مقهى الجماهير، المقهى التي يجلس فيه الجيل الأخير من المثقفين العراقيين، وهم المتعلقون بالنزعات المتطرفة في الفن، والمولعين بآخر الصرعات الأدبية والثقافية والفنية...ويختلف هذا الجيل عن الأجيال التي سبقته بهذه الاهتمامات بطبيعة الأمر، ويغطي هذا الجزء المعنون بـ"تقرير أولي"، وهو مكتوب بطريقة التقرير، أثر إدوارد سعيد في النخبة العراقية في تسعينيات القرن المنصرم، بعدما انقسمت على خلفية السجال الذي وقع بين إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني والأكاديمي في جامعة كولومبيا، وكنعان مكية المفكر العراقي والأكاديمي في جامعة براندايز، وهو المؤيد للحرب الأميركية على العراق. النقاش والسجال في أميركا، ويحدث في الصحف الأميركية، غير أن النخبة المثقفة العراقية تنقسم في بغداد إلى فريقين، الأول يؤيد سعيد والآخر مكية. هكذا، تصوّر “مصابيح أورشليم” الحياة الثقافية والاجتماعية في بغداد، نقاشات حادة تحدث بين النخب المثقفة الشابة على خلفية صور الجيش والآلات الحربية والجنود المارينز التي تنقلها شاشات التلفزة والصحف. تدور النقاشات في مقهى الجماهير في بغداد، وهنالك شخصيتان: الأولى تتجسد بعلاء خليل المؤيد لمكية والمعجب بالثقافة الغربية، فقد خاض علاء خليل الحرب جنديا في جبهات القتال، في حربي إيران والكويت، فأخذ يشعر بضرورة الخلاص مما يحدث في المنطقة من استبداد وتعصب، ويعتقد أن المجتمعات العربية والإسلامية هي مكان للعنف والاستبداد والهذيان، والغرب هو الرسول الإنساني الجديد الذي جاء كي ينقذ هذه المنطقة من الدكتاتوريات والخراب الاقتصادي والفساد، وتصور الرواية شخصية علاء خليل كيف يعيش في بلاده مغتربا ومنفيا، فهو يحب الغرب وينتمي إليه أكثر مما ينتمي لمنطقة الشرق الأوسط، وهو يريد أن يكتب رواية بلغة أجنبية ويتزوج من امرأة غربية، كما أنه معجب بأفكار كنعان مكية. وهو يشعر بالغربة في وطنه. أما الشخصية الثانية التي تصورها الرواية فهو أيمن المقدسي، وهو فلسطيني ولد في العراق، ويعيش في بغداد لكنه لم يذهب للحرب، بل حصل على بعثة ليدرس في جامعة كولومبيا الأميركية بإشراف إدوارد سعيد، مع ذلك فهو منفي تائه، بعدما طرده اليهودي من أرضه. يجد أيمن علاجاً لآلام اغترابه من خلال الكتابة عن مدينة القدس. هكذا تصبح الكلمات عالماً، وينسى أيمن المكان المعادي الذي يحيا فيه، ليعيش في مكان آخر غير موجود إلا على الورقة البيضاء. يكتب رواية لا يكملها عن إدوارد سعيد: “اسرائيل نشأت من أسطورة أدبية. بالتالي يجب تكذيبها من طريق الرواية. إدوارد سعيد كان أخطر حرب على اسرائيل”. أراد الكاتب من ذلك نقض أسس الملكية التي قامت عليها الروايات الإسرائيلية عن القدس. وشيّد الرواية على فكرة إدوارد سعيد الجوهرية عن الكولونيالية. عندما يزور سعيد القدس، يرافقه يائيل وإيستر المؤمنان بدولة اسرائيل، وهما من أبطال روايات إسرائيلية، ويقودانه في المدينة التي غيّرت الكولونيالية معلمها. من خلال رؤية إدوارد سعيد، نصل إلى سردية فلسطينية عن القدس غير السردية الكولونيالية، سردية تناقض السردية الأولى وتفكّكها. نصل إلى تكذيب الرواية الرسمية الإسرائيلية، ليبدأ سردٌ آخر مختلف: سرد اللاجئين والمطرودين والمنفيين. هكذا، يجد القارئ نفسه ينتقل من مرحلة تاريخية الى أخرى في السياق السردي للقدس تحت الفتح العربي، ثم الصليبي، ثم العثماني، ثم البريطاني، ثم اليهودي. تصور هذه الرواية التاريخ على أنه سرد متقطع، مختل وغير متسق. أخذ إدوارد سعيد هذه الفكرة عن التاريخ، من الفيلسوف هايدن وايت الذي رأى أن التاريخ اختراع يُسرد، ليتوافق مع مصالح جماعات محددة. ينتهي هذا الجزء الجزء من الرواية: سار إدوارد بغموض تام...تحت قدميه أرض رطبة....أطال التحديق عبر الظلمة المبهمة في شجيرة مزهرة، نظر إلى امرأة تظهر من مكان مجهول، إلى نحلة تبعث طنيناً خفيضاً ثم تتنقل من مكان إلى مكان، إلى تويج طري في الظل وهالة شفافة من الضوء، نظر إلى الهضاب العالية، إلى وديان القدس البعيدة، نظر الصخور التي لفحتها الشمس، إلى الأحجار الضخمة والأحراج، تحسس الحافة الصغيرة عبر الطريق اللولبي...ثم انطلق في خان الزيت، وهو يحمل بشارة أخرى...يحمل نوره الأبيض في الشرايين، وهو يهتف للبائعات المحنيات على قصاع الخضرة المرشوشة: سلالكن مليئات هذا اليوم بالزيت والجبنة. هل تردن مني برتقالاً أصفر...زيتوناً قديماً...تفاحاً أحمر...أنا الميت سآتي وأعطي كل لاجئة ياسمينة، وأعطي المرأة التي طردوها من منزلها قطة، وسأقول للعميان في الساحة ما أجملها القدس هذه الليلة... أما الجزء الثالث من الرواية بعنوان “تخطيطات وأفكار ويوميات إنسكلوبيدية للكتابة”، يتضمن وثائق بغاية الأهمية عن المسلمين والمسيحيين واليهود، تركها لنا أيمن مقدسي بعد اختفائه المفاجئ في بغداد عقب الاحتـلال إلا أنها تنطوي على معلومات ووثائق مهمة لا نعرف من أين حصل عليها الكاتب، وربما ستثير عند الباحثين شهوة البحث، أما النقاد سيحتارون، هل هذه الوثائق اخترعها علي بدر مثلما فعل في كل رواياته، أم هي وثائق حقيقة؟ هذا السؤال متروك للزمن وللجدال الذي سينشء بسبب هذه الرواية. فرح داغر- (إدوارد سعيد ومقهى الجماهير...علي بدر واختراع التاريخ) جريدة الأخبار اللبنانية (10/11/2006)
|