|
"تاريخ النساء في الغرب" ل68 باحثاً: انقلاب في العلاقات والأدوار |
|
|
|
صلاح دهني
|
|
2006-11-21 |
موضوع المرأة، وحياتها وتاريخها وموقعها في المجتمع يظل موضوعا مطروحا في كل مكان من العالم.. وحتى في الغرب. ولعلنا في شرقنا العربي الهاجع نتصور أن قضايا المرأة في الغرب حلت منذ زمن بعد أن حصلت، شرعا وقانونا، على حقوقها كاملة، أو ما نظن أنها حقوقها كلها.. حصلت عليها بعد كفاح طويل وصراع مرير استمر أكثر من قرن. وأنا لست خبيرا في شؤون المرأة تلك. لكن كتابا، أو لأقل مجلدا، من ألف صفحة وقع تحت يدي خلال الأسابيع التي أقضيها حاليا في فرنسا، أثار اهتمامي، بداية لتصفحه، ثم شوقي لقراءته، فقضيت معه الأيام والليالي، غارقا بحق في بحر من الشؤون والشجون والقضايا والدراسات والتحليلات التي ما لي فيها باع ولا ذراع والتي لا تكاد تخطر في البال، بالنا في شرقنا. لكن كفاتحة للحديث عن هذا الكتاب، أورد شذرات مما سمعته في برنامج لإحدى محطات الإذاعة الفرنسية عن موضوع الكتب والإصدارات الجديدة. استضافت مقدمة البرنامج كاتبا مغربيا يكتب بالفرنسية لا أذكر اسمه، أصدر مؤخرا كتابا في موضوع المرأة الشرقية لا يحضرني عنوانه، لكنه صدر عن إحدى دور النشر الكبرى في باريس، دار "سوي". نقطتان فقط أتوقف عندهما. أولاهما، تتلخص كما يلي: فالمذيعة خفيفة الظل حقا رأت أن تثير مع الكاتب المغربي المسلم موضوعا يظل يستثير هوى وتطلع الرجل والمرأة، المستمع والمستمعة، في الغرب. فسألت الكاتب عن تعدد الزوجات عند المسلمين وعن موضوع "الحريم" الأكثر إثارة. فكانت إجابته مثيرة بمقدار ما هي غير متوقعة. فقال: فليكن أن هذا شائع عند المسلم بزوجات أربع، أو عند بعض ذوي السلطان بالحريم. ألا تتصورين معي، ما يكون شأن الفحل بين كل تلك الدجاجات؟ فهو القلة، وهن الكثرة. تصوري ذلك. أنا على ثقة بأن الكلمة العليا ستكون لهن في كل ما ستكون له علاقة بالجنس وبالتواصل الجنسي على أقل تقدير، وتاليا، لا يعلم إلا الله!! وسألته المذيعة الهمامة عن موضوع العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة في شهر رمضان. كانت إجابته لا تقل إثارة للمذيعة ولمستمعيها ومستمعاتها، قال: وهل تظنين أن الحياة تتوقف في رمضان؟ الإنسان هو الإنسان. يتوقف المسلم المؤمن عن تعاطي الشراب والطعام والتدخين على مدى النهار كله. يحرم نفسه من كل متع الحياة ساعات طويلة وشاقة حتما. فما تكون حاله بعد كل ذاك الحرمان؟! تأكدي أن الزوج والزوجة سيعبّان من متع الإفطار وما يلي متع الإفطار مما أباح لهما الله فعله، لا بما جريا عليه فحسب في الشهور الأخرى خارج رمضان، بل بأكثر منه، بل وبأشد تلاقيا وتعاطفا وحميمية!! مصادفة هذا الحديث الإذاعي بين مذيعة فرنسية وكاتب مغربي جاءت في حميا استغراقي في قراءة هذا المجلد العتيد عن المرأة وقضاياها. عنوان المجلد ذي الألف صفحة "تاريخ النساء في الغرب" وما راعني سوى أن يكون المجلد الخامس وقد خصص لبحث "تاريخ النساء في الغرب" في القرن العشرين. ألف صفحة لملاحقة هذا التاريخ، وقبلها آلاف الصفحات في أربعة أجزاء سابقة تبدأ بدراسة عن تاريخ النساء في الغرب في العصر القديم، ففي القرون الوسطى، انتقالاً الى العصر الحديث، مع جزء بتمامه عن القرن التاسع عشر، وصولا الى هذا الجزء الأخير: في القرين العشرين. يقول الكتاب إن ما ورد في هذه المجلدات من معلومات ودراسات لا يعني أبدا أنه يمثل تاريخ النساء في كل أنحاء العالم. فلكل مجتمع ولكل حضارة ولكل منقح تاريخه. ولكن فيما يخص هذا الجزء من التاريخ الذي نحن بصدده فقد انفتح بالضرورة على علوم اجتماعية عدة من مثل: "السوسيولوجيا، العلوم السياسية، الفلسفة". ويظل الكتاب يصدر عن فكرة أساسية هي أن للنساء تاريخا من الضرورة بمكان، وبحق مشروع، أن يكتب. ذاك أن تطور التصور العام عن النساء، والفكرة القائلة بافتراق الجنسين، يفرضان علينا ألا ننسى جملة من الحقائق ومن الممارسات يتوجب إيضاحها، كالعلاقات بين الجنسين في كل مستوياتها: المعارف، السلطات، الممارسات اليومية، هذه الأمور التي لا غنى عن بحثها لدى كتابة تاريخ حقيقي للمرأة. وما دفع الى ذلك سوى تنبه المؤرخين والجمهور إليه، وبروز ما يمكن اعتباره مطالبة اجتماعية للتوقف وللتأمل حول علاقات الجنسين، إضافة الى فكرة استمتاع نساء كثيرات بأنهن يكتشفن أنفسهن جديرات بأن يمثلن موضوعا يبحثها علم التاريخ. لهذا كله كان لا معدى عن عمل ودأب للمقارنة بين مواقف الجنسين ومكانة كل منهما أمام الآخر، عمل ودأب يثريان معلوماتنا عن وسائل كل أمة لكتابة تاريخ النساء وعن أحوال العلاقات الجنسية في هذه الأمة أو تلك. أما الغرض الذي يرجو الكتاب بلوغه فهو محاولة كسب الرهان في كتابة تاريخ مقارن لا يكون بمعزل عن الممارسات والنقاشات الدائرة في أنحاء أخرى من العالم، وليس في الغرب فحسب.. وذلك بسبب أن تاريخ النساء بات يتغذى بالمبادلات المتزايدة بعد أن أصبح قضية عالمية. التعذيب والاغتصاب يتطرق الكتاب كما يقتضي موضوعه الأساسي الى ما حدث في قضية المرأة من تطورات نتيجة الحرب العالمية الأولى في بداية القرن الفائت، ثم الحرب العالمية الثانية في منتصفه وما نجم عن الحربين من مقتل عشرات ملايين الرجال، الأمر الذي دفع بالمرأة الى النزول الى ميدان العمل، في كل مجالات العمل من اليدوية وحتى المكتبية، بما جعلها مستقلة ماديا، وبما أكسبها بنحو ما، مزيدا من الثقة بمكانتها في البيت وفي المجتمع. ومع شيوع نظرة أكثر تفهما لموضوع المرأة بانتصار الثورة الروسية ازدادت مواقع المرأة ترسخا. لكن رغم تضمين الدساتير الجديدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مواد تؤكد تأكيدا قاطعا على المساواة بين الجنسين في الدول الاشتراكية السابقة بخاصة، فقد نجم عن الانتقال السريع من الاشتراكية الحكومية الى اقتصاد السوق ضرب من الأسى الاجتماعي والمعنوي، في أعقاب بروز فكرة القومية وتطور المافيوية السلطوية، بما عمّق في نهاية الأمر الفروقات الاجتماعية والعلائق الجنسية، فأدى الى مزيد من تدهور أحوال معظم النساء. وبقيت أسطورتا المساواة بين الجنسين ومجتمع بلا طبقات، حية قائمة. نتيجة لذلك أخذت تتشكل حركات مقاومة نسائية عن طريق الكتابة والتأليف والنشر، ووسائل الإعلام كافة للدفاع عن حقوق المرأة. وازداد عدد الجمعيات النسائية التي تضم عناصر متخصصة من النساء للوقوف في وجه تدهور أحوالهن، وكذلك للمطالبة على سبيل المثال بنظام جماعي لحراسة الأطفال والعناية بهم في غياب أمهاتهم.. وذهب تطور الأمور الى موضوع الحق في الإجهاض، والى ضرورة معالجة نقص وغلاء وسائل منع الحمل (الحبوب والواقيات البلاستيكية)، وتطوير أنظمة الحق في عطلة الأمومة. ويذكر هنا أن الالتزامات الواقعة على فئات واسعة من النساء قاد كثيرات منهن الى ما دعي بحق "إضراب البطون" بأمل الحصول على عمل أو حتى الى تعاطي علاج يؤدي الى العقم التام. يأتي كتاب "تاريخ النساء في الغرب" إلى التبسط في الحديث عن أحوال المرأة المسلمة في بلد غربي كيوغسلافيا بعد تفكك جمهوريتها الاشتراكية الفدرالية، وانفصال البوسنة وكوسوفو، من دون إهمال ما وقع أيضا من أذى على سلوفينيا وكرواتيا بين البلدان الأخرى التي قررت الانفصال عن يوغسلافيا السابقة. فالصرب الأصليون في ذاك البلد بقيادة رئيسهم ميلوزوفيتش عمدوا، تحت تأثير كرامة القومية الصربية الى اعتماد سياسة "النصفية العرقية". وكان من أثر هذه السياسة التي أدت الى مذابح وجرائم رهيبة ضد الإنسانية حسب وصف منظمة الأمم المتحدة لها، أن تم ترحيل ملايين الأشخاص عن ديارهم واعتقال وقتل مئات الألوف. وكان أن قام الجيش اليوغسلافي والميليشيات المتآزرة معه بممارسة أعمال الاغتصاب المنظم لنساء "العدو" (خصوصا منهن المسلمات من أهل البوسنة وكوسوفو) فتم اغتصاب ما قدّر عددهم بعشرات الألوف حسب الإحصاءات الرسمية الدولية. وقد تم التعتيم على تلك الجرائم فترة طويلة، غير أن الكشف عنها فيما بعد أدى الى احتجاجات واسعة في فرنسا وألمانيا وإنكلترا والولايات المتحدة الأميركية (التي يُعترف لها بأنها هي التي قامت بكبح جماح مليوسوفيتش وجيشه)، وتواصلت، خصوصا في فرنسا مع رجال ونساء من الفئات المثقفة اليسارية، والحركات والنقابات الموالية لقضايا المرأة. فسعى الكل للاحتجاج والعمل على المستوى الإنساني والسياسي. حتى ان وزيرات ألمانيات قمن بالإعلان عن اكتتاب شعبي لفتح ملاجئ تستقبل وتعتني بالنساء المغتصبات اللواتي هدمهن خزيهن بما جرى لهن، أو اللواتي لفظتهن أسرهن. الأمر الغريب ان الدعاية الرسمية اليوغسلافية شرعنت ما جرى وكان يجري، وحرضت على كراهية الآخر، وعلى التصفية العرقية لمجرد توكيد الذات بتدمير هوية الآخر باستخدام القسوة، ونبش قبور الموتى والاجهاز على النصب التذكارية وهدم بيوت العبادة وترذيل النساء. والأصل في هذا كله لدى أولئك الزبائية الجلادين هو في تصورهم ان الرجال هم الذين ينقلون الدم والهوية القومية: فقتلهم يؤدي الى وقف الانتقال واغتصاب النساء واجبارهن على الحمل، يعني دمار مستقبل الجماعة، والهيمنة "عرقيا" عن طريق أرحام النساء. يبدو في الحقيقة ان التعذيب والاغتصاب يمارسان أكثر فأكثر في العالم، في جميع النزاعات المعاصرة، مثلما هي الحال في اعمال التنكيل "المبرمجة". وقد استنكرت عدة حلقات دولية نسائية هذه الأمور التي باتت تقع على الأهالي المدنيين، واعتبرتها جرائم ضد الإنسانية، واعترفت بذلك محكمة العدل الدولية (قيد التشكيل)، وسبقتها الى ذلك محكمة الجزاء الدولية السابقة لها، حيث عكست المدعية العامة المكتوبة باقناع المحكمة بتجريم ميلوسوفيتش. وهنا لا بد من الإشارة الى ان تأنيث القضاء بات حقيقة عالمية، وان تساوي الحصص في صفوف القضاء بات أمرا ملموسا ويكاد يصبح واقعا ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين، علما بأن هذه المهنة لم تنفتح أمام النساء الا عام 1946 وكانت أعدادهن قليلة حتى عام ,1970 بسبب ممانعة زملائهن الذين ظلوا أمدا طويلا ينادون بعدم أهلية النساء، ويجهرون بخطورة اكتساحهن الساحة. الصحوة قوبلت الحركات النسائية في بعض دول الغرب منذ سبعينيات القرن قرع نواقيس الخطر حول موضوع الاشكال المختلفة للعنف ضد النساء. واتصل بهذا موضوع آخر يتعلق بالعنف ضد الاطفال، وخصوصا الاعتداءات الجنسية على القاصرين والقاصرات. فتشكلت هيئات عديدة في كندا وفرنسا وفي النروج وفي عشرة بلدان أوروبية أخرى لحشد الجهود ضد العنف الزوجي والاغتصاب. وقدر في الغرب ان واحدة من كل ست نساء كانت ضحية الاغتصاب في حياتها، وفي الولايات المتحدة تموت عشر نساء يوميا. من العنف البيتي، ومئة امرأة في فرنسا سنويا، كما أثبت تحقيق حكومي شاركت فيه منظمات نسائية ان واحدة من كل عشر زوجات مرت في حياتها الزوجية بحالات من العنف المتتالي. وإذا كان القانون الأميركي حرّم الاغتصاب الزوجي منذ عام ,1993 فقد استمرت المطالبة بمساعدة الضحايا، ودعم الجماعات، وتدريب رجال الشرطة والقضاة، وخلق حالة ثقافية تربوية مضادة للعنف، غير ان الشواهد اليومية والدراسات ما تنفك تشير الى وقوع حالات لا نهاية لها من المضايقات الجنسية في العمل، واستخدام الالفاظ الجنسية، وشراء الخدمات الجنسية. ولعل من أشهر الأمثلة قضية الرئيس الأميركي السابق كلينتون. ثمة اشارات على ادراك عام لخطورة هذه الحالات، مع توجه اجتماعي لفضح ووقف انواع العنف. لكنه حتى هذا الحد من الادراك ولوعي المشكلة وجد من يهاجم المنظمات النسائية المكافحة من أجل قضية المرأة، خصوصا في سنوات حكم ريغان وبوش الأب، كما تؤكد الصحفية الأميركية "سوزان فالودي" في كتاب نشرته فضحت فيه ما سمته Backlash بمعنى "رد الفعل" او "رجعية". انها الصحوة للنساء بعد ان ظللن على مدى أمد طويل قابعات تحت ظل التاريخ. شاركت في هذه الصحوة امور عدة منها التأكيد على دور العائلة، وتطور فكر الاهتمام بالأمور اليومية وبالفرد الإنساني. تلك كلها أسهمت في اخراج النساء الى ساحة الاهتمام. وسارعت في ذلك حركة النساء أنفسهن والتساؤلات التي طرحتها: "من أين جئنا؟ والى أين نذهب؟"، بخاصة من أجل فهم جذور السيطرة عليهن، وعلاقات الجنسين عبر المكان والزمان. ثم ما هو موقعهن، وشرطهن وأدوارهن وكلامهن. فهل واحدتهن: "ربة، سيدة، ساحرة... تساؤلات تتوجه الى المجتمع برمته، تمثل في الوقت ذاته، تاريخ الرجال كما تاريخ النساء. وانها لحكاية طويلة: من قديم الأزمنة الى يوم الناس هذا، ترويها الاجزاء الخمسة من كتاب "تاريخ النساء في الغرب". ويعي مؤلفو ومؤلفات الكتاب ان البحر الأبيض المتوسط من جهة والأطلسي من جهة أخرى يجاوران شواطئ بلدان الغرب. ويحلمون بتاريخ يكتب عن النساء في العالم الشرقي او في القارة الافريقية. وتلك مهمة متروكة للنساء والرجال في تلك البلدان بكتابة ذاك التاريخ ذات يوم. كتاب من ألف صفحة لن تحيط به مقالة عابرة. انما هي ملامح فحسب تعطى عما يحتويه من بالغ الأهمية لعل بعض المهتمين وخصوصا المهتمات بالحركات النسائية وبتطوير دور المرأة، ان يمنحوه مزيدا من الدراسة، ويستفيدوا من منهجيته. على انني لن اختم دون ان اشير الى الدور الذي لعبته أدوات الثقافة الجماهيرية في مناسبات عديدة، وبطرق متنوعة، في الترابط الفكري القائم حسب رأيهم بين هذه الثقافة وما هو "نسوي"، كما يتبين من تقليب صفحات تاريخ الحضارة الغربية. إذ اشار بعض الباحثين الى ان نسونة المجتمعات وقد بلغت مبلغا محددا من الازدهار إنما بني بالدرجة الأولى على ضرب من انقلاب القيم: فانعتاق المرأة ومنحها حق الوصول الى المهن الرجالية ان في الحياة المهنية او السياسية. كما ان النساء أخذن على عاتقهن كذلك، أكثر فأكثر، المباراة في الميادين الخاصة.. وفي المقابل بات الرجل أكثر ميلا نحو العاطفية، واللطافة، والضعف. يشار بنحو خاص الى كثافة التواجد للوجه النسائي في الدعايات، وعلى أغلفة المجلات، والاعلانات، جعلت المرأة تبرز كموضوع يحمل طاقة كامنة، وكمجرد غرض يحق له ان يلعب دورا ما، فانقضاء قرن ونصف على انعتاق المرأة اجتماعيا وسياسيا، دفع بالنساء الى استخدام قيم تاريخية محددة: قوة وعدوانية، كانت من حظ الرجال، ونعومة وحنان كانت ولا تزال حكرا على النساء.
صلاح دهني - ("تاريخ النساء في الغرب" ل68 باحثاً: انقلاب في العلاقات والأدوار ) جريدة السفير (11/11/2006)
|