|
د. محمد شحرور
|
|
2006-03-14 |
|
صفحة 1 من 2
إن موضوع التعددية الزوجية يعتبر من أهم المواضيع ذات النقد والسؤال المباشر بين المسلمين المؤمنين، وبين بقية ثقافات وحضارات الأرض. فما هي مشكلة التعددية الزوجية؟ وكيف طرحها التنزيل الحكيم؟ وكيف مورست خلال القرون التاريخية الماضية؟ الحقيقة التاريخية هي أن التعددية الزوجية كانت شائعة، وهي الأساس في العلاقات الجنسية والاجتماعية، ابتداء من الشعوب البدائية، حيث أنها ظاهرة انتقلت من الحالة البهيمية إلى الإنسان. وقد بدأت الأنسنة الجنسية بظهور محارم النكاح، حيث عند البهائم لايوجد محارم نكاح، فقد بدأت محارم النكاح بالأم ثم مع مرور الزمن أضيفت البنت ثم الأخت، حتى بلغت (14) محرمة في التنزيل الحكيم. وكلما كبر عدد محارم النكاح زاد الإنسان بعداً عن المملكة الحيوانية. وقد بدأ المجتمع الإنساني أول ما بدأ بحرمة نكاح الأم، فكان هناك مجتمع الأمومة، أي أن الأولاد يعرفون أمهاتهم ولا ينكحوهن بعد النضج الجنسي، أي أن الأم هي المعروفة في العائلة، وهي رأس هذه العائلة بغض النظر عن عدد الرجال الذين ينكحونها. وقد بقيت آثار هذه الظاهرة التي تجذرت من مجتمع الأمومة في المجتمع العربي إبان البعثة النبوية بظاهرة نكاح السفاح، حيث تعاشر المرأة أكثر من رجل وتحمل وتضع وليدها، وهي تحدد الأب. هذه بقايا قديمة جداً لمجتمع غارق في القدم. وألغيت تماماً بالبعثة النبوية. وبعد زيادة عدد محارم النكاح، وظهور مفهوم الزنا، انقلبت الآية وأصبح الأولاد ينسبون إلى أبيهم لتبيان إلغاء كامل لمجتمع الأمومة. فالبهائم تنسب إلى أمهاتها، والإنسان ينسب إلى أبيه. وفاقد الأم من البهائم هو اليتيم، وفاقد الأب في الإنسان هو اليتيم. هذه الظاهرة هي ارتقاء إنساني، وبُعد عن المملكة الحيوانية، حتى أنه في ثقافات أخرى تنسب الزوجة إلى زوجها والأولاد إلى أبيهم. أما في ثقافتنا فالأولاد ينسبون إلى أبيهم، والزوجة لاتنسب إلى زوجها، وهذه من تأثيرات مجتمع الأمومة. ومن الانتقال إلى مجتمع الأبوة الذكوري ، ظهرت التعددية الزوجية عند الذكور، وأصبحت الأسرة ذكورية، وهذه الظاهرة عامة خلال التطور التاريخي الإنساني بعد مرحلة مجتمع الأمومة. وتشاهد هذه الظاهرة بشكل جلي في المجتمع العربي عند البعثة النبوية وقبلها وبعدها. فعدد زوجات العشرة المبشرين بالجنة خلال حياتهم هو تسعون زوجة أي بمعدل تسع زوجات للواحد، هذا عدا ملك اليمين والذي هو مفتوح العدد، ولم نعرف إلا إنساناً واحداً لم يتزوج إلا امرأة واحدة وهو أبو عبد الله عامر بن الجراح. وقد أكد التنزيل الحكيم أن عدد الزوجات المفتوح هو سنة تاريخية قديمة في قوله تعالى ( ما جعل الله للنبي من حرج فيما فرض له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدورا) الأحزاب. أي سنة الله في الذين خلوا من قبل كان العدد مفتوحاً، وقد عومل النبي على هذا الأساس، وفي هذا هو ليس أسوة لنا، لأن هذه من مقام النبوة ( ماجعل الله للنبي ) أما الأسوة فهي من مقام الرسالة ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . وكانت التعددية الزوجية أمراً طبيعياً جداً ومقبولة اجتماعياً في عهد الصحابة، أما حين اكتفي بأربعة فيعتبر هذا تقدماً تا ريخياً ، ولا ننسى أن عدد ملك اليمين (الجواري) كان مفتوحاً بالإضافة إلى الزوجات . أي أن الإنسانية مع تطورها التاريخي، تتجه من التعددية الزوجية إلى الواحدية الزوجية، ومن هنا نفهم أن الآية (3) من سورة النساء، وهي آية التعددية الزوجية لم تطبق حتى يومنا هذا لأنه لم يأتِ الوقت لتطبيقها. وتطبق هذه الآية عندما تصبح التعددية الزوجية مرفوضة اجتماعياً ويصبح إلغاؤها مطلباً اجتماعياً . هذه الحالة هي وفاة الزوج وتصبح المرأة أرملة. إذا طبقنا هذه الحالة على الرجل، وقلنا أن الرجل ماتت عنه زوجته، فيمكن أن يتزوج وهذه ليست تعددية. إن الأرملة إذا أرادت أن تتزوج رجلاً متزوجاً فهنا تصبح التعددية، وهذه الحالة تنطبق عليها ، لا على الرجل. وقد يكون لهذه المرأة أولاد قاصرون، في هذه الحالة يسمون يتامى. وهنا نأتي وندخل لنشرخ التعددية الزوجية كما وردت في التنزيل الحكيم . فمشكلة تعدد الزوجات – أو إن شئت قل إلغاء التعددية الزوجية هي من المواضيع البارزة الهامة التي أولاها الله تعالى عناية خاصة، فوضعها في أول سورة النساء من كتابه الكريم. وجاء ذكر التعددية الزوجية في الآية الثالثة من السورة، وهو الموضع الوحيد في التنزيل الذي ورد فيه ذكر المسألة. لكن المفسرين والفقهاء، كعادتهم في أغلب الأحيان، أغفلوا السياق العام الذي وردت فيه، وأغفلوا ربط مسألة تعدد الزوجات بالأرامل ذوات الأيتام. لقد استهل تعالى سورة النساء بدعوة الناس إلى تقوى ربهم التي ختم بها سورة آل عمران السابقة، وبدعوتهم إلى صلة الأرحام التي انطلق فيها من رؤية واسعة إنسانية، وليس من رؤية أسرية أو قبلية ضيقة، إشارة إلى أن أصل خلق الناس كان من نفس واحدة ، فيقول: - { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} النساء 1. ثم ينتقل سبحانه إلى الحديث عن اليتامى، ليأمر الناس بإيتائهم أموالهم وعدم أكلها، فيقول: - { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } النساء 2. ثم يتابع الحديث عن اليتامى، آمراً الناس بنكاح ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع، في حالة واحدة حصراً هي الخوف من ألا يقسطوا في اليتامى فيقول: - { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } النساء 3. ثم يمضي سبحانه في الآية الرابعة إلى الحديث عن صَدُقات النساء ومهورهن، وفي الآية الخامسة إلى نهي الناس عن إيتاء السفهاء أموالهم، ليعود مرة أخرى إلى اليتامى، فيقول: - { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } النساء 6. ولابد للمتأمل المنصف الذي يريد أن يبحث مسألة التعددية الزوجية في التنزيل الحكيم من أن ينظر في هذه الآيات، وأن يقف مدققاً أمام العلاقة السببية التي أوضحها سبحانه بين موضوع تعدد الزوجات واليتامى ذكوراً وإناثاً، ضمن هذا الإطار من السياق والسباق. اليتيم في اللسان العربي وفي التنزيل هو القاصر (ذكراً أو أنثى) دون سن البلوغ الذي فقد أباه، ومازالت أمه حية، فأما أن اليتيم هو القاصر، فقد ورد في قوله تعالى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } النساء6. وأما أن اليتيم هو فاقد الأب فقد جاء صريحاً في قوله تعالى: { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً } الكهف 82. وجاء تلميحاً في قوله تعالى {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} وفي قوله {وآتوا اليتامى أموالهم} لأن الأب في حال وجوده هو ولي أمر ابنه اللطيم حكماً، فلا يبقى هناك مبرر يدعو الله لأن يأمر الناس بالإقساط إليه. كل هذا يؤكد أن مدار الآيات يدور حول اليتامى فاقدي الأب. وما زالت أمهم حية أرملة. فإن قال قائل فما بال فاقد الأبوين أو اللطيم فاقد أمه؟ قلنا بموت الأب والأم تسقط التعددية، وبموت الأم وبقاء الأب تسقط التعددية أيضاً، حتى لو تزوج زوجة أخرى ، ولا تدخل الزوجة الثانية في معنى التعددية الذي أشارت إليه الآية. نحن هنا أمام أيتام فقدوا آباءهم، يريدنا تعالى ويأمرنا أن نبرَّهم ونقسط فيهم ونرعاهم وننمي لهم أموالهم وندفعها إليهم بعد أن يبلغوا أشدهم. فكيف يتحقق ذلك؟ وهل نأخذ الأيتام القاصرين من أمهاتهم إلى بيوتنا، ونربيهم بعيداً عنها؟ هل نتردد عليهم في بيوتهم ونؤمن لهم حاجياتهم؟ يبدو الأمر وكأنه ممكن. ولكن يبقى احتمال ألا نتمكن من تنفيذ أمر الله كاملاً. في هذه الحال، حالة الخوف من عدم النجاح بالإقساط إلى اليتامى على الوجه المطلوب {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}، جاءت الآية بالحل أي بالزواج من أمهاتهم الأرامل {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} والخطاب هنا موجه إلى المتزوجين من واحدة وعندهم أولاد، إذ لا محل في التعددية لعازب يتزوج أرملة واحدة عندها أولاد أيتام، بدلالة أن الآية بدأت بالاثنتين وانتهت بالأربع {مثنى وثلاث ورباع}. إن الله تعالى لا يسمح فقط بالتعددية سماحاً، بل يأمر بها في الآية أمراً، لكنه يشترط لذلك شرطين: الأول أن تكون الزوجة الثانية والثالثة والرابعة أرملة ذات أولاد، والثاني أن يتحقق الخوف من عدم الإقساط إلى اليتامى، وطبيعي أن يلغى الأمر بالتعددية في حال عدم تحقق الشرطين. أما من أين جاءت هذه الشرطية التي نذهب إليها ونقول بها، فإنها من البنية القواعدية التي صاغ تعالى قوله فيها {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}.
|