|
أضواء على القانون رقم 31 لعام 2006المتعلق بالأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في سورية |
|
|
|
المحامية ركنية الشحادة
|
|
2006-11-09 |
أولاً- لمحة عن تاريخ المحاكم الروحية: اختلف فقهاء القانون في أسباب وتسمية حقوق الطوائف المسيحية في تشريعاتها وقضائها وممارسة طقوسها الدينية،
التي تمتعت بها عبر التاريخ منذ السنة 318 ميلادي عندما منح الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير الأساقفة السلطة القضائية واعتبرهم قضاة، وأجاز المرافعة أمامهم، واعتبر أحكامهم مبرمة غير قابلة للاستئناف، واستمر الحال على ما هو عليه بعد الفتح الإسلامي حتى يومنا هذا. فمنهم من ربط بين هذه الحقوق وبين الامتيازات الأجنبية القديمة في عهد السلطنة العثمانية منذ عهد السلطان محمد الفاتح، في حين أن تلك التشريعات المسيحية ومحاكمها وممارسة الطقوس هي أقدم عهداً من ظهور الدولة العثمانية وفتوحاتها، وما منحته من امتيازات للأجانب فيها. ومنهم من ربط بينها وبين أحكام الشريعة الإسلامية، المؤسسة على نظرية شخصية القوانين. في هذا المجال، يقول العلامة دي روزاس de Rousas، أحد عمداء كلية الحقوق الفرنسية في القاهرة سابقاً، في كتابه "نظام الامتيازات في الإمبراطورية العثمانية": ((إن أصل الامتيازات يرجع إلى أن الشريعة الإسلامية مؤسسة على نظرية "شخصية القوانين"، في ما يختص بأهل الكتاب. فلم يكن القانون الذي يخضع له الشخص يتحدد بجنسيته، بل بعقيدته ودينه [شرح الأحوال الشخصية للأستاذ تادرس ميخائيل تادرس ص6])). يترتب على ذلك أنه منذ ظهور الإسلام، وانتشاره في البلاد العربية، بقي سكان تلك البلاد خاضعين لقانونهم الشخصي لا لشريعة الفاتحين. أما العثمانيون، فقد اعتبروا هذه الحقوق امتيازات، ما لبثت أن أخذت شكل اتفاقيات. ويؤكد فريق من علماء القانون ما ذهب إليه العالم دي روزاس de Rousas، من إعراض الشريعة الإسلامية عن التدخل في عقائد أهل الكتاب، تاركة لهم الفصل في منازعاتهم، طبقاً لعقائدهم، عملاً بالآية الكريمة "فإن جاؤؤك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم" (المائدة 42- قرآن كريم)، أي أن القاضي الشرعي المسلم لم يكن مختصاً بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، إلا إذا تراضى الخصمان على اختصاصه اختيارياً بالنسبة إليهم، بينما يرى فريق آخر من علماء القانون عكس ذلك، أي أن القاضي الشرعي المسلم كان مختصاً بكل نزاع مهما كان نوعه، إلا إذا اتفق الطرفان على عدم طرح نزاعهما عليه. والرأي الأول معناه أن الشريعة الإسلامية ذات طابع شخصي في حين أن الرأي الثاني يعتبرها إقليمية. والرأي الأول يتفق مع نص الآية المشار إليها، وهو الرأي الذي أخذ به أكثر الفقهاء المعاصرين. وبهذه المناسبة، فقد ذكر الأستاذ أحمد صفوت، رئيس محكمة استئناف الإسكندرية السابق، في كتابه "قضاء الأحوال الشخصية للطوائف الملّية" ص 2 طبعة سنة 1947، أن الشريعة الإسلامية ليست فقط كانت لا تتدخل في عقائد أهل الكتاب بالنسبة إلى أحوالهم الشخصية فحسب، بل وفي المعاملات الأخرى أيضاً، واستقى هذا الرأي من كتاب "صبح الأعشى". بعد أن انتهينا من هذا، نعود إلى متابعة سرد وقائع تاريخ محاكم الأحوال الشخصية المسيحية في العهد العثماني، بعد أن آلت الخلافة إلى بني عثمان. فالسلطان محمد الثاني، عندما فتح القسطنطينية في عام 1453م، وجد نفسه ملكاً على رعية كلها من الروم، بينما المسلمين الذين معه أقلية ضئيلة. وإذ خشي هجرة الروم إلى الأقطار الغربية فيفقر ملكه، فقد سمح لهم بأن يتدبروا أمورهم بأنفسهم، نيابة عنه وعن حكامه، وذلك ليس لاختلاف الدين فحسب بل لاختلاف اللغة أيضاً بين حكامه المسلمين القليلين ورعاياه المسيحيين المذكورين وهم الأكثر عدداً. للأسباب المذكورة أعلاه، منح السلطان محمد الثاني البطريرك جناديوس، بطريرك طائفة الروم الأرثوذكس، براءة شاملة في جميع المسائل الإدارية والمالية والقضائية، من جزائية وتجارية ومدنية بالإضافة إلى قضايا الأحوال الشخصية. كما منح البطريرك فرض الضرائب على أبناء طائفته وصاحية الحكم في الخلافات الناشبة بينهم وسن التشريعات اللازمة. واستمر الحال على هذا المنوال عدة قرون أخرى، إلا أن الحكومات العثمانية المتتابعة لم تكن محافظة فيها على مبدأ السلطان محمد الثاني محافظة صادقة، فأخذت تنتقص من هذه الحقوق. وفي معاهدة باريس للصلح التي جاءت بعد انتهاء حرب القرم بين روسيا وتركيا من جهة وتركيا وانكلترا وفرنسا من جهة أخرى، جرت الإشارة إلى الخط الهمايوني الصادر عن الباب العالي في العام 1856 والذي قضى بأن جميع الاعفاءات الممنوحة منذ القديم لرعايا الطوائف المسيحية وغيرها من الطوائف غير المسلمة المقيمة بالبلاد تثبت وتبقى قائمة ونافذة. وعندما دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى ألغت جميع اختصاصات المحاكم الروحية بالقانون الذي أصدرته في 25/10/1915 والمسمى بقانون حقوق العائلة. وبعد هزيمة الدولة العثمانية وخروجها من هذه البلاد، صدر في سورية بزمن المرحوم الملك فيصل بتاريخ 19 كانون الثاني 1919 القانون المتعلق بالنظام القضائي، وقد نصت المادة 18 منه على ما يلي: "المحاكم الطائفية للطوائف غير المسلمة تحتفظ باختصاصاتها القضائية وبحقوقها، كما في السابق". وفي أول عهد الانتداب الفرنسي في سورية ولبنان أصدر المفوض السامي قراراً أنشأ بمقتضاه محكمة الخلافات للنظر في التنازع الذي يمكن حصوله بين المحاكم الشرعية والمحاكم الروحية. وبتاريخ 28/4/1926 أصدر المفوض السامي دي جوفينيل قراراً حدد بمقتضاه اختصاص المحاكم الروحية للنظر في الدعاوى المتعلقة بأحوال الزواج. وهكذا صدرت تشريعات متعددة في سورية إلى أن جاء التشريع الرئيسي الذي لا تزال معظم أحكامه نافذة في سورية ولبنان، وهو القرار 60 ل.ر. الصادر عن المفوض السامي الفرنسي في 13 آذار 1936 والمعروف بنظام الطوائف الدينية، ثم صدر القرار 146 ت.ر. تاريخ 18/11/1938 بتحوير القرار 60 ل.ر. وتتميمه. وقد حلت المادة 1 من هذا القرار 146 محل المادة 10 من القرار 60 ل.ر. وخضع السوريون واللبنانيون بموجبها إلى نظام طوائفهم الشرعي فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية، وللقانون المدني في الأمور الأخرى. ولما صدر قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 تاريخ 17/9/1953 نص في مادته الـ 306 على تطبيق أحكامه على جميع السوريين سوى ما تستثنيه المادة 307 و308 وتضمنت المادة 307 أنه لا يعتبر بالنسبة إلى الطائفة الدرزية ما يخالف الأحكام الواردة فيها. وتضمنت المادة 308 أنه: ((ينطبق بالنسبة إلى الطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق في: الخطبة، وشروط الزواج وعقده، والمتابعة، والنفقة الزوجية، ونفقة الصغير، وبطلان الزواج، وحله، وانفكاك رباطه، وفي البائنة "الدوطة"، والحضانة)). وكان المشرع قبلها قد حصر في المادة 535 من قانون أصول المحاكمات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 84 تاريخ 8/9/1953 القضايا التي هي من اختصاص المحاكم الشرعية، وتسري أحكامها على جميع المواطنين، وهي التالية: الولاية والوصاية والنيابة الشرعية- إثبات الوفاة وتعيين الحصص الشرعية للورثة- الحجر وفكه واثبات الرشد- المفقود- النسب- نفقة الأقارب من غير الزوجين والأولاد. ثانياً) الأسباب التي دعت إلى صدور القانون 31 لعام 2006 بالعودة إلى قانون الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية في سورية، والكاثوليكية تحديداً، نجد أن معظم نصوصه كانت في الحقيقة إما معطلة وإما مقلّصة، بفعل نص المادة 308 الآنفة الذكر. أولاً- فبسبب هذا النص باتت المواد الخاصة بالتبني والوصية في قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في سورية معطلة. ثانياً، وبسبب هذا النص أخضع أبناء الطوائف المسيحية في جزء من أحوالهم الشخصية كالولاية والنيابة الشرعية والإرث ونفقة الأقارب من غير الزوجين والأولاد الصغار إلى التشريع الإسلامي، وفي بقية الأمور إلى تشريعاتهم الدينية الخاصة. - وإذا أمعنا النظر قليلاً، فسنجد أن إخضاع أبناء الطائفة الواحدة في جزء من أحوالهم الشخصية لقانون، وفي جزء آخر منها إلى قانون آخر، من شأنه أن يخلق لديهم إرباكاً وحيرة، لأن لكل قانون أسبابه الموجبة التي تجعل الانسجام قائماً فيما بين نصوصه، بحيث لا تتناقض ولا تتنافر. ثالثاً- الاختصاصات الممنوحة لطوائف المسيحية المحددة بالمادة 308 أحوال شخصية كانت مقيدة فيما يتعلق بالحضانة. الحضانة لدى الطوائف الكاثوليكية هي حراسة الأولاد حتى بلوغهم سن الرشد، أي 18 عاماً، من قبل الوالدين معاً أو من قبل واحد منهما في حالات معينة. أما السنتان الأولى من عمر الأولاد فتختص بالإرضاع وهي من حق الأم وحدها. وقد جعل المشرع الكنسي هذه "الحراسة المشتركة" تدخل في إطلاقات وصلاحيات القاضي الكنسي الناظر بها، وأولى هذا الخير حق وضع الصغير (أي الذي لم يبلغ سن الرشد) في المكان الذي يراه مناسباً له، حتى وإن كان هذا المكان غير عائد لوالديه إذا كان ذلك في مصلحته. ورغم أن قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية الشرقية هو قانون خاص، أي يسود على القانون العام وهو واجب التطبيق، فما كان يحصل على أرض الواقع هو أن المحاكم الشرعية هي التي كانت تقرر السن الواجب فيها ضم الولد لأبيه أو البنت لأبيها، باعتبارها صاحبة الشأن في أمور الولاية، رغم أن الوالية شي والحضانة شيء آخر، ورغم أن الولاية في الشرع الكاثوليكي يختلف مفهومها تماماً عن المفهوم السائد في الشرع الإسلامي. فالولاية أو السلطة الوالدية، (وهي موضوع الفصل السادس من قانون الأحوال الشخصية المعطل) هي ولاية مشتركة للوالدين أي للأب والأم معاً أثناء العيشة المشتركة، وهي للطرف الباقي على قيد الحياة عند وفاة الآخر، وهي للجد الصحيح أي أبي الأب، إذا ما شاءت المرأة أن تعقد زواجاً جديداً بعد وفاة زوجها. إذاً على الرغم من أن المادة 308 أحوال شخصية جاءت مطلقةً بخصوص الحضانة، وجعلتها تخضع للتشريعات الدينية لكل طائفة، فإن المحاكم الشرعية ومن بعدها محكمة النقض لم تكن تقبل بذلك، وقد ألزمت المحاكم الروحية بتطبيق النصوص الواردة في قانون الأحوال الشخصية بالنسبة لكل ما يتعلق بها بحجة أن المر يتعلق بالنظام العام. رابعاً- كانت محكمة النقض محكمة موضوع في الوقت الذي يفهم من المادة 46 من قانون السلطة القضائية أنها فقط محكمة قانون، والطبيعي أن تكون كذلك لسببين جوهريين: 1) محكمة النقض ليست مشكلة من رجال دين، والزواج في العقيدة الكاثوليكية لا يجوز أن تحله سوى السلطة الكنسية التي أجرت مراسيم الاحتفال به. 2) الزواج بحسب العقيدة الكاثوليكية هو سر ولا يحمل على الإطلاق مفهوم العقد. ولذلك فهو يدخل في صلاحيات الإكليرس أو السلطة الكنسية. وعندما تعلن هذه السلطة الكنسية من خلال المحكمة الروحية بطلان الزواج أو الطلاق، فهذا يعني أن هذا الزواج أصبح في نظر الشريعة باطلاً أو مفسوخاً. فإذا جاءت محكمة النقض لتعلن العكس، فهذا يعني أنها خلقت إشكالاً دينياً من جهة ومدنياً من جهة أخرى. ونفهم من هذا الإشكال عندما نتذكر أن طرفي الزواج الذي أعلنت السلطة الكنسية بطلانه يمكنهما اختيار شريك حياة آخر والاحتفال بالزواج منه، في الوقت الذي لا يزال الزواج الأول قائماً في القيد المدني لكل منهما بسبب اعتباره صحيحاً من قبل محكمة النقض. في النهاية لا بد من طرح السؤال الهام والمتمثل بما يلي: هل يمثل القانون رقم 31 لعام 2006 امتيازاً ممنوحاً للطوائف الكاثوليكية في سورية؟؟ سنرى فيما يلي أن الجواب هو: لا. ففي كتابه: "الأوضاع القانونية للنصارى واليهود في الديار الإسلامية"، والذي اعتمدته جامعة Paris-Nord لمناقشته كرسالة دكتوراه في القانون، والصادر عن دار الفكر للطباعة والنشر في بيروت، يلاحظ الدكتور حسن الزين، على الصفحة 127 منه، أن ((القانون الخاص بكل طائفة كان يطبق في النزاعات التي تنشأ بين أتباعها في عهدي الرسول الكريم والخلفاء الراشدين، وذلك عبر أحكام التوراة والإنجيل، دون إخضاع أهل الذمة لأحكام القرآن الكريم حتى في الحالات التي يدعى القاضي المسلم فيها لفض النزاعات القائمة بينهم)). وهذا القانون يشمل أمور الزواج والإرث والمسائل الجزائية والمسائل المدنية. وقد ظلت سلطة القانون الطائفي مطلقة بالنسبة لهذه النزاعات ولم تتعرض للتقلص الواضح سوى في العصر الأموي، حسب ما لاحظه الباحث في كتابات مؤرخي ذلك العصر، حيث نشأت مبدئياً صلاحية القانون والقضاة الإسلاميين، وانحصرت في حالات ثلاث هي: أولاً- حالة اختلاف أديان المتنازعين: حيث كان القاضي المسلم يفصل في النزاعات التي تنشأ بين أهل الكتاب والمسلمين من جهة والكتابيون من أتباع ديانات مختلفة ممن جهة أخرى، في جميع مسائل القانونين المدني والجزائي، ويطبق أحكام الشرع الإسلامي على النزاع القائم. ثانياً- حالة ارتكاب إحدى الجرائم التي تتعلق بالنظام العام كالقتل تحديداً. ثالثاً- لجوء أطراف النزاع بملء اختيارهم إلى القاضي المسلم للبت بدعاواعم وقبول القاضي بذلك. لقد أقر الفقهاء المسلمون مبدأ عدم التدخل في شؤون أهل الكتاب. فالقاعدة حسب رأيهم هي "تركهم وما يدينون"، وهم حسب رأي أبي حنيفة "مقرون على أحكامهم لا يعترض عليهم فيها إلا أن يرضوا بأحكامنا أي أن يترافعوا إلينا". ويلاحظ أن رأي أبي حنيفة يخال تماماً ما اتبعه الرسول الكريم في حالة لجوء الأطراف إليه لفض نزاعهم، والمشار إليه سابقاً، أو ما سار عليه الخلفاء الراشدون من بعده. ويروى أن الإمام علي بن أبي طالب، الخليفة الراشدي الرابع، كتب إلى محمد بن أبي بكر في موضوع مسلم تعاطى الزنا مع نصرانية، طالباً أن يطبق الحد على المسلم، وأن ترس المرأة الزانية إلى سلطات طائفتها الدينية لمحاكمتها. أما مصادر نظام الاستقلال القضائي الخاص بأهل الذمة: فيقول الباحث في الصفحة 172 من كتابه: يستمد هذا النظام شرعيته من القرآن الكريم ومن السنة الشريفة. وبالإضافة إلى ذلك نجد في خطابات تنصيب الرؤساء الدينيين من أهل الكتاب ومن آراء الفقهاء ما يشير صراحة إلى هذا الموضوع. آ- القرآن الكريم والسنة الشريفة: فالقرآن الكريم يقر مبدأ استقلالية النظام القضائي الخاص بأهل الذمة. ونجد تأكيداً لذلك في النصين التاليين: ((فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم)) (سورة المائدة 42) ((وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)) (سورة المائدة 42). ومن أجل تقييم تفاصيل تطبيق هذه الحكام القرآنية لابد من دراسة سيرة الرسول العظم الذي اضطر لفصل بعض نزاعات أهل الذمة في أكثر من مناسبة. وهناك روايتان استشهد بهما الباحث الدكتور حسن الزين في كتابه، أوردهما على الصفحة 172 نقلاً عن البخاري في صحيحه وعن ابن قيم الجوزية في كتابه "أحكام أهل الذمة". ويقول الباحث: تظهر هاتان الروايتان أن الرسول الكريم قد طبق أحكام القرآن الكريم التي تقضي باعتماد شرائعهم. وحتى عندما جاءه بعض أهل الذمة طالبين إليه الحكم في بعض قضاياهم الطارئة، فقد حكم بينهم وطبق أحكامهم المذهبية الخاصة، ومهما يكن فإن عقد الذمة بالذات يمنع أن يفرض على أهل الذمة أحكاماً تخالف معتقدهم. وقد سار خلفاء الرسول وفقهاء عصرهم على هذا النهج متبعين هذا المثال في خضوع تام للمبدأ الذي أقيم في هذا المجال. ب- آراء الفقهاء حول الاستقلالية القضائية الممنوحة لأهل الكتاب. وإذا كانت أحكام القرآن والحديث الشريف قد طرحت المبادئ الخاصة بهذا الاستقلال القضائي، فإن الفقهاء قد ساهموا فيما بعد عبر تفسير النصوص وأعمال الفكر وتقديم الآراء في رسم أسس النظام القضائي المستقل الذي تمتع به أهل الذمة عبر أجيال من الزمن. من بين المبادئ التي استخلصها الفقه والاجتهاد الإسلامي في هذا المجال مبدآن، يبدوان الأشد تعبيراً عن متانة وقوة الاستقلال القضائي المشار إليه، لأنهما يساهمان في رسم الأسس المتينة لإعطائه المناعة والقوة اللازمتين من أجل منع كل تدخل غير مشروع، وهما: 1- مبدأ عدم التدخل في شؤون أهل الكتاب حتى ولو كانت الأعمال التي تجيزها شرائعهم تعتبر غير مشروعة في نظر القانون الإسلامي. 2- ومبدأ احترام عقائدهم وهذا المبدأ يمنع أن تفرض على أهل الكتاب قواعد وأحكام تخالف ما تقره شريعتهم وعقيدتهم، انطلاقاً من قوانينهم الخاصة وهذا المبدأ يعبر عنه أشد التعبير الحديث الشريف الداعي إلى "تركهم وما يدينون". يتبين مما سبق أن القانون 31 لعام 2006 هو عودة إلى الأصل، أي إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة وسيرة الرسول والخلفاء الراشدين والفقه والاجتهاد الإسلامي.
*- ألقيت هذه الورقة في ندوة عقدت بتاريخ 3/11/2006 في قاعة كنيسة يوحنا الدمشقي بدمشق.المحامية ركنية الشحادة- (أضواء على القانون رقم 31 لعام 2006 المتعلق بالأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في سورية)
|