|
في رؤوسنا.. عقول أم صخور؟! |
|
|
|
المحامي علاء السيد
|
|
2006-11-09 |
كلما دخلت في نقاش حول أي موضوع كان، مع من حولي، كنت اصطدم بعدم جدوى النقاش، وتحجر عقل المتلقي، وربما تحجر عقلي أيضا.
وتساءلت كثيراً: هل نحن غير قادرين على الحوار وتبادل الأفكار، وهل جفت عقولنا حتى باتت عاجزة عن المرونة والحركة، وصارت صخرا أصم، وما هو سبب هذا الجفاف والتحجر. وبينما كنت أقدم استمارة انتساب، إلى إحدى الجمعيات الخيرية، لنخبة من الراغبين في التطوع للعمل الخيري -أدناهم مستوى يحمل شهادة جامعية- كانوا يملؤون البيانات العادية فورا، مثل الاسم والمهنة والتولد. وعندما يصلون إلى البند الذي يطلب فيه شرح المساعدات المعنوية والمادية التي يمكن أن يقدموها للجمعية الخيرية، كانوا جميعا يقفون عاجزين عن الكتابة! واحد وأربعون استمارة، وقف أصحابها عاجزين عن تعبئة هذا البند، وكانوا يلتفتون إليّ طالبين أن ألقنهم ما يكتبون، وعندما كنت اطلب منهم كتابة ما يرغبون فعلا في تقديمه، كان جوابهم: لا نعرف ما هو الممكن تقديمه، قل لنا، ونحن سنكتب! وفي تجربة أخرى مع مجموعة من طلاب الجامعة المتحمسين والمتطوعين للعمل الخيري، والذين تعودوا أن ينفذوا ما يقرره ويطلبه منهم رئيس المتطوعين الشباب ودون تردد. اقترحت عليهم أن يغيروا أسلوب عملهم، وأن يشكلوا فيما بينهم مجموعات عمل، تقترح وتبدع النشاط التطوعي الذي تراه مناسبا، وتقوم هذه المجموعة بكاملها بتنفيذه. وبذلك ينتقل عملهم من مرحلة تنفيذ الأوامر، إلى مرحلة التفكير والتخيل والإبداع، ثم تنفيذ هذه الفكرة التي صنعوها بأنفسهم، بدلا من الأفكار التي تقدم لهم جاهزة. وكنت اعتقد أنهم سيرحبون بهذه المبادرة، التي تخلصهم من التبعية، ليكونوا هم أصحاب القرار. وتعهدت لهم أن أعمل بكل طاقاتي للمساعدة في تنفيذ أفكارهم، ومحاربة من يقف بوجه هذه الأفكار الخيرية. وانتظرت.... وفوجئت بالسلبية التامة.. ورفض هذه الفكرة تماما... والنظر تجاهي بريبة وحذر... وعندما سألت وحلّلت مع البعض منهم سبب هذا الموقف، قالوا لي: إننا إن فكرنا وخططنا بأنفسنا، ثم نفذنا، تحملنا مسؤولية ما فعلنا، أما إن خطط غيرنا ونفذنا نحن فلا مسؤولية علينا إن فشلت الخطة ولم تحقق الهدف، وهذا أريح لرؤوسنا بكثير! إن كان هذا هو تفكير من تطوع مجانا لعمل خيري وبكامل إرادته، فلا عتب على من أجبر على تنفيذ عمل وظيفي مثلا. وحاولت أن اعرف وأتبين سبب هذا الجمود الفكري الحجري في أذهاننا دون جدوى، إلى أن قرأت صدفة كتابا مطبوعا في عام 1967، كتبه الدكتور أنور عبد الملك تحت عنوان (دراسات في الثقافة الوطنية) منشورات دار الطليعة بيروت، يحلل فيه كيف خطط البريطانيون للقضاء على الفكر والثقافة في مصر زمن الانتداب، وأشرف على تنفيذ مخططهم اللورد كرومر حاكم مصر الفعلي وقتها، ومستشاره دانلوب لشؤون التعليم، وجاء فيه ما يجيب على جميع تساؤلاتي: (واستند دانلوب إلى خاصية معينة من خصائص العقلية الشرقية، ألا وهي تقديس النصوص المكتوبة، وأوصى المفتشين ونظار المدارس بتنمية الذاكرة والحفظ دون تنمية التفكير الناقد الإبداعي الخلاق. ورأى أن الضمان الوحيد لاستعباد مصر هو ضرب صميم الفكر المصري، بحيث يصبح عاجزا عن التطور والإبداع، ومعتمدا على غيره في الحركة، ولكي يتحقق هذا الهدف لا بد أن تتوجه سياسة التعليم نحو الحفظ دون المناقشة، ونسخ المراجع دون تحليلها، وتكوين الرأي فيها. واحترام المكتوب دون فحصه والتحاور معه، فالتلميذ الممتاز هو الذي يحفظ أكبر قدر من النصوص. والتاريخ عبارة عن أسماء معارك وملوك وتواريخ صماء، دون إيراد أي تفسير لأسباب حدوث هذه المعارك والانتصارات والهزائم ودون إفساح المجال لتحليل ومناقشة أسباب النصر أو الهزيمة. أما العلوم فهي نظريات متتالية، دون عرض طريقة تخطي العلماء لنظرية قديمة وتطويرها، لتظهر نظرية جديدة.. الحفظ ولا شيء إلا الحفظ والامتحان كله حول قدرتك على الحفظ، والترديد كالببغاء)! اعتقد أن هذه السطور تلخص واقع عقولنا الحالي، وتبين أسباب جمودنا الفكري والعقلي، وعجزنا عن الإبداع والحراك الفكري. وإن خمسين عاما من التعليم بهذه الطريقة لا بد أن تواجه بخطة مدروسة، لا تقل فترة تنفيذها عن خمسين عاما أخرى. ولكن هل يستطيع من دَرَب على الحفظ والحفظ فقط، أن يضع خطة تعليمية طموحة، تعتمد على التحليل لا الحفظ؟! لا اعتقد ذلك.
المحامي علاء السيد (في رؤوسنا.. عقول أم صخور؟!) -
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
|