|
"أصوم ليغفر الله ذنوبي"؟! |
|
|
|
عبد الله فاضل
|
|
2006-10-30 |
تقول المذيعة السورية بصوتها المتحمس وفي سياق تغطيتها للأجواء الرمضانية الخاصة في بلدنا لأعزائها المستمعين أنها ستلتقي مجموعة من الأطفال
لتتحدث معهم حول هذه المناسبة الخاصة. ثم تجري مجموعة مقابلات مع أطفال نقتطف منها: - مرحبا حبيبتي - أهلين - بتعرفينا ع اسمك - اسمي سمر - قديش عمرك؟ - عشر سنين - طبعاً سمر انتي صايمة, كيف الصيام معك؟ - الحمد لله كتير مبسوطة ومرتاحة - طيب حبيبتي انتي ليش بتصومي؟ - لأنه كل أهلي بيصوموا وكمان الجيران والأقارب... وكمان لمّا منصوم الله بيغفر لنا ذنوبنا. تنتقل المذيعة إلى أطفال آخرين وتدير معهم أحاديث مشابهة. وربما يجري شيء مشابه في أيام أخرى أو برامج أخرى. لو جرت هذه المقابلة مع شخص بالغ راشد لما كان فيها ما يستحق الانتباه. لكنها تجري مع طفلة في العاشرة! وقد لفتت انتباهي فيها ثلاث نقاط. أولاً أن تعتبر المذيعة أن صيام طفلة في العاشرة أمراً بديهياً وتتحدث معها على هذا الأساس فلا يعود في مقدور الطفلة أن تقول نعم أو لا. الصيام أمر مفروغ منه وهو مفيد وفيه مكمن الأخلاق الحميدة والسلوك الحسن وطاعة الله. ومن الطبيعي أن هذا المنطق ينطوي على أن من لا يصوم يخسر فوائد الصيام الجمًة ويبتعد عن الأخلاق الحميدة ويعصي أمر الله. وهل يجرؤ طفل في العاشرة على الجهر بارتكاب كل هذه الموبقات معاً؟ بالتأكيد لا. ولأنه لا يجرؤ سيقول لكل من يسأله عن الصيام أنه صائم, وسيردد بطريقة ببغائية ما يسمعه من الكبار في هذا المجال, وفي الوقت ذاته ولأنه لا يستطيع أن يتحمل الجوع والعطش سيلجأ إلى الأكل والشرب سرّاً. وهكذا سيعيش حالة من الازدواجية: أمام الآخرين شيء وبينه وبين نفسه شيء آخر. وأتساءل: أليس هذا خطر؟ ألا نشجّع بذلك على نمو هذه الازدواجية وتطورها مع الطفل لتصحبه في قادم حياته؟ وليعيش الازدواجية ذاتها في كل ما يعتقد أنه يختلف به عن الآخرين؟ النقطة الثانية هي هذا الحضّ على التقليد والثناء عليه. "أفعلُ هذا لأن أهلي يفعلونه!". هكذا بلا تفكير وبلا محاكمة. ألا يستحق الطفل تربية مخالفة, تربية تقوم على تطوير ملكة التفكير والمحاكمة بدلاً من سلوك التقليد والإتبّاع؟ ليست المسألة أن يصوم أو لا يصوم, أن يمارس هذا الطقس أو لا يمارسه, بل هي أن نعلمه كيف يحاكم ويفكر ويرفض ويتقبل ويعبّر عن أفكاره ومشاعره هو, لا أن يردد أفكار أهله, أو غير أهله, بلا تفكير أو محاكمة. النقطة الثالثة هي "غفران الذنوب" وهي فيما أظن الأشد خطورة على نفسية الطفل ونمو شخصيته. إذ كيف يمكن لأي شخص أن يغرس في عقل طفل في مثل هذا العمر أنّ لديه من الذنوب ما يستحق الغفران؟ هل يمكن لطفل في العاشرة فعلاً أن يرتكب ما يمكن أن نسميه "ذنباً" يستحق الغفران؟ وهو ذنب على درجة من الخطورة أن لا الأهل ولا المعلمين ولا غيرهم من المربين يستطيعون غفرانه, الله وحده يستطيع غفرانه! ألا يربي هذا في عقل الطفل ونفسه خوف من الفعل لأنه قد ينطوي على ذنب؟ ويحرمه بالتالي فرصة التجربة والخطأ ليتعلم ما يمكن أن يتعلمه في الحياة؟ أقول باختصار أنه أياً يكن ما يفعله الطفل, سواء كان صحيحاً أم خطأ, مفيداً أم ضاراً, لا يجوز مقاربته أمام الطفل على أنه "ذنب" بما لمفهوم الذنب من أثر سلبي بالغ على نفسيته وتفكيره, والأجدى أن ننظر إليه على أنه تجربة يتعلم منها ويكتسب من خلالها خبراته ومعارفه. ربما هكذا يمكننا إنشاء طفل لا يحمل "عقدة الذنب" في نفسه ويستطيع أن يتعلم من تجاربه ويطور شخصية مستقلة يمكنها أن تقبل أو ترفض بعقلها الحر القابل للتعلم. وربما يكون هذا أكثر أهمية للأطفال لأنهم في المرحلة التي تتوق فيها عقولهم إلى الاكتشاف والمعرفة.
عبد الله فاضل: "أصوم ليغفر الله ذنوبي"؟! 19/10/2006
|