|
حوار مع د. أحمد بدر الدين حسون، مفتي الجمهورية |
|
|
|
مجلة الأسرة والسكان
|
|
2006-10-30 |
منذ توليه موقع المفتي العام للجمهورية العربية السورية باشر سماحة الدكتور الشيخ أحمد بدر الدين حسون أنشطته المكثفة في تحريك المياه الراكدة،
ومحاولة الدخول في جوهر حياة الإنسان في سورية والعالم بوحي من تعاليم الإسلام الحنيف المتسامح كما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف، ولم تمنع سماحته المفاهيم السائدة في الشارع العام من أن يطرح رؤاه وتصوراته واجتهاداته في فهم النصوص وفق معطيات العصر الذي نعيشه. في هذا المجال عالج سماحته موضوعين من أكثر الموضوعات حساسية هما: المرأة والطفل، وذلك من خلال مناقشة نصوص اتفاقيات الأمم المتحدة المتعلقة بالطفل والمرأة، وعلى وسائل الإعلام وصفحات الجرائد، دون أن يمنعه أي محظور من مناقشة الأمور المعضلة بشكل علني... فناقش اتفاقية حقوق الطفل، وبصورة خاصة المواد المتحفَّظ عليها في الجمهورية العربية السورية، وعقد لذلك لقاءات مع نخبة من العلماء في الميدان الشرعي، وأخضع اتفاقية "السيداو" للنقاش، وخرج بتوصيات مهمة عبر صفحات مجلة "جهينة" الاجتماعية. وهذه التوصيات كانت محط اهتمام وتقدير في مختلف الفعاليات المحلية والعالمية. "الأسرة والسكان" التقت سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية، الأستاذ الدكتور أحمد بدر الدين حسون وناقشته في موضوع الاتفاقيتين والتحفظات عليهما بعد أن هدأت المناقشات التي دارت حول آرائه. سماحة المفتي لماذا أثير ما أثير حول آرائكم على اتفاقية حقوق الطفل؟ الأمر بسيط للغاية، فهناك أمران أسهما في هذا الجدل: أولاً: هناك تحفظات أطلقت في مرحلة سابقة على بعض المواد، وعندما تأتي أنت لتناقش هذه التحفظات لا بد أن يثار الجدل، خاصة أن الكثيرين ينظرون من مبدأ الشك والريبة لكل ما هو قادم من الخارج، وهناك من يفسِّر أي أمر على أنه مؤامرة! قد يكون هناك مؤامرة في أمر ما، لكن دورنا يجب أن يبرز في المعالجة والدراسة، واستنتاج ما إذا كان في الأمر مؤامرة ما، أم أنها مجرد هواجس. ثانياً: ترافقت دراستنا للتحفظات مع بداية استلام مهمة الإفتاء وفي ظروف عربية ودولية غاية في التعقيد. وهذا أعطى بعض الناس مسوغات لتفسيرات خاطئة، لكن الأرض المليئة بالأحداث جعلتهم مسموعي الكلمة، وأنتم تعلمون سحر التأثير في القضايا التي تمسّ العقائد لدى الناس. وللأسف هناك من لعب على هذا الوتر. ومع هذا لم نتراجع عن أمرين: الدراسة النصية الجيدة والعميقة لمواد الاتفاقية، وكذلك الدعوة للآخرين أن يدرسوا هذه الاتفاقية، والغريب أن عدداً غير قليل من الذين دخلوا في هذه النقاشات لم يقرؤوا نص الاتفاقية، بل لا يحتفظون بنسخة منها وكل ما سمعوه كلمة من هنا وأخرى من هناك، ومع ذلك أعطوا فتاوى وأحكاماً قاطعة!! ونتيجة الحوار والمناقشة مع الجهات المعنية الرسمية والدينية تمَّ الفصل بين المواد التي تتعارض مع الدين الإسلامي، والمواد غير الملزمة، وهذا ما ساعدنا في الوصول إلى مذكرة واضحة بهذا الخصوص. وأنا من خلالكم أدعو إلى الدراسة العميقة للنصوص قبل إعطاء حكم، خاصة إن كان هذا الأمر متعلقاً بقضايا مجتمعية ودينية عقيدية، لأنه من الصعوبة بمكان التراجع عن القول بعد أن يصبح علنياً، وذلك في ظل وجود القدرة لدى مجتمعنا وديننا لاحتواء القضايا المثارة تحت مسميات أخرى... فمادة التبني أخذت نقاشاً طويلاً، والتبني العصبي بالنسب محرم إسلامياً، ولا أحد يدعو إلى تحليله، ولكن مبدأ الرعاية الاجتماعية والكفالة يخرجنا من هذا المأزق، وهو ما أسميناه التبني التربوي فثارت الدنيا على المصطلح رغم وضوحه. وعل ذلك يمكن القياس في الاختلاف حول كلمة أو مصطلح. والذين يتحدثون في مثل هذه الأمور لا يدركون أن سماحة الإسلام لا تسمح بالظلم وهناك علاجات لكل الأوضاع، فلماذا يقفون مواقف شخصية تدعو إلى نعت الإسلام بالتشدد وهو ليس كذلك؟! لا أريد أن أذكر التفاصيل فقد نشرت في صحف ومجلات داخل سورية وخارجها. واتفاقية "السيداو" وحقوق المرأة، قرأنا لك رأياً فيها، وقد أثار ردود أفعال كثيرة، فماذا عنها؟ اتفاقية حقوق المرأة هناك تحفظات عليها أيضاً في الجمهورية العربية السورية، وبمبادرة من مجلة "جهينة" التي فتحت هذا الملف، قمت بمناقشة المواد المتحفظ عليها، وكانت المناقشة مرتكزة إلى: 1 ـ النص الشرعي الواضح. 2 ـ نص الاتفاقية. 3 ـ الواقع الذي نحياه في عالمنا الإسلامي. 4 ـ واقع المرأة الحقيقي من وجهة النظر الإسلامية. ووجدنا بعد الدراسة والمناقشة أن أغلب المواد المتحفظ عليها لا تتعارض مع التشريع الإسلامي، ولا تتعارض مع السيادة الوطنية السورية الحبيبة، فما معنى أن نتحفظ على أن يحفظ التشريع والقانون حقوق المرأة؟ ونتيجة مراجعة النصوص والحوادث في تاريخنا الإسلامي وجدنا حالات كثيرة، ولا أقول محدودة، حفظت حقوق المرأة أكثر من هذه الاتفاقيات، وما دام الفقهاء والعلماء قد عملوا على ضمان حقوق المرأة فلماذا أتحفظ على أمور أبسط؟! نحن نسعى إلى إبراز الصورة الحقيقية لنظرة الإسلام، فما من داعٍ للفصل بين النص والتصرف، فما دام الإسلام منارة للحرية الإنسانية، فلماذا أتحفظ ـ لأسباب ذاتية وغير منطقية ـ على مواد لا تتعارض مع الشرع؟ من هنا وجدنا ضرورة رفع التحفظ عن المواد المتحفظ عليها باستثناء فقرتين إحداهما تتعلق بحرية اختيار الزوجة لمسكن خاصة، والثانية لها علاقة بسيادة الوطن، وهي التي تدعو إلى التحكيم الدولي في الخلافات حول هذه الاتفاقية. لماذا تأخرت معالجة التحفظات؟ لست أدري، لكن ما صرحت به وما أعرفه أن بعض الذين ينتمون إلى المؤسسة الدينية لهم اجتهادات نحترمها، لكن هذه الاجتهادات يجب ألا تتعارض مع النص الشرعي أولاً، ومع مصلحة الوطن بعد انتفاء التعارض مع النص الشرعي.. وأذكر أنه عندما تمت مناقشة الاتفاقيات خرجت آراء كثيرة، وأغلبها يحاول أن يوجد نصوصاً خلف النصوص منطلقاً من أن أي شيء قادم من الخارج لا بد أن يكون ضد الشرع، وهذا رأي غير صحيح، لأن أمامي نصاً متكاملاً أقوم بدراسته وإبداء الرأي، وهذا ما فعلته. وما الآلية التي تقترحها لحل هذه المعضلات؟ طرحت سابقاً أن الحلّ ليس فردياً، ويجب ألا يخضع لرأي شخصي، لذلك لابد من تأسيس ما يسمى بمجلس الإفتاء الأعلى الذي يضم كوكبة من العلماء والفقهاء الذين يتولون دراسة الأمور المعروضة، والخروج برأي مدعم.. وهذا المجلس يكون على صلة وطيدة بمؤسسات المجتمع الحكومية والأهلية على السواء. ويجب أن نتناول الأمور والمشكلات بشكل متتابع دون أن نكون مضطرين لإبداء رأي يبدو للوهلة الأولى مخالفاً للنص وهو ليس كذلك. أدعو إلى الدراسة العميقة للنصوص قبل الإدلاء بالرأي . عن كلنا شركاء
|