|
دلكش مرعي
|
|
2006-03-14 |
|
صفحة 1 من 2
ان دراسة واقعية لبنية مجتمع من المجتمعات وتحليل جوانبه وعلاقاته المتنوعة سينكشف للمحلل بأن المرأة هي من أهم العناصر المكونة لبنية هذا المجتمع بل ويمكن القول بأن المرأة هي المعيار الواقعي التي تفصح من خلالها هوية هذا المجتمع ورقيه الحضاري وتطوره في السلم الاجتماعي وانطلاقاً من هذه الرؤية, يمكننا القول ان حرية المرآة هي ضرورة موضوعية ليس من اجل بناء مجتمع متوازن مستقل الإرادة فحسب بل لخلق مجتمع متماسك فكرياً وسياسياً واجتماعياً, حيث ان إنجاز قضية التحرر الاجتماعي بأبعاده المختلفة واشكالياته لا يمكن إنجازه إلا إذا ارتهن واقترن بتحرير المرأة لأن الكيان الاجتماعي بتركيبه من الجنسين كلٌ لا يتجزأ وكل جزء فيه يكمل عمل الجزء الآخر, العلاقة بين الرجل والمرأة جدلية لا يمكن فصلها لأن تحرير المرأة جزء لا يتجزأ من تحرير كيان الرجل, وتحرير الرجل نفسه جزء لا يتجزأ من تحرير كيان المرأة؛ حيث ان تغيب دور المرأة كإحدى عناصر المجتمع وإزاحتها عن وظيفتها الاجتماعية واستلاب حقوقها الشخصية سيؤدي إلى اختلال في بنية التوازن الاجتماعي برمته وإلى تعقيدات اجتماعية لدى الجنسين وسيلحق ابلغ الضرر بفعالية المجتمع وشل قدرته في مجالات مختلفة والأضرار ببنية الشخصية ذاتها وقوة استقلاليتها وإلى شل قدرة المرأة التربوية على بناء الشخصية المستقلة المتوازنة القادرة على الخلق والإبداع, الحرية لا تتجزأ بل تشمل الجميع أفراداً ومجتمعات حيث لا يمكن الإقرار بحرية شعبٍ نصفه مستعبد أو مضطهد أي ان سلب حرية المرأة هو نفي لكيان المجتمع الموضوعي واضطهاد إنساني لا يمكن تبرئته بأي شكل كان واعتداء على كيان الحرية ذاتها كهدف مقدس يسعى أليها الشعوب للإنعتاق من العبودية والأستراقاق والهيمنة؛ الواقع المتردي الذي تعاني منه المرأة يتطلب جرأة موضوعية تتجاوز النطاق التبريري للعادات والتقاليد التي يتم من خلالها اضطهاد المرأة وإلحاق الضرر بكيانها و دورها الاجتماعي, قضية المرأة تستوجب وتستدعي الانطلاق من رؤية منهجية جديدة وحداثة تتناول أفق التحرر الاجتماعي وسبل ارتقاءه ومواجهة أعباءه بمنظور واقعي بغية تطويره وتغيُره وفقاً لصياغة مستحدثة يتوافق مع مصلحة المجتمع وتلبية حاجاته المتنوعة والعمل للوصول إلى علاقة إنسانية متكافئة بين الرجل والمرأة وإلى بناء مجتمع متوازن يتحقق فيه إنسانية الإنسان وكرامته؛ وبالانتقال إلى محور البحث و تناول واقع المرأة الكوردية يمكن القول بأن هذه المرأة وعبر قرون طويلة من تاريخها لم تستطع بأن تتمتع بحرية واستقلال وطنها فقد ترعرعت في ظل الاحتلال بين ركام الحروب الطاحنة التي كانت تجتاح كوردستان والتي حصد من خلالها أرواح مئات الآلاف من أبناءها والتي آ لت إلى نتائج كارثية ومدمرة لبنية المجتمع الكوردي وطناً ومجتمعاً, فقد استهدف المحتلون من خلال هذه الحروب وبمساعي محمومة وشرسة للنيل من خصوصية الشعب الكوردي وإرثه التاريخي وعاداته وتقاليده وإرثه الروحي بغية أصهاره ومحو هويته الوطنية والقومية وذلك عبر مشاريع عنصرية معروفة لا حاجة لتكرارها؛ فقد سببت مجموعة هذه الكوارث والأحداث الدامية التي جرت على الساحة الكوردستانية جملة من المعاناة المأزومة والمزمنة وعقداً نفسية في بنيان المجتمع الكوردي بتركيبته الاجتماعية العامة وألحقت ضرراً بالغاً بحقوق المرأة كجزء من كيان هذا المجتمع و بدورها الاجتماعي بالإضافة إلى جملة العادات والتقاليد السيئة التي كرس و زرع في نسيج وبنيان هذا المجتمع وعبر استراتيجية مدروسة آلت إلى تكبيل المرأة الكوردية وسلب حريتها والحد من فعاليتها الإنسانية وبعثرت طاقتها وتغيبها وعزلها عن الوتائر العالية للتطور الاجتماعي التي جرت وتجري في الراهن المعاصر, حيث حققت المرأة في العديد من المجتمعات حريتها وإرادتها المستقلة على مختلف الصعد السياسية منها والاقتصادية والفكرية بالإضافة إلى فعالياتها في الحقول الاجتماعية المتنوعة الأخرى.
بالانتقال إلى الحالة الراهنة للمرأة الكوردية ومعاناتها وهمومها سيلاحظ المتتبع بأن هذه المرأة تعاني من عبودية مزدوجة عبودية المجتمع وعاداته وتقاليده والتي تتمثل في حاكمية الرجل المطلقة على كيانها وحقوقها المختلفة ومن عبودية المسيطر المستبد والتي تتجلى في المعاناة الاقتصادية والسياسية والثقافية بالإضافة إلى حقوقها الحياتية الأخرى ليؤدي كل ذلك بالمرأة الكوردية إلى العيش في واقع الاغتراب وإلحاق الضرر في كيانها الاجتماعي كإنسانة وكأنها خلقت لتبقى أسيرة ضمن جدران المطبخ وحاضنة تحضن الأطفال ووعاء جنسي للرجل. ان الواقع المتردي الذي آل بالمرأة الكوردية سببه الذهنية المأزومة المتبلدة التي كرسها المحتل المستبد في نسيج المجتمع الكوردي وبنيانه ليخلق بذلك اضطرابا وتخلفاً عاماً في سلوك ووعي إنسان هذا المجتمع و نسيجه الاجتماعي لتشويه صورته حضارياً والقضاء على مقومات المجابه لديه وأصهاره في بوتقته وتبعاً لفرانز بيكون: (فإن المحتل يقوم يومياً بإدخال العنف إلى عقول وبيوت المحتلين وهو يدخل في وعيهم بأنهم ليسوا بشراً وإنما أشياء.. ), يمكن القول بأن التخلف السائد في المجتمع الكوردي سببه الأول والأخير هو المستبد الذي يهدف إلى خلق شخصية مهزومة ومستسلمة, مكبوتة, عاجزة عن مواجهة الواقع وعاجزة عن إيجاد الحلول المنطقية لأوضاعه وإلى خلق قناعات لديه بانسداد أفق التحرر في وجهه لتؤول مجموعة هذه الممارسات إلى خلق أوضاع نفسية وأحباطات مكبوتة لدى الفرد داخل المجتمع التي تؤدي إلى ممارسات غير متكافأة ومؤلمة بين الرجل والمرآة وكمثال للتوضيح فإن الرجل يقوم باضطهاد المرأة في أحيان كثيرة تعويضاً عن حالة القهر الذي يمارس عليه المحتل ليخلق بذلك نوعاً من التوازن لحالته النفسية أي ان الإنسان المكبل بقيود المحتل يتحول هو ذاته إلى عقبة للخروج من هوة التخلف بل و يتحول في بعض مراحل تاريخه إلى أهم العقبات أمام التغير والتحرر من قيوده ذاته بسبب تعرضه لأقصى حالات الأستيلاب لإنسانيته وبسبب حالة الاغتراب المفروض عليه من المحتل فعقدة الدونية التي تصيب المرأة في هذا الواقع تجعلها تدافع بحزم عن عادات تقيدها هي ذاتها, حيث ان جملة العيوب والتناقضات تكرس في بنية المجتمع المحتل يتحول مع مرور الزمن إلى جزء لا يتجزأ من نسيجه الأحتماعي وقيمه وقناعاته وإن أي نقد أو بحث في هذا المجال هو بالنسبة له اختراق للمحظور من المقدس والمحرم أي ان الإنسان المكبل تحت نير الاحتلال هو ذاته يساهم في تكريس ما فرض عليه من قيود و يعززه وكمثال للتوضيح فأن المرأة كانت تحترم وتبجل وتتمتع بكامل حقوقها في الحقبة الزردشتية, أما الآن وبسبب من العادات الوافدة والدخيلة إلى بنية المجتمع الكوردي فقدت المرآة معظم هذه الحقوق وفرض عليها الاضطهاد ولكن ! مع كل هذا فأننا لا نستطيع ان نعمم ظاهرة اضطهاد المرأة والموقف العام منها بسوية واحدة في الأوساط الاجتماعية المختلفة لأن القضايا الاجتماعية وأشكالياتها تبقى نسبية ومتباينة ولا تتماثل من وسط اجتماعي إلى آخر ومن شريحة اجتماعية إلى أخرى بسبب التباين في المستويات الاقتصادية والثقافية داخل كل شريحة من هذه الشرائح ولكن مع ذلك يمكن القول بأن الموقف العام من المرأة داخل المجتمع المتخلف متشابه من حيث الجوهر مع بعض الفروقات والتمايز بين مجتمع الريف و المدينة هذا من ناحية و بالانتقال إلى تناول العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع الكوردي, سيلاحظ المتتبع بأن السمة العامة المميزة لهذه العلاقات هو طغيان وسيادة العلاقات العشائرية أو الشبه العشائرية في بنية هذا المجتمع ويعود سبب التخلف الحضاري هذا إلى الظروف التي ذكرناها أنفاً ولإلقاء الضوء على بعض زوايا هذه العلاقات والموقف العام من المرأة لا بد من تناول المرأة في الأوساط الاجتماعية المختلفة وقد اخترنا لذلك ثلاثة أوساط اجتماعية هي المرأة في الوسط العشائري والمرأة في الوسط الكادح والمرأة في الطبقة المتوسطة: 1. المرأة في الوسط العشائري على الرغم من التغيير الحاصل في المظهر العام للحياة الاجتماعية إلا ان الإرث العشائري الموروث بعلاته ما زال يفعل فعله في السلوك العام للفرد وتصرفاته داخل المجتمع الكوردي فالمرأة في هذا الوسط تشكل جانباً أساسياً من جوانب الاضطهاد الشبه الشامل وتحتل قعر السلم الاجتماعي ويمكن القول بأنها تعبر عن أفصح الأمثلة على وضعية القهر والاستلاب ونفي إرادة, فهي تحيا حياة استرقاق وعبودية تقضي معظم حياتها كخادمة تعمل ضمن جدران المنزل وحظيرة الحيوانات, فهي شبه محرومة من كافة حقوقها الإنسانية ولا ترث أو تشارك الرجل في اتخاذ أي قرار داخل المنزل أو خارجه فهي لا تملك سوى الإذعان لإرادة الرجل وتنفيذ أوامره وإنجاب الأطفال لزيادة نسله خاصة الذكور منهم, أما بالنسبة لزواج المرأة فتستغل لتقوية الروابط العشائرية والعائلية وتباع كسلعة من خلال المهر بالإضافة إلى شيوع عادة حيارة البنت ولو بنسب بسيطة داخل المجتمع الكوردي لإرغام البنت على الزواج بشكل تعسفي وتبعاً للدكتور طيب تيزيني: ( فإن الفتاة في هذا الوسط تُزوج ولا تتزوج.. ), كما ان الفتاة في هذا الوسط تتعرض لجريمة القتل بدافع الشرف وتبعاً د. نوال السعداوي: ( فأن شرف المرأة وشرف عائلتها في الوسط العشائري ترتبط بعفاف المرأة وبكارتها..) وان أي اختراق في هذه الناصية يؤدي إلى قتلها وهذه الجناية ما زالت شائعة في أوساط و شرائح كوردية واسعة والملفت للنظر ان هذه الإشكالية كانت تحل في الماضي بين طرفي الخلاف سلمياً أما الآن فهي في معظمه تؤدي إلى قتل المرأة واعتقد بأن هذه الجناية تتم في أحيان كثيرة تحت ضغط عادات المجتمع ذاته بسبب إسقاط العار على عائلة المرأة بكاملها ووعتها بألقاب شتى وتحت هذا الضغط يلجأون إلى ما يسمى بغسل العار الذي ينتهي بقتل الفتاة, ان مثل هذه الأحداث مجتمعة سببها هو عنصر القهر الحياتي يقع الإنسان المتخلف المقهور في شركه ويصبح ضحية لها كالقهر الذي يسببه المستبد وقهر العادات والتقاليد العشائرية البالية, الجامدة التي تشل قدرة العقل على التفكير وتمنع الموقف النقدي السليم من ظواهر المجتمع وأنظمته المختلفة مم يؤدي إلى التوتر داخل الذات ويخلق فيه جواً عاماً من العنف يمارس على من حوله وعلى أوجه الحياة المختلفة, هذا ما يجري بصفة عامة داخل الوسط العشائري.
|