|
(15) مدرسة صديقة للطفولة في سوريا |
|
|
|
منى سويد
|
|
2006-10-18 |
بعد تحضير دام أكثر من عام أطلق مؤخراً مشروع "المدرسة صديقة الطفولة" بالتعاون بين وزارة التربية ومنظمة اليونسيف،
ليبدأ تنفيذه بشكل مبدئي على خمس عشرة مدرسة انتقيت من خمس محافظات هي حلب وإدلب والرقة ودير الزور والحسكة، بمعدل ثلاثة مدارس لكل محافظة. عن المدرسة صديقة الطفولة بمفهومها، والاحتياجات التي تقتضي إدخالها على النظام التعليمي في سوريا للمرة الأولى. كذلك الفعاليات المواكبة لتنفيذها في فترتها التجريبية، وإمكانيات تحققها بشكل فعلي، تدور الأسئلة. خاصة و أن الحديث عن نوعية التعليم وجودته في المدارس السورية أخذٌ بالتفاعل، ليشير إلى مكامن الضعف، وسبل تلافيها في عملية يفترض أنها إحدى أهم الدعائم التي تقوم عليها النهضة المجتمعية.بعد إطلاق المشروع... تحديات قائمة وترقب للنتائجمفهوم المدرسة صديقة الطفولة يستند مفهوم المدرسة صديقة الطفولة على أربعة مرتكزات أساسية؛ البيئة التربوية والنفسية المحفزة على التعليم والمبادرة والنشاط التعليمي دخل المدرسة وخارجها ضمن فريق العمل، والتعلم المتمحور حول الطفل من خلال التعليم التعاوني، والتعلم من خلال المشروع والمشاركة، ويكون دور المعلم كمرشد وموجه في هذه العملية، كذلك يستند إلى التواصل الفاعل بين المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي، والتفاعل الإيجابي مع البيئة الحية والبيئة الطبيعية للمحافظة على مواردها وتوازنها. ويهدف المشروع بحسب الأستاذ بشار المصري مسؤول برنامج التربية في اليونسيف إلى رفع مستوى جودة التعليم في المدارس الرسمية من خلال مراعاة حاجات الطفل النفسية والتربوية وتركيز الاهتمام على نموه الفكري والوجداني، وتنمية شخصيته، وتعميق القيم الحضارية في حياته، مما يؤهله ليكون عضواً فاعلاً إيجابياً ومنتجاً في مجتمعه بعد إنهاء دراسته، وأثنائها.المنطقة الشمالية الشرقية تتصدر الأولويات استحوذت المنطقة الشمالية الشرقية على الاهتمام الأولي من المشروع، ويبدو أن لهذا التركيز مبرراته المنطقية كما يورد الأستاذ المصري «تعاني المنطقة الشمالية الشرقية من نسبة تسرب عالي من المدارس، وهذا يتعلق بالدرجة الأولى بنوعية التعليم المتدنية التي تفضي لهذا التسرب، إضافة لعوامل اقتصادية واجتماعية أخرى، ومنذ خمس سنوات واليونسيف تعمل مع وزارة التربية في تلك المنطقة على مشروع تعليم الفتيات، الذي يفتتح شعب خاصة للفتيات اللواتي لم يكملن تعليمهن، لذلك ركزنا في بداية هذا المشروع، على المناطق الأكثر احتياجاً». ستنان هي الفترة التجريبية التي سينفذ بها المشروع، سيصار بعدها إلى تقييمه، وعلى ضوء النتائج «سنحاول الاستفادة من النتائج الإيجابية، وتلافي السلبيات، ومن ثم قد نتوسع في هذه التجربة لتشمل 100 أو 200 مدرسة أخرى، ونأمل أن تكون المدارس الـ (15) بمثابة بؤر تنويرية تنتقل من خلالها العدوى الإيجابية للمدارس المحيطة بها، لتصبح أيضاً مدارس صديقة للطفولة».الفعاليات المواكبة للمشروع في سياق الإعلان عن المشروع تم طرح العديد من المبادرات التي ستواكبه، وستساهم اليونيسيف في دعم عدد منها: كالتدريب ورفع الكفاءات في مجالات التعامل مع الأطفال، وتشجيع القراءة والمطالعة عن طريق رفد مكتبات المدارس المستهدفة بالقصص الهادفة للتلاميذ، والكتب العلمية التربوية للمعلمين، وتحسين البيئة المدرسية- المكانية والنفسية للتلاميذ، والحث على جعل التلاميذ محور العملية التربوية، داخل غرفة الصف وخارجها بشكل فعلي، وتشجيع المبادرات التي ترغب الطفل بالبقاء في المدرسة حتى إنهاء المرحلة، وبتحصيل دراسي مرض، كالنشاطات اللاصفية، والتركيز على تدريب الطفل على المهارات الحياتية والمهارات المعيشية، جنباً إلى جنب مع تنمية معارفه ومواهبه، ونشر ثقافة احترام حقوق الطفل، والامتناع عن ضربه أو إهانته، أو التمييز ضده أو ضد أهله بأي شكل من الأشكال، والحث على احتضان كل طفل، مهما كانت قدراته، وتوفير جو مرحب لذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على توثيق الصلة مع أولياء أمور التلاميذ، والمجتمع المحلي، خدمة لمصلحة العملية التربوية. من جهة تبدو تلك الأهداف والفعاليات غاية نصبو إلى تحقيقها في مدارسنا، التي عانت ما عانته خلال عقود مضت، من سياسات ارتأت أن المعلومة النظرية المحفوظة عن ظهر قلب، هي الترجمة الفعلية لنجاح السياسة التعليمية، لتكشف تلك السياسة فيما بعد عن أهوال ما خلفته من آثار تركت بصماتها على تلاميذ تحولوا إلى آلات تسجيل، تردد ما تلقن به دون أدنى إعمال للفكر، هذا دون احتساب الضعف الذي يعتري العلاقة الرابطة بين المعلومات النظرية ومدى قدرتها على التوظيف في التطبيق العملي. يقول الأستاذ المصري «العمل على إكساب الطالب مهارات الحياة كمهارات وعي الذات والتعاطف مع الآخرين والتواصل والتفكير الناقد والإبداعي، هو بطريقة أو بأخرى بمثابة الرد على طريقة التلقين والجمود الذي تنطوي عليها مناهجنا، وندرك تماماً أن فاقد الشيء لا يعطيه، فالمعلم الذي لا يمتلك مهارات الحياة لن يستطيع تصدريها لطلابه، لذلك سنعمل أولاً على تأهيل المعلمين ومديري المدارس وتدريبهم على تلك المهارات». ولكن ألا يتطلب تحقيق أهداف المدرسة صديقة الطفولة إلى جانب تأهيل الكادر التعليمي، اعتماد منهاج مرن يتلاءم وتلك الأهداف؟ يضيف الأستاذ المصري «نحن بانتظار البدء باعتماد المناهج التي تعمل وزارة التربية على تعديلها، ولكن حتى ذلك الوقت، ستلتزم مدارس صديقة الطفولة بالمناهج الحالية». إذاً تبدو المهمة ليست بالسهولة التي تفترضها عملية وضع العناوين على الورق، وهو ما يمضي بالحديث للخوض في التطبيق الفعلي للمشروع.. كي لا نبقى مرتهنين للعناوين التي يلهي بريقها في أوقات كثيرة عن الترجمة العملية لها.. وإن كان المشروع في مراحله الأولية وبانتظار الخطط التطويرية التي سيقترحها مديري تلك المدارس، يقول الأستاذ المصري «علاوة على المشاركة في تأهيل وتدريب المعلمين ومديري المدارس، قدمت اليونيسيف مجموعة من الكتب والقصص لكل مدرسة لتشجيع القراءة والمطالعة، ومن الأمور التي يتم التركيز عليها حالياً؛ إشراك التلاميذ في بعض أعمال المدرسة، وتفعيل العلاقة ما بين المدرسة وأهالي التلاميذ، عن طريق تحويل مجالس أولياء الأمور من مجالس صورية إلى مجالس فاعلة، والعمل على أن تكون العلاقة ما بين المعلم وتلاميذه علاقة أبوية تربوية، من خلال تمليك المعلم وسائل بديلة للعقاب، لمنع اللجوء للضرب واستخدام الإهانات اللفظية، وقد تزود اليونيسيف بعض الشعب في تلك المدارس بطاولات وكراسي، للبدء بتغير الجلسة النمطية للتلاميذ، وتفعيل النقاش فيما بينهم».تحديات المشروع مشروع المدرسة صديقة الطفولة وكما هو منصوص عليه يفترض توفير بيئة تعليمية صحية للأطفال، تكون المدرسة بمثابة الصديق والداعم لهم. وضمن واقع تعليمي يتسم بتدني نوعيته، كمشكلة تعاني منها معظم الدول النامية، تنبري جملة من التحديات أمام عمل يتطلب القيام به جهود جادة على مستويات متعددة، فالعنصر البشري هو عامل حاسم تقع على عاتقه مهمة التغيير، ويتوقف عليه نجاح أو فشل العملية برمتها يقول الأستاذ المصري في هذا الإطار «التحدي الأكبر بالنسبة للمشروع، هم الأشخاص الذين سينخرطون فيه، سواء أكانوا مسؤولين أم معلمين، أو مستخدمين في تلك المدارس، ولن نستطيع الوصول إلى أي نتيجة إيجابية دون توفر الرغبة لديهم في إنجاح المشروع». على جانب آخر، يهدف المشروع إلى تحسين البيئة المكانية والنفسية للتلاميذ وهذا بدوره يفضي إلى تحدٍ من نوع آخر «هناك معوقات مادية بلا شك، ففي الوقت الراهن، لا يمكننا إعادة تكييف بناء المدارس وفقاً للشروط التي تفترضها المدرسة صديقة الطفولة، ولكن نأمل أن تعمل وزارة التربية على مراعاة تلك الشروط في الأبنية التي ستشيدها في المستقبل، كذلك لا يتوفر في جميع المدارس المستهدفة مرشد نفسي اجتماعي، لذلك طلبنا بشكل صريح توفير مرشدين لهذه المدارس وسنعمل على رفع كفاءتهم للتعامل مع الأطفال والمشاكل التي قد تواجههم». مشروع المدرسة صديقة الطفولة الذي يخطو خطواته الأولى، مازالت أفق تحقيقه مفتوحة على احتمالات عدة وفقاً لما سيطرحه التربويون والمعنيون بتطوير النظام التربوي من أفكار ومبادرات جديدة، ومرهون كذلك بحجم المساعي الجادة لتحقيقه والتغلب على معوقات، بات من المعيب الوقوف عندها، ونحن نرنو لمستقبل سيصنع بأيدي أطفالنا، فأي مستقبل نريد؟ وفي أي بيئة نريد لصناع هذا المستقبل أن يتشربوا أصول مهنتهم؟ منى سويد - "(15)مدرسة صديقة للطفولة في سوريا"
|