|
أحمد جوني
|
|
2006-10-18 |
الزلزال (1) ذاكرة... "بعيداً عن بوادي النفس القاحلة والأزمنة المنسية وثلاجات الضمائر وأناس الدرجات ما دون الكرامة. أتشجع وأبحث عنكَ من جديد، تاركة ورائي فلول الانتظار. رحلة في عوالمكَ الماورائية أعتزم القيام بها. زمن للتحولات الجذرية في الحواس: البصر.. السمع.. اللمس..إنها بالية أستعيض عنها بحاسة الألم". مازلت أذكر قولكَ لي في غابر اللحظات: إن أردتِ التفكير بي يجب أن تتألمي كي تتكاثف قطراتي في سحب الذاكرة، وتهطل حلماً. وللحلم تحولات وأطوار ينمو خلالها ويتشعب حتى يصل إلى صخور الواقع وتتفتت جذوره عند ملامسته إياها. أفتح عينيَّ وأنا في ديمومة اليقظة على صوت نقراتٍ خفيفة على زجاج الذاكرة. ذاكرة... " أفتح نوافذي.. أتناول يدكَ.. ألثمها بخشوع..تتراجع وتغوص عميقاً بين تلافيفها.. لا أقوى على فراقٍ جنيني.. تخرج من أناملي أظافر وحشية.. أمزق أوصاله". عشرات السنين بل المئات منها، تتجمع كذرات الغبار على هيئة كتبٍ ومجلدات اتخذت من المكتبة جنة التاريخ البشري. كتبٌ صفحاتها التهمتها طفولتي، في سنوات الشوق والحنين والابتسامة المستديمة، عندما كنتُ أنتهي من فروضي المدرسية. أجلس ساعاتٍ وساعات، أطالع سيرة بني هلال وألف ليلة وليلة، منغمسة في حنايا البطولة والأمجاد، بنهم الجائع منذ ما قبل الخلية الأولى لنشوء هذه الحياة العفنة. ربيع الطفولة المسافر في صندوق الألعاب السحرية للقدر، دروب طويلة سلكتها للوصول إلى عامي الحادي والعشرين إلى هذه اللحظات اليتيمة في عتمة الأيام المقبلة. مرحلة جديدة أعيشها بين الأسلاك الشائكة التي تفصلني عن أزمنة الانتظار الرهيبة، وحدائقكَ البابلية المعلقة بين النيازك الشاردة في الخلاء الكوني المظلم. ذاكرة... "قريبٌ أم بعيد، تتسكع في مثل هذه الساعة المتأخرة من الحب في شوارع الذاكرة وأزقتها اللامنسية. تعدو بسرعة.. إلى أين..؟ إلى مشارف النور.. إلى حياتكَ الأميرية على عرشٍ من قلب". أعود من نزهتي الومضية،لأراقب من خلال مرآتي السحرية، ما يحدث خلف أشجار الليمون والباب الحديدي. نار متأججة وسط الساحة، ترقص حولها مسوخ خرجت من أوكارها، وقد اعتدتُ على هذه الطقوس الوثنية، التي تقيمها نساء القرية، منذ أن وارت ظلالي الشرفة (المقزَزة) للمنزل الواقع في الحارة الشرقية من القرية. معتقداتٍ أني صعدتُ إلى القمر، بعد أن تحورت ذراعي إلى جناحين وحلقتُ في ليلةٍ تخلو من نجوم السماء. إلا أني اعتكفتُ داخل منزلي، سابحة في أفاقٍ تنويرية من التاريخ المنشود للقرية، أبحث في لحظة التكوين والاصطفاء الإلهي للمخلوقات، لأجد وسيلة تخلص هذه المسوخ من صورتهم البهيمية. فقد بنيتُ داخل المنزل في حجرة مهملة كانت فيما مضى للمؤونة، مختبراً بيولوجياً، أجري التجارب على حموضهم (النووية) التي تحوي برامج ورائية متمثلة بتتابع معين من جزيئات متناهية في الصغر تنتقل من جيلٍ لآخر، وتؤدي إلى تركيب عدد غير محدد متن البروتينات. بيد أنه من خلال دراستي الدقيقة لخرائطهم الوراثية تبين شذوذ في الصبغيات،على شكل موجات من الطفرة أحدثت تغيرات في المورثات. وهذه الأخيرة في تبدلٍ مستمر، تنشأ عنه أجيال تكون في المستقبل أكثر مسوخية، إلى أن تنتهي حشراتٍ تزحف على أديم الأرض. استنتاجات خطيرة، ولايمكن فعل أي شيء، حيال ذلك، وقد ختمتُ أبحاثي التي دامت وقتاً طويلاً بعبارة: ((سأفوض هذا الأمر لله.. ))، وأقفلت المختبر إلى غير رجعة.***(2) نمت الحشائش حول المنزل، حتى أدركت السطح المطلي بالطحالب، واختفى الباب الحديدي والنوافذ خلف أشواك الصبار. أما أشجار الليمون، هي المخرج الوحيد من طقوس الخداع والكذب ونشوة القلوب الحجرية. أمتطي لحظات الغسق، متجولة بينها، أجني ثمارها الناضجة، لأصنع شراباً أرتوي منه بدلاً من مياه النبع الذي تتغوط بالقرب منه تلك المسوخ بعد ساعاتٍ من البحث عن حشرات وقوارض تقتات عليها. جاعلة من رائحة الليمون حبراً، أسطر على أوراقه سفناً تمخر عباب الذكريات، عند هبوب رياح قادمة من الماضي. أصم أذني عن السموم التي تلفظها أفواه النساء، وهن قابعات كالفراعنة في مجلس الهيبة والوقار والتأليه حول أعمدة النار، يراقبن أشباه رجالهن بعيون نسجت على شبكيتها أعظم اللوحات التي رسمتها أيدهن من أشكال جديدة ومتغيرة نحو الأفضل للجنس الآخر. والمؤرخة تدون على صفحاتٍ من ذهب ما يجري، لتجعل من هذه الأحداث ملاحم تحكي عن عظمة نساء القرية في العصور الأنثوية القادمة. عند حلول الظلام أركن بين متاهات الرقم المسمارية وطلاسم اللغة (الهيروغليفية)، أفتش أوراق البردي حتى تلامس نظراتي أحرف اسمكَ، وأنخرط معها في حوار مقتبس من خلوتكَ في معبد القمر. أنتِ.. صوتكَ بعيد.. قادم من خراب سدوم وعمورة.. نجم.. آتية إليكَ.. سأرسل بساط لريح.. ((جميلة.. أليس كذلك يا أحلام..؟)) أتمتم في أعماقي وأنا أتأمل وجهي في المرآة. أتابع: ((ستغدين أجمل عندما تطأ قدماكِ عتبات معبد القمر)). ألملم شعري تحت الخمار وأهبط السلم الحجري المؤدي في سرداب طويل يمتد إلى ظهر القرية حيث معبد القمر. أنطلق مخطوفة بلقاء سرمدي، ابتسامات كالبرق ترشدني إليكَ. ***(3) ذاكرة... " ها أنا أبحر من جديد عبر سلالة الجنس البشري. أجمع إرث الحضارات لأصنعه تمثالاً لكَ بجانب الحلم. "جلجامش" يعود مرة أخرى للقاء "انكيدو". يحدثه عني.. عن صرخة أخرى في كوة الزمن الملتهب. يحدثه عنكَ.. عن آذان لم تعد تسمع سوى باب الرضوان، يفتح على كلمة أحبكَ ويغلق على كلمة أحبكَ. عن العين وهي ترصد العنقاء سابحة في ظلمات المستحيل". عودة مرة أخرى من النزهة الومضية، يجب أن تعذرني أيها العالم المادي، الذاكرة هي الحالة المثلى لتقمصي وانبعاثي. أراقبكَ وأنتَ جالس في محرابكَ.. في صلواتكَ، بخشوع يطفو على أمواج الورع. أزرع الأرض جيئة وذهاباً، فجأة يتوقف سيل الخطوات المكوكية أمام حركة،متأكدة من خلالها أنكَ قد طويت خلوتكَ لهذا الوقت. تتجه لتجلس على المقعد الحجري، ترمقني بنظرة أعتدتُ على ارتدائها شاشة تعرض عليها ملاحم التاريخ البشري. أشعر بقوافل من الكلمات على وشك الخروج من بوابات الجمل الألفية. هيا تكلم.. لاتزهق الوقت، الصمت ينخر الأثير. أحلام.. صوتكَ مفعماً بالاستفهام. أراكِ زنوبيا ملكة الشرق. ينتقل الاستفهام والتعجب ليحط رحاله على وجهي. تنهض.. تخطو نحوي.. تقترب من شاشة العرض.. تنحني.. تلثم راحة يدي.. ثم تزيح الخمار لتداعب خصلات شعري الأجعد، تقربها من أنفكَ، تستنشق عطرها وتتأمل بريق عتمتها. تعود مرة أخرى لتحضن راحة يدي. أشم رائحة الدم تعبق من بصمات أناملكِ. ماذا..؟. أرى ثأركِ من "أوريليان" يزحف على نهايات أظافركِ. كف عن هذا أرجوكَ. أقول متوسلة.. لكنكَ تعود لتهذي من جديد بعد أن أدركتَ "النبيذ والخمر" قرب الشمعدان. أتخافين مني..؟. لا.. أحبكِ وأقدسكِ كملكاتٍ حكمت الشرق يوما. أقول مستاءة: لستُ ملكة ولن أكون.. فتاة أنا في نهاية القرن العشرين تحبكَ ليس إلا. نظراتكَ كالجوارح تحلق في عينيَّ، تبحث وراء البصر عن كنوزٍ فقدت في خضم الأحداث التي توالت على القرية وغيرت من معالمها. هل أعجبكِ..؟. أحلق بابتسامة فرعونية طغت على وجهكَ. أحب النبيذ والخبز كما أحبكَ. عبارة تتصاعد دائماً مع أبخرة النشوة الروحية، إلى أعالي الحب والاندماج الكوني. *** (4) ذاكرة... " هنا في معبد القمر، أنمو قبل أواني بآلاف السنين، شجرة الغار المقدسة لديكَ. تحيكُ من رائحتها أرواحاً تهيم إلى الفجر البعيد. تسافر على أوراقها من مقتل "هابيل" إلى الطوفان، لتستقر مع سفينة نوح عل قمة "آرارات". تبدأ عهدأًً جديداً من نور الشمس، تتغذى عليه قبائل وشعوب تسكن أقنية النسغ الكامل في ساقها. جذورها تمتد إلى ما قبل البلازما والكريات الحمراء". أعود لأهبط على نجمكَ المستنير ضاربة عرض الحائط بجبروت صمتكَ..غير مبالية بشظاياه الحارقة. أشيد من الفوضى مدناً تعصف بأبنيتها رياح التاريخ وظلمات الأزمنة المتوالية. أنتَ إنسان منذور، لترى التاريخ من خلالي، كأنكَ تستشف من بؤرتي غياهب الحضارات الضائعة. مازلتِ صامدة أمام باب حصن خيبر.. تعترف أنكَ رجل الصمت الأعظم. الصمت هو العلاج السحري للخوف. تقول لي مبرراً الفقر المدقع في بوادي الكلمات الهزيلة. ها أنا.. الآن في سنوات ما بعد اعتكافكَ داخل معبد القمر، أقترب من غيلان الحب التي تسرح في جزركَ، لتألفها قيعاني، وتكون زمن الانبعاث فينا بعد. نحن نعيش في عصر ما بعد ضمور العقل، المسوخية هي الحلة الجديدة، التي تزين بها نساء قريتنا رجالهن. أغادركَ قبل أن يدرك شهريار الصباح، سأرجع إلى جحيم رماله المتحركة تسحبني إلى حقول التساؤلات الملغومة، تمطرها لحظاتي حول مصير القرية بمسوخها. أستلقي على السرير، أغوص في حلم ينتظرني منذ مدة على جانبي الوسادة. لم تتعكر خلايا وأنسجة أعضائي بدخان هذه النار الجرثومية.. رياح اللقاء بددت سحبها السوداء. *** (5) ذاكرة... " عتمة باحت بأنوار، اعتلت جبهة الريح الشاردة، كأنكَ على موعدٍ مع قهقهة الحب سبقته إليكَ كثبان من الأنجم، لتكون أساور تضيء، حقبة من العمر، لا تشبع عين القدر، بعد أن طمعت غربانه بما تبقى من عظامي الراقدة في صمت التراب. كتبتُ عليها خواطري بأقلام السنين، ومداداً من الدموع الأولى، عن طفولة الحب في رياض الجنان، عن شبابه المقمر في ليلٍ ثلجي الشرفات، عن منازل موعودة بها في ملكوت عينيكَ". أعود من تعويذاتٍ وترتيل على أضرحة الحقبة الأمسية، بعصورها اللحظية، بين شتاء الخوف وربيع الأمل. لكن هناك طقوساً أخرى، انفصلت عن مشيمة الحياة الجديدة، والتبدلات البيولوجية للمسوخ التي تنبأت بها أبحاثي. أرصد تحوراتٍ في أطرافها، حيث غدت كالجرابيات، نمت لها مخالب تنبش التراب بحثاً عن الديدان والرخويات على الوجه السفلي لأوراق النباتات. أذناب قاربت المتر في طولها، تغطيها حراشف قاسية تحميها من لسعات الأفاعي، ويغطي بقية أجسامها وبر ناعم، يرد عنها برودة الشتاء ورطوبة الجحور العميقة. أحس أن العصب البصري، سيصاب بعطب نتيجة تسلل جرثوم التغير المناخي للقرية، أهدابي رست على نهاياتها، غبارٌ من قادم الأيام. شروخ وتصدعات أصابت جدراني الاستنادية.. فيضان من صنع شيطان.. ترك بصماته عليها. ***(6) ذاكرة... " كشهابٍ أهوي شاردة بين قطرات المطر. أسافر إلى غسقٍ أضناه الإحتراق. أنتظر بذوغكَ من موجات النار، حرارتها طلاءٌ لبشرتي الثلجية. أجواء تحلق في حرمها الطيور المهاجرة إلى استوائيتكَ. موعودة بغلالٍ من الدفء انفصل عن مشيمة الحب وانجرف بشلالٍ من الدم.. استقر على قمةٍ من ضباب". صباح لأشجار الليمون كان، انضم إلى فيالق الصباحات الجديدة. أبي السيد مقداد هذا الكائن الشرنقي، الذي يقطن وراء خيوط شرنقته، في دهورٍ من التأمل، عيناه تسافران خارج نظارته، بين الكواكب والنجوم تبحثان عن سر الحياة في السحب السديمية. تلك الشرنقة تحميه من تغيرات بني جنسه، فقد سرت شائعة في الآونة الأخيرة حول اختفائه. يقول البعض أنه هام على وجهه في أصقاع المعمورة. أذناه لم تعودا تسمعان سوى كلمات الله.. تحثه على الخلاص من كل دنس قد يلحقه به قاطنو هذه القرية المنكوبة. أما والدتي السيدة كريمة أخذت على عاتقها الاندماج مع أبي، هي الأخرى تتقوقع داخل غرفة تفضي إلى الطرف الآخر من المنزل،تتناوب على قراءة الكتب المقدسة على ضوء الشموع الخافتة، منعزلة تماماً عما يدور في قلاع الإسمنت من تطورات. أصطحب معي إلى البستان كل صباح ظلالكَ الوارفة كي أتفيء بها، وأنا مضجعة على الأرجوحة. عالمي المادي ينتهي عند الواجهة الزجاجية للشرفة، ينتظرني حتى أعود من طقوسي. (( أنتِ أيتها الفراشات لم تتغيري.. لم ينل منكِ مبيد الحشرات.. صمدتِ أمام رذاذ الموت.. أحسدكِ.. عمركِ القصير ينقذكِ من متاهات الحياة وتحولاتها..)). ألقي نظرة خاطفة إلى الداخل، لأجد ثنائي الرهبة في اجتماعٍ غير تقليدي، لم أعهد هذا من قبل، يتهماسان في موضوعات ٍتخص طقوسهما، أو أنهما تنبأ بظهور فتى للأحلام في الأفق الكروي مصنوع من المرمر، علي انتظاره عند أبواب السعادة. (( البنت مصيرها الزواج، قدر يمر ويعود عبرها منذ تكونها في رحم أمها، إنها سنة الحياة)). عبارة أمي الدائمة، ألفها في الماضي صيوان أذني، والعظيمات الثلاث عزفتها بمهارة زمار الحي. أضحكُ بسخرية، تخمين كهذا بعيد جداً عن إدراكات مخيلتي. أعود إلى الحلم،أتأملكَ قي مرآة الزهور، وهي تتمايل مع خفقان أجنحة الفراشات، يمثل في حضرة ذاكرتكَ تجمهر النبضات، تعزف للذكرى سمفونية /بيتهوفن/ الحادية عشرة. ابتسامتي منذورة لكَ، كما الحياة منذورة لملاك الموت نهاية المطاف، أقدم الأيام قرباناً حتى لا ينضب ينبوعها. اجعلها تنزوي في زاوية من زوايا معبد القمر، ترفع أطيافها صلوات تطلب من "بعل" أجنحة تحلق على أقواس قزح. يتوقف سيل الحلم عند الظهيرة، لأعود إلى وجودي الملموس، عند الواجهة الزجاجية للشرفة، التي ألازمها منذ عودتي مؤخراً من معبد القمر. أجول بناظري في بهو المنزل، بعد أن خلا من أقطاب الورع اللذين عادا إلى زوايا الشموع وخيوط دودة القز. أدخل الغرفة، تبتعد بي الساعات إلى صفحاتٍ من ديوان لأحد الشعراء، كي تتناول الروح الكئيبة جرعة من أبيات للشاعر/ العباس بن الأحنف / في قصيدته " فوز"، القصيدة تنساب رقيقة صافية: أميرتي، لا تغفري ذنبي فإن ذنبي شدة الحـــــــب حدثتُ قلبي دائماً عنكمو حتى قد اسحييت من قلبي أهرب إلى الشعر، أغرق في بحوره، باحثة عن تفعيلات تكون الميزان الحيوي للسنوات القادمة. عند مجيء شمس الأصيل في عربة من الدفء، تجرها خيول من نور، أغلق الكتاب وأرمي به على السرير، لدي رغبة عارمة بتجديد هواء الغرفة، أدفع بكلتا يديَّ درفتي النافذة. تعبق الغرفة برائحة الليمون الممتزجة مع رائحة انبعثت من معصرة الزيتون. أه تذكرت..، إنه موسم قطاف الزيتون، تخرج النساء إلى الحقول لجني الثمار. هذه الثمار لم تعد تحمل في هيكلها ذلك الزيت الشبيه بماء الذهب، وإنما زيت عكر كقلوب من يقطفنه. آخذ نفساً عميقاً، أحتفظ به أمانة لدى رئتيَّ، أغمض عينيَّ، أسافر مع ذرات الأوكسجين إلى الكريات الحمراء، رحلة إلى سر الحياة، ووجودي على السلم الموسيقي للأقدار، أرجع مثقلة بثاني أوكسيد الكربون، الذي يحمل في الفراغ بين النوى والكتروناتها خيبة أمل ألفظها مع الزفير. لكن أشعر أن أحدهم يراقبني، أفتح عينيَّ باحثة هنا وهناك، حتى تستقر على كائن يسترق النظر من بين الحشائش في الطرف الآخر من البستان، أحدق جيداً، إنه مسخ يحدق بعينين، تبدو عليهما البلاهة. يزحف الخوف إلى جسدي بعد أن أدركتُ أنه هرب، سيخبر نساء القرية بالتأكيد سينفجر بركان جنونهم لا محالة. تصاب حواسي بالشلل، لا قدرة لي على التفكير ولا تصور لهول الكارثة التي ستحل بي. ((أنا التي صعدتُ إلى السماء بجناحين من الزمرد.. أنا من يقطن جبال القمر وسهوله أبني لنفسي أكواخاً من رمال.. أبحثُ عن ضالتي في الجانب المظلم منه.. أشعل سراجاً من دمي.. أراه من القمر شبحاً يطوف طرقات القرية.. يا من بلا جسد عليكَ بركتي.. يا من يصقل من الطين جوهرة أنا من يسكنها.. يا من يبحث في أنياب الأفاعي عن سم زعاف أنتَ متذوقه.. يا من يشعل النار في كومة حطب إليكَ دفئها ووهجها.. أنا التي أجوب الأفئدة.. وأترك كسرة خبز في جوف من هو جائع.. ودمعة ماء في حلق من هو ظمآن..)) أنها بعض من تراتيل، يتلونها يومياً من المغيب حتى ساعات الصباح الأولى، حول النار في الساحة. ستختفي تلك الكلمات من الأفواه، وتتهشم أوقات الجلوس النارية. ***(7) ذاكرة... " هاربة أنا.. إلى الأبجدية لأصفك كالنور في ظلمات الغياب، الذي اصطفاني من يين البائسين، لأرفع الشراع وأبحر على رقاقات الفجر.. قاصدة ألف ليلة وليلة من عالمكَ السرمدي حيث أتسامر مع الظنون، وهي تتراقص أمام "هودج الخفايا" الذي دثرته بشموس جمعتها من أريج السماوات، تصطف الواحدة تلو الأخرى، تمد غمامها جسراً تعبر عليه ابتسامة غيبتها بحار الحزن الهائجة. أجعل من هستريا الوقت، قطرات تتجمع على صفحة وجهي، تنبت مرآة، تعكس من خلالها صورتي على هيئة "مستحاثة " من العصر " الجيوراسي" تنزوي بين التماثيل الأخرى في حديقة الحواس". ترى.. أي مكان سيكون ملجئي..؟ هل أهرب إلى التراب وأختبىء بين ذراته..؟ أم ألجأ إلى إحدى العتبات المقدسة خارج القرية..؟ أطلب الحماية من " منغولية" نساء القرية. هل أصنع خياشيم وأغوص لأعيش مع الأسماك في لأعماق السد..؟ أم أنزوي في معبد القمر واحتمي خلف أعمدة النور..؟ تعبث بي فوضى اللحظات الحرجة، تقذفني إلى " ماغما" العقاب، لأنصهر بين أنياب هؤلاء النسوة. بعد ساعاتٍ ربما.. سأشق طريقي إلى المحرقة في ساحة القرية، وأتهم بالدجل والتضليل. حقد دفين سيكوي عظامي، جمراتٍ تطفىء أخر معاقل النور في " سيتوبلاسما" الخلايا، الثواني حراب في ترائبي. الحبل السري بيني وبينكَ سيقطع بالساطور، ويرمى به إلى الكلاب الشاردة، أما صبغة الميلانين لبشرتي فستغدو ليلاً بلا قمر ولا نجوم. أسمع من بعيد أصوات تلك المسوخ البهيمية، تعزف سمفونية الأجداث الغضة في أوبرا المصائر. الرايات السوداء، تخفق فوق قلاع الإسمنت حتى كادت تغطي سماء القرية، فقد تلطخت بدم النعاج المذبوحة، تعبيراً عما يجول في "شيطنة " عقولهم، انتقاماً لأعمدة النار المتوارية تحت الرماد. سيحتفلون عما قريب بالذكرى الأولى لرحيلي وراء هدير المحرقة، وهي تأكل أعضاء جسدي، سيشربون دم النعاج ثلاثة أيام بلياليها حتى الثمالة. أغلقتُ بوابات التفكير وألقيته في سلة المهملات، المركونة بجانب الرمق الأخير، انتظر دنو أجلي. ذبذبات الموت تخطو على الطريق المؤدي للمنزل، أشاهد من خلال مرآتي هذا الزحف السرطاني لنساء القرية، وقد ارتدين الأسود ثياباً، وصبغن عيونهن بدم النعاج، وحملن أدوات الفتك من سيوف وخناجر وسواطير. أما المسوخ فقد توزعت بشكل عشوائي حول المنزل وبستان الليمون. اقتربت بعض النسوة من المنزل، يحملن الوقود في براميل متوسطة، وسكبن هذا الأخير حوله. (( ياإلهي..)) أقول في سري.. (( سيحرق المنزل بمن فيه..)) ثم تراجعن إلى بقية الأخوة، لتقترب إحداهن وتلقي خطاب الموت عليهم، فتنفجر حمم الكلمات الخبيثة من فمها، الذي يقطر ألحاناً من السموم. (( سنقتحم المنزل، ونخرج تلك الملعونة إلى الساحة، سنجتث لسانها من الحلق، ونجبره على الاعتراف بما يخبىء هذا المنزل من أسرار. سنمزق جسدها المكتنز والغض ونجعل منه وليمة دسمة للضباع ثم..)). تشير بإصبعها إلى المسوخ التي يسيل لعابها على الأرض، وتطلق على شكل ضحكاتٍ بشرية شريرة لدى سماع هذا الخطاب. (( ستشرب هذه المسوخ دمها القاني، لترتوي حتى آخر نقطة منه، ثم نقص شعرها الذي تتباهى به، ونجعل منه مكنسة تنثر رمادها في الأفق..)). رفعت النسوة أيدهن مؤيدات لهذا الكلام المسعور، فرحاتٍ بحمام الدم الذي سيغسل حقدهن بعد قليل. ترتعد فرائصي وأدور حول ذاتي، الجنون يدعوني إلى نزهة في عالم الضياع. إنهن ينصتن لدقات الساعة، حتى تشير العقارب إلى حلول ساعة الصفر، ليباشرن، تطهير القرية من دنسي وخداعي. لكن ماذا يحدث..؟ الرعد وتوأمه البرق يغادران السماء إلى الأرض لتطلق غضبها الكامن، أشعر أني أتمايل في كل الاتجاهات. نظرت في المرآة السحرية، صعقتُ لدى رؤية النساء وهن يغطسن إلى جوف الأرض مع أشباه رجالهن، أما قلاع الإسمنت فقد تداعت جدرانها وسويت تماماً بالأرض، وخزان المياه العجوز تدحرج بعيداً إلى أسفل الوادي. هرعتُ إلى والديَّ لأجدهما في وسط البهو، وقد التصقا كأنهما كائن واحد. توقف كل شيء.. الغضب همد..هستريا الطبيعة توارت خلف السماء. أعود إلى غرفتي..إلى مرآتي، أتأمل ما حدث للقرية، لم يبق سوى منزلي ومعبد القمر. تنفستُ الصعداء، جلستُ في زاوية الغرفة أسند ظهري إلى جدار وأضم رأسي إلى ركبتيَّ، وكطفلةٍ أضاعت لعبتها، أخذتُ أبكي هول الكارثة التي حلت بالقرية. أنهر من الدموع سقت بساتين الثوب، وبللت خصلة من الشعر ملقاة على جانب وجهي. سافرتُ على بساط النوم لبعض الوقت، كي أفيق على زقزقة عصفور الكناري، ينقر زجاج النافذة، نهضتُ كمن يحمل جبالاً على ظهره، وصور الساعات الماضية تنخر الدم. فتحتُ النافذة.. فإذ بالعصفور يحط على راحة يدي، أشعر بحرارة جسده الضئيل، تنسال عبر الجلد تبعث نشوة الحياة. يغني بصوتٍ تنصت له كائنات السماء والأرض.. أغنية كلماتها رسالة لي، لقد تعلمتُ لغة الطيور وأتقنتها جيداً، لدى ترددي الدائم على معبد القمر. (( حان الوقت..لتبعثي من جديد..حرة أنتِ كالروح الهائمة في ملكوت الرب..أطيافي تنتظركِ عند باب المعبد.. لن يكون هنالك ليل حالك بعد الآن.. أنتِ الفصل الخامس من العام..تتجمع في ظلالكِ كل الكائنات.. تشهد لكِ الحب الدائم..أرتدي الأيام الآتية..وضعي خماراً على رأسكَ.. من دمي تصنعين الشموع التي تضيء كل ركن في هذا المعبد.. تعالي إلى أزمنة الأرجوان..نحن ظلال أبوينا آدم وحواء.. الغد سيطلق صرخة الحضارة في كل شبرٍ من القرية..بدلاً من مدنيتها الزائفة.. أنتِ الوريثة الأزلية للحلم..صونيه جيداً ودعَّي أشجار الليمون وارتدي ثوب اليخضور الدائم.. أناملي تتوق لتلمس وجنتيكِ الثلجيتين..)). برهة أسجن خلف قضبانها، هذه الكلمات قلادة أزين بها صدري. ***(8) ذاكرة... " هاأنا أروي الأساطير التي حاقت بأطلالك الغافية..في حنايا السكون.. تعتمرها الرواسي الملقاة على القلبي.. غدواً وعشياً..تقتحمها فوضى الدهر..كلما رست على شطآن الماضي الجديد والحاضر العتيق.. الممتد على الأهداب". تبدو على سماء وجهي غبطة تحبو على وجنتيَّ تزحف نحو الأعلى إلى داخل الأجفان وتأخذ من الدموع مصيراَ لها. (( مباركة أنتِ.. يا مستنقعات الطحالب والأشنيات لتغرق في مياهكِ البعوضية.. آخر الحشرجات وخيبات الأمل..)). قررتُ أن ألغي جنتي الماضية، بل أحرق مروجها وأقتلع غاباتها، وأجفف مياه ينابعها، لأشق طريقي إلى ساحة القرية، ميممة وجهي شطر معبد القمر. قاصدة جنة أخرى.. جنة الطيور الزمردية والقصور الياقوتية، تخطفني حوريات بحورها إلى مملكة اللؤلؤ.. أصنع منها سلالم، لأصعد معكَ يداَ بيد إلى قرص الشمس وننصهر مع الضوء المنبعث من مركزها. --------بسم الله الرحمن الرحيم (( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون))- الآية 182* سورة الأعراف -صدق الله العلي العظيماللاذقية- 18/11/1998 أحمد جوني - "طقوس للذاكرة" |