|
عبد الحفيظ الحافظ
|
|
2006-10-18 |
عندما سكن الصمتُ أزقةَ البلدة، وانطفأت عيون آخر بيتٍ فيها، ضج رنين الهاتف. أصغيتُ إلى المتكلم، فجاء صوتٌ أنثويٌّ:
أنا صباح قلتُ: أنا أبو ورد قالت: أنا صديقة حنان التي طلبتَ يدها. يا سيدتي: الزواج قسمة، وليس لنا بالطيب نصيب، أهلاً بكِ، وأشكركِ على هذا الاتصال. كلكَ ذوقٌ يا أبا ورد، لكَ بالطيب نصيبٌ إن شاءَ الله، لقد خسرتكَ صديقتي حنان، إن مدينتَنا تمور بالنساء والحمد لله. إذا كانتْ حنانُ صديقتكِ، ويهمكِ أمرُها فجددي لنا طلب يدها، عسى أن يقتربَ البعيدُ على يديك، وتكون لك البشارةَ. تصبح على خير يا أبا ورد. رافقتكِ الأحلامُ السعيدة. بعد هذه المكالمة جفاني النوم، فأخذتُ أعيدُ ما جاء في حديث صباح: ربما كانت صديقة حنان، وتعرفُ كلَّ شؤونها، لكن لمَ هذا الاهتمامُ بهذا الأمر الخاص؟. كيف عرفتْ رقمَ هاتفي، لقد أوحى حديثُها رغبةً بإتمام زواجي من حنان.. تقاذفتني الأسئلةُ كرةً في ملعبها الوعر، فقمت من سريري، ودونت من الكاشف رقم هاتف صباح. في اليوم الثاني وفي نفس التوقيت، جلستُ قريباً من الهاتف منتظراًً صوتَ رنينِه، وكلما نادى ولمْ تكنْ صباح على الخط تلسعني مرارةُ الخيبة، حتى جاءَ صوتُها أكثرَ رقة ووضوحاً من مساء البارحة. أنا صباح. مساء الخير يا سيدي. مساء الخير يا سيدتي. كما قلتُ لكَ البارحة ليس لحنان بالطيب نصيب، (يا إلهي لقد حذفت كلمة صديقتي من حديثها). أصرتْ على خسارتِك، فهي لا تعرفُ قيمةَ الرجال، تصبح على خير، صرختُ: مهلاً يا صباح. أنا راغبٌ في الزواج، وكنتُ أمني النفس بالزواج من حنان، لكنني أبحثُ عن امرأةٍ تشاركني بقية عمري، فإن لم تكنْ حنان، لتكن سيدة أخرى. بعدكَ شباب يا أبا ورد، وإن كنتَ في العقد السابع، العمر لا يعيبُ الرجال – قالت العقد السابع، بل أَضافت العمرُ لا يعيبُ الرجال. أعتقد أنه لا يعيب أيضاً النساء، يقول الناس في بلدتي كلما تأخر قطاف التين يطيب أكثر - حدثيني يا سيدتي عن نفسك فأنتِ تعرفين عني الكثير؟. أنا في العقد الخامس، عانس، أبحثُ عن رجلٍ أعيش معه سنواتٍ سعيدة، فقد مللتُ الوحدة وتعاقب السنين، الوحدة قاتلةٌ يا أبا ورد وصحراء بلا نخيل. ملأنا انتظارنا على طرفي الخط صمتاً، فلم أجرؤ على طرح رغبتي بلقائها، لكنها فاجأتني: اسمع يا أبا ورد، إذا كنتَ جاداً في الزواج، وأحسبُك كذلك، دعنا نلتقي غداً في كراج البولمان الجديد، مكتب "الكرنك" في الساعة العاشرة. كيف أتعرف عليكِ. ستجدني أطولَ امرأةٍ في الكراج، وسأعرفُكَ من مئات الرجال. تصبح على خير. تصبحين على خير. في تلك الليلة لم أستطع النوم، بصريح العبارة، صباحٌ امرأةٌ تطلب يدي وأنا في السبعين من عمري، وقد عجنتُ الدنيا وخبزتُها شرقاً وغرباً، وعرفتُ أصنافاً من النساء. في التاسعة كنتُ في كراج البولمان، جلست أنتظرها. أطلت في العاشرة تماماً من الباب، طويلة، جميلة، رشيقة يا لعينيها الواسعتين، ألقت بناظريها في المكتب، فتوقفا في عيني، صُعقتُ، اقتربتْ، نهضتُ وقد ازداد وجيب قلبي، كعاشق يلتقي بمن يحب بعد فراقٍ طويل. أنا صباح. أنا أبو ورد. أمسكت بيدي، خرجنا إلى مقعدٍ قريبٍ، جلسنا وجهاً لوجه خاطبتُها: اسمعي يا سيدتي، أنا رجل في... وضعتْ يدها على فمي، فاحترقت شفتاي: دعني يا أبا ورد في هذا اللقاء أتحدث عني وعنك. أعرف أنك في العقد السابع من عمرك، وأن لك ابنةً تخرجتْ من الجامعة منذ عام، وقد تزوجت منذ أشهر، لقد شدني إليك وفاؤك لزوجتك الأرجنتينية، ووقوفك إلى جانبها طيلة سنوات مرضها، حتى فارقتْ الحياة - تغمدها اللهُ فسيح جنانه - لقد كانت سيدةً نبيلةً، ويدفعني إليك أنني في العقد الخامس من عمري، ولم يتقدمْ لي رجلٌ يرضى بي وأرضى به، وكلمة عانس تحاصرني وتقف أمام وجهي مارداً لا يرحم، وأعرف يا سيدي أنك لا تملك من متاع الدنيا إلا قلبك الكبير. حدثت نفسي: (لأبدأ بطلب يدها قبل أن تطلب يدي هذه العيناء). يسعدني يا صباح أن أتقدم بخطبتك من أهلك، فقاطعتني: اخطبني من نفسي فأنتَ أمامَ من ستشارككَ حياتك، هذا عنوان عائلتي، وصورة هويتي الشخصية. عدتُ إلى بلدتي مردداً: يا إلهي: ساعدني على اتخاذ القرار المناسب. لأول مرة تمسك بي امرأةٌ وتهزني بعنف، كيف أحدِّثُ أخوتي بهذه الخطبة وأنا أكبرهم سناً؟ ماذا أقول لابنتي المهندسة ولزوجها؟ هل أقول: طلبتني صباح على الهاتف، وحددت مكان وموعد اللقاء ثم طلبت يدي، وهي تعرف كلَّ شيٍ عني؟ بعد تفكيرٍ طويل، ذهبت إلى بيت ابنتي. وضعتْ ورد فنجاني القهوة، ابتسمت الماكرة وأخذتْ تديمُ النظرَ في عينيَّ، كما كانت تفعل وهي طفلة عندما كانت تمسك بي وأنا أقبَّلُ والدتَها. أراك مرتبكاً يا أبا ورد أتحتاج إلى بعض المال؟. ليست المسألة قضية نقود. تحدث أيها العاشق فأنا وحيدتك التي تقرؤك جيداً. أريد أن أتزوج. هذا حقك، وواجبي أن ابحث لك عن امرأة تناسبك بعد رفض حنان طلبنا. لقد وجدتُ يا ورد سيدةً تناسبني، وأضفتُ بصوتٍ منخفضِ: أحببتُها منذ سماع صوتها، وهي سيدةٌ جميلة، ثم سردتُ على مسامعها ما جرى بيننا. بعد يومين رافقتني ورد إلى عنوان صباح، قرعتُ الجرس، فخرجت ودعتنا إلى غرفة الاستقبال، وبعد عبارات الترحيب منها ومن أخوتها، تحدثتْ: أهلاً بكِ يا ورد. لا تشرحي لي ظروف والدك، أنا خياطة وأعمل على آلة تريكو، وأستطيع أن أقومَ بأعباء البيت كلها، أدعو السيد أبا ورد إلى بيتٍ يكون سيداً وشريك حياتي، لقد تزوج أخوتي وجاء الآن دوري، وأعتقد أن قطار الحياة ترك لي مقعداً إلى جانب والدك، قاطعتْها ورد: لكنه في السبعين.. قالت صباح: دعك يا أختاه من حديث السنين ومتاع الدنيا، إنني أرغب برجلٍ يحلُّ في بيتٍ أقيم فيه وهو سيده، ولا أطمع إلى أكثر من ذلك، ويشهد أخوتي على اختياري هذا. رغبتُ بعد مضي أشهر سعادتنا أن أكتبَ قصةَ زواجي من السيدة الثانية، لقد أصبحنا حديثَ البلدةِ في تجوالنا الصباحي والمسائي، وفي زيارة الأهل والأصدقاء، اليدان متشابكتان، والبسمة لا تغادر وجهينا.
حمص24/4/2004 عبد الحفيظ الحافظ - "السيدة الثانية" |