|
د. لين غرير
|
|
2006-10-18 |
دخل المقهى وجلس إلى طاولةٍ في الزاوية.. كان بحاجة إلى إطارٍ من العتمة يخفي به صورته الحزينة. يريد أن يبث آلامه للوحدة..
أن يناجي نفسه ويصادق الصمت, لكن طاولة مجاورة كان عليها شخصٌ آخر يتنهد بصوتٍ مسموع جعل التنهيدة تبدو ضجيجاً وسط صمت الأفكار المكبوتة.. شيءٌ ما جعل نظراتهما تتلاقى ويبتسم وجهاهما بالتحية دون سابق معرفة.. اقترب الثاني من الأول وطلب الإذن بالجلوس, للحظة كاد الأول أن يرفض فهو الذي ترك الدنيا وقصد هذا المكان الهادئ ليستمتع بصمت المقاعد وخمول الطاولات وليعجن أفكاره على مهلٍ علها تنضج بحلٍ لمشكلته.. لكنه وافق دون تفكير, شربا الشاي وتابعا جولة السكون. ثم قال الأول للثاني: (ما بك أيها الرفيق.. أراك مثلي وقد خلعت قناع السعادة وظهر وجهك الكئيب تحته). أجابه: (كيف لا وزوجتي مجنونة دائماً.. متسرعة.. هوجاء.. بينما تطبخ أسمع موسيقا, أذهب إلى المطبخ فأجدها ترقص.. بل أنها تشدني للرقص معها .. تضحك بصوتٍ عالٍ وتبكي بصوتٍ أعلى.. كل مشاعرها تنقلها بالموجة الكبرى.. ولا تعرف عقلاً يحكم تصرفاتها.. تحبني بجنون وتخاصمني بحرارة.. أجدها للحظات طفلة ترفع شعرها بالقلم وتضع أخر بين أسنانها وهي تقرأ المجلة.. وأحياناً أخرى تكون المرأة الأكثر إثارة في العالم. لقد ضقت ذرعاً بجنونها والهم قد ملأ رأسي حتى بدأ الدوار يصيبني عندما أدخل المنزل). عندما انتهى من حديثه تنفس الصعداء.. أحس بارتخاءِ عضلات وجهه وراحة نفسية وسط الكلمات التي قالها.. فنحن دائماً نودع أسرارنا لأولئك البعيدين عنا.. ونعتبر المسافة التي تفصلهم عن عالمنا هي مسافة الآمان التي يحتاجها السر كي لا يتعرى أمام الآخرين.. ولا يحفظ السر إنسانٌ كالغريب لأنه في النهاية لن يهتم بنشر تفاصيل حياةٍ لا تهمه, وكثيرةٌ هي الكلمات التي لا تقال وأكثر لحظاتنا سعادةً عندما نقولها ونجد من يستمع إلينا.. رفع نظره إلى وجه رفيقه فوجده غارقاً في الضحك وعندما سأله عن السبب قال له: (لا تغضب مني فعندما تسمع قصتي ستبرر لي ابتسامتي.. فأنا يا شريكي في الأسى و في كأسٍ من الشاي كنت أعاني من عقل زوجتي الذي جعلني أُحسد عليها, فهي رصينةٌ هادئة متوازنة..تفكر في كلِ شيء بتمهل وتحسب لكل خطوةٍ حساب ولا يتوقف عقلها عن العمل حتى في السرير.. فأكاد أشعر وكأنني أعيش مع آلةٍ مبرمجة لا تخطئ ولا تقصر في واجب وتحفظ كل الوصايا الاجتماعية والأخلاقية وتطبق معظمها على حياتنا وقد شجعتها على هذا التعقل بل وكنت فخوراً به وأصبحت أكثر تعقلاً منها.. ونسيت في غفلةٍ من عقلي أن الإنسان هو مجموع نصفين أحدها عاقل والآخر مجنون وأن حياته تصبح مأساة إذا تغلب أحدهما على الآخر بل إن المجنون كلياً قد يكون سعيداً أما العاقل كلياً فالحزن مصيره لا محالة. وهكذا, تحول بيتنا إلى سجنٍ مؤبد, والبارحة فقط عدت إلى المنزل وناديتها وبدلاً من صوتها الهادئ وجدت ورقة كُتب عليها "رحلت أبحث عن جنوني الذي أضعته عمراً طويلاً, منذ أن تجاوزت الطفولة وأنا أطبق تعاليم العقل إلى أن تطفل قلبي عليه وبدأ يشاركه طعامه وشرابه حتى تملكني هواه.. فعذراً كانت حياتي معك سعيدة لكنها عاقلة جداً") أسرع الثاني يسأله: (وماذا فعلت؟).. ابتسم بسخرية: (وماذا تُراني أفعل؟.. هاأنا أتمنى لو علمتها الجنون و عشت معها بنصفي.. لو قلت لها كم أحبها مجنونة وكسرت كل أدوات العقل الحجرية التي جعلتها تغادرني.. عليك أيها الصديق أن تكون سعيداً عندما تجد المرأة مجنونة معك, فالمرأة العاقلة أمامك قد تكون يوماً مجنونة من خلفك وهي التي يجب أن تخافها.. فهي إما تجد لجنونها منفساً خارج أرضك المتعقلة أو أنها معقدة تحول حياتك إلى جحيمٍ مؤبد). أشعل كلٌ منهما سيجارته وأخذا يتعرفان على بعضهما كشخصين جلسا للتو على طاولةٍ واحدة...
د. لين غرير – "عاقلة أم مجنونة؟" |