|
إياد شربجي
|
|
2006-10-18 |
مؤخراً عثر في موقع تل أسود بقرية جديدة الخاص في غوطة دمشق على قرية أنموذجية مبنية من الطين تعود إلى الألف السابع قبل الميلاد، وفي موقع جعدة المغارة الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الفرات تم العثور على تمثال نصفي للربة عشتار من مادة الجبس الزجاجي تعود الألف التاسع قبل الميلاد، سبقه في موقع حالولا على النهر نفسه قبل فترة اكتشاف جدران وأرضيات منازل تعود إلى الألف السابع قبل الميلاد. هذا ما تم اكتشافه خلال أقل من شهرين فقط، لتضيف سورية إلى (خزانها التاريخي) مزيداً ومزيداً من المعروضات التي تبهر العالم، وعندما قالوا: تحت كل حجر أثر في سورية. فقد صدَقوا الوصف، حتى بات المؤرخون مقتنعين أن لا عمر محدداً ونهائياً للحضارة في هذه البلاد ما دام التنقيب جارياً، وفي كل عام تغيّر سورية تضيف سورية ملامح جديدة إلى التاريخ الإنساني برمته. الشعب السوري بدوره يضمّ خليطاً هائلاً منسجماً من التنوعات الطائفية والعرقية والأيدلوجية، ولقد أثبت السوريون تفوّقهم وتكابرهم على الاختلاف الذي راح يمزّق شعوباً أخرى في المنطقة، وفي رقعة صغيرة لا تزيد مساحتها عن كيلو متر مربع واحد مثل منطقة باب توما بدمشق يربض المسجد بجانب الكنيسة بجانب الحسينية، ويجلس الشيعي والمسيحي والسنّي معاً يلعبون الطاولة، ويتناقلون الأركيلة بين أفواههم، ويسكن الطلبة الأكراد والتركمان والأرمن في غرف غير معزولة تقع ضمن بيوتات أهالي المنطقة ويشاركونهم الطعام والشراب والمرافق العامة. هذا الشيء لم يفعله السوريون مع بعضهم فحسب، بل مع أخوتهم العراقيين واللبنانيين وكل من يحطّ ركابه في بلدنا، عربياً أو أجنبياً، وأذكر ما قاله لي احد الطلبة الأجانب ذات مرة أنه في سورية فقط شعر أنه لا يتعرّض للابتزاز من الباعة، بل انهم يتسابقون -على بساطتهم- لخدمته وإرضائه وإشعاره بالأمان في البلد. هذه يا شباب هي سورية التي كثيراً ما نظلمها، ونلخّصها بأحاديث الفساد والرشوة وغيرها، ونغفل أن هذه الأمور الطارئة ليست من تاريخ بلدنا في شيء، فنجلس طول الوقت نندب ونشتكي ونلعن ونشتم وكأن بلدنا تحوّل إلى مزبلة. انظروا إلى التفاصيل الجميلة، ستجدونها في كل مكان، في البيوت الحجرية الأصيلة الرابضة بزهو بين أبنية الاسمنت المسلح، في عنفوان الناس والموائد التي تفتح بالآلاف في الشوارع والمساجد في هذه الأيام الفضيلة، في شخص يدخل عليك وأنت تجلس على كرسيّ الحلاقة ويقول لك"نعيماً" وهو لا يعرفك، في مناهل الماء المجانية التي يقيمها الناس على أرواح أعزائهم، في عائلات تعيش في بيت يضيق عليها، فتحشر نفسها في غرفة واحدة، وتستضيف عائلة لبنانية في الأخرى. أتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي نتوقف فيه عن الندب، وأن نشعر بالخجل من وطأة وثقل حضارة هذا البلد علينا، يجب أن نحسد أنفسنا أيها الشباب أننا نعيش في سورية، لا أن يكون مقاس البلد فضفاضاً علينا، فنحن السوريون الذين غزونا بفننا وفكرنا شواطئ العالم في الماضي، نستطيع الآن ان نغزو أراضيه بمحبتنا، وبعملنا... دعونا نعمل أكثر مما نتكلم، وليضف كل منّا تفصيلاً جميلاً لهذه الأرض التي خصّنا بها الله....والتي يتعلق بها كل من يزورها، البلد بلدنا، والفاسدون طارئون يمحوهم الزمن، ولا شيء يمنعنا من أن نعود إلى المقدمة إذا ما أردنا ذلك.إياد شربحي " سورية حلوة" افتتاحية مجلة شبابلك: العدد18- تشرين الأول-2006
|