SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد

المعرفة حق لجميع الناس

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
استطلاع نساء سورية
هل انت مستعد للامتناع عن استخدام كلمات مثل: معوق، متخلف عقليا، كسيح.. بهدف الإساءة إلى شخص أو فكرة؟
 
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


حوار مع الكاتب والقاص عبد الحفيظ الحافظ طباعة أخبر صديق
شهيناز عبد الغفور   
2006-10-10

تتعدد المشارب والمنطلقات والرؤى الإبداعية في الأدب إلى مالا نهاية، وهذا سر الخصوبة والثراء في حدائق الأدب الجميل، خاصةً إذا كان الكاتب ليس مفصولاً عن ذاته أو مغترباً عن تجاربه.

 إن الرحلة الإبداعية للقاص عبد الحفيظ الحافظ تؤكد انتماءه إلى ذلك الموروث من الكتاب الذين انخرطوا في عالم السياسة مبكراً، وبادرة من بوادر الثبات والرسوخ في وجه الأعاصير المدوية التي اجتاحت العقل العربي برمته. تعيد النضارة إلى وجه الأدب الملتزم، كصوت خافت ان عبر السنوات التي أصبحت بعيدة من أنوار هذا الأدب، وقصصه لا تنفصل عن القضايا التي تفرض نفسها على الساحتين العربية والإسلامية.

إن القارئ لإصدارات الحافظ يجد أنها مليئة بعالمه الطفولي، الشعبي، البريء، المفعم بالتفاؤل، ويستدعي ذكريات الطفولة والصبا بإحساس مبعثه نظرته المتفائلة للحياة، ومحاولة تجسيد أحاسيس البراءة التي تكمن خلف الحس الفطري للإنسان. في سجنه كان يسترد كل قوته ويتمرد على الموت والفناء بما تخطه ذاكرته من كلمات هي التعبير الوحيد على تلك القوة.AbdelHafeezHafez

المتتبع لأعمال الحافظ يجد أن هناك علاقةً طويلة وحميمة بينه وبين مدينته، يغرقنا من خلالها باللوحات الساحرة لأزقتها وبيوتها وأناسها، كما أنه مدافعٌ عن المرأة المقهورة المحرومة من العلم المشدودة نحو الخرافة والمحكومة بالجمود، مطالباً إياها أن تحب بقوتها لا بضعفها، ولا تهرب من ذاتها بل لتكشف عن نفسها.
القاص عبد الحفيظ الحافظ صدر له ثلاث مجموعات قصصية هي "العيد – المنديل الأسود – شجرة الأكاسيا".
 
حول إبداعه كان لنا معه هذا الحوار:
1- بداية لن نتوقف عند مجموعاتك القصصية. بل سنتوغل عميقاً إلى حياة عبد الحفيظ في بيت الأسرة الأول؟.
++ عشتُ طفولتي في أسرة لا تعرف القراءة والكتابة، كان والدي عامل نسيج تساعده والدتي المريضة على دولاب يدوي. تعلمتُ قراءة القرآن الكريم والكتابة والحساب في كتاب (شيخ سعد) في حي (باب السباع)، وذلك قبل دخولي المدرسة الابتدائية، ثم أخذت أقرأ في أمسيات الأسرة الكتيبات الصفراء من "سيرة عنترة" إلى "تغريبة بني هلال" و"ألف ليلة وليلة" و"سيف بن ذي يزن"، وسور من القرآن الكريم في المناسبات الدينية.

2- أين كنت منذ أول تلمس منك لعالم الإبداع حتى أول قصة كتبتها؟.
++ عندما ضاقت بنا سبل العيش، انتقلنا إلى حي "الخالدية"، سكنت أسرتي في غرفةٍ في دارٍ واسعةٍ فيها عدة عائلات، تعيش كل منها في غرفة، لذا بدأ ينافسني أطفال الأسر الأخرى في قراءة تلك الكتب، ولم تكن تملك معظم أسر المدينة جهاز راديو، وكنا ننتقل إلى عائلات تمت لنا بصلة قربى في مطلع كل شهر، للاستماع إلى ليلة تحييها السيدة أم كلثوم.
الجديد في تلك الأمسيات اجتماع سكان الدار شتاءً في الغرفة الكبيرة، وفي صحن الدار صيفاً تحت شجرة التوت، نستمع إلى سرد حكايات لا تنضب يرويها الكبار من نزلاء الدار، وكم غالبتُ النوم وأنا أستمع إلى تلك الحكايات الشيقة، وهي تخرج من أفواه أناس لا يقرؤون ولا يكتبون، وكم أمسكتُ بهم عندما يعيدون سردَ تلك الحكايات، وقد أضافوا أشياءً ووقائع جديدة، وكنتُ سعيداً بتلك العائلة الكبيرة، وهي متعددة الانتماءات الدينية والمذهبية والأصول الجغرافية، وكان صندوق الدنيا بصوره المتحركة أحد وسائل لهونا، وبعض عروض مسرح الظل "قرقوز وعواظ".
عندما دخلتُ المدرسة الابتدائية أصبحتْ لي مجموعتي الخاصة من الكتب الصفراء، وهي نواة مكتبتي الحالية، وكان والدي رحمه الله على الرغم من فقره ومعاناته من مرض والدتي المزمن لا يضنُّ عليَّ بثمن ما أشتريه من كتبٍ، بل كان فخوراً بي، وبدأتُ أشتري كتباً أخرى خارج تلك الكتب، فتعرفت على المنفلوطي والعقاد والرافعي والمازني وتيمور..، وفي مرحلة الإعدادية تعرفت على توفيق الحكيم وعبد الحليم عبد الله وعبد السلام العجيلي ومراد السباعي ثم نجيب محفوظ، وتوثقت عرى الصداقة بيننا من خلال إنتاجه الغزير، وربما يعود إليه الفضل بتذكيري دائماً بمهام البرجوازية الوطنية.
 في المرحلة الثانوية أخذتْ تتسلل إلى مكتبتي الكتب المترجمة كالبؤساء وروايات فيكتور هوغو ودروب الحرية لجان بول سارتر وطاعون ألبير كامو، حتى تأثرت في تلك المرحلة "بالوجودية"، ثم أخذت أرتاد دور السينما والمسرح أحياناً.
 هذه العائلة الكبيرة ولا أقول الممتدة في تلك الدار الواسعة كانت عالمي الأول، زرعتْ في نفسي منذ الطفولة قيماً لا تنسى: الإنسان هو الإنسان بلا أية صفة، المواطن مواطن.
 في الصف الثاني الابتدائي فقدت جدي والد والدي، وبعد عام فقدتُ أمي، وكان لوفاتهما وقعٌ كبير لا زلتُ أعاني منه إلى هذا اليوم، وأحفادي يتراكضون من حولي. فجدي بالرغم من إقامته البعيدة عنا، إلا أنه كان مصدر الحكايات الأولى التي حفظتْها ذاكرتي، أما والدتي فلقد فقدت بغيابها صدراً لم أعوضه، حتى صدر زوجتي بكل ما فيه من حنان وصبرٍ وتحملٍ لتمردي، لم يحررني من حنيني إلى صدر أمي، فأنا بجوع دائم إلى ذاك الصدر.
 مسألة أخرى أثَّرت في تكويني المعرفي، وهي إصرار والدي أن أتعلم مهنةً أتكسب منها في حال غدر بي الزمن، والدهر ليس له أمان كما كان يقول، فتعلمت " النجارة " منذ الصف الأول الابتدائي إلى أن حصلتُ على الثانوية ثم شهادة أهلية التعليم الابتدائي عام 1964، وأصبحت أيضاً معلماً في مهنة "النجارة العربية والإفرنجية".
 كان احتكاكي ومزاولتي للنجارين والزبن وصناعي هذه الحرفة مدرسةً جديدةً أعتز بتخرجي منها، وأعتقد أنها منحتني ذخيرةً معرفيةً في الحياة، وزرعت هي الأخرى في نفسي قيماً جديدةً: تقديس العمل واحترام الوقت والحرص على "اللقمة الحلال"، وثقافةً شعبية بكل ما فيها من سموٍ وانحطاطٍ ونكاتٍ فيها الشهامةُ والبذاءةُ في آن، وقد أخذتْ هذه الثقافة الشعبية موقعاً في تلك الذاكرة، وما حفظته من الكتب الصفراء كان متداولاً في تلك الشريحة من المجتمع لاسيما (العبد لا يكر).
كما تعرفت على الوجودية من خلال الآداب الأوروبية، تعرفت على الماركسية، من خلال الأدب الروسي والأدب الواقعي في إنتاج شعوب الاتحاد السوفيتي.
 شهدت سورية في منتصف القرن العشرين مرحلة الحياة البرلمانية حراكاً سياسياً وثقافياً بين التيارات والأحزاب، وتزاحمت الصحف وهي بالعشرات على أرصفة دمشق وحلب وحمص وعلى طاولات المقاهي في كل المدن السورية، وكان لهذا أيضاً أثره في خياراتي السياسية، فعززت الماركسية انتمائي القومي والناصرية اتجاهي الوحدوي والديمقراطية علمانيتي، ولا أعرف كيف اجتمع كل هذا في وعيي مع استمراري في قراءة التراث الإسلامي وإطلاعي على الإنجيل والتوراة، ودراستي لأصول الحكم في الإسلام للشيخ علي عبد الرازق ونحو ثورة في الفكر الديني.
نعم أخذتني السياسةُ من الأدب وشدتني إليها، لكنني حددتُ سكةً لها "التعددية السياسية" و"احترام الرأي الآخر"، وربما شكلت السياسة بهذه المعاني مكوناً وخلفيةً نظرية لما كتبتُ على صعيد القصة القصيرة، ومهدتْ فيما بعد في العقود اللاحقة أن أسترشد بنسبية الحقيقة. و"المجتمع المدني"
 السياسة وظروف حياتي الخاصة وزواجي وعملي في المدرسة، لم تفقدني وفائي لقراءة الأدب لاسيما الرواية والقصة القصيرة، وخاصة الأدب الواقعي بدءاً من أم مكسيم غوركي إلى الجريمة والعقاب لدستوفسكي إلى أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، وزكريا تامر وسعيد حورانية و..
وكان إبداعي الأول في كتابة المواضيع الإنشائية، إذ كنت أحوز تقديراً متميزاً من أساتذتي في دروس اللغة العربية، وكان الطلاب يستمعون إلى قراءتي لما أكتبه بشغف، وبدأت في ذاك الوقت مع طلاب آخرين في المرحلة الثانوية وهي حالة عامة، محاولاتنا الأولى في نظم الشعر وكتابة القصة القصيرة.
 لكن القصة القصيرة بعناصرها المعروفة كتبتها في عقد الستينات، وحرصت عند طباعة مجموعاتي القصصية الثلاث (العيد – المنديل الأسود – شجرة الأكاسيا) أن أضمنها بعضاً من تلك القصص كقصة (أجير الخباز) و(الخفاش) و(البويجي).

3- مسألة النزوع الإنساني واضحة في قصصك مهما قست الظروف. ونشعر أن هناك هذا النفس ++ تجاه الإنسان، وتمتلك الكثير من الإنسانية. هل هي بلورة لتجارب عشتُها؟
إن اختلاط ما قرأت في طفولتي، وما اختزنته ذاكرتي وما قرأت بعد تلك المرحلة ومعاناتي وتجاربي في الحياة وحكايات الدار الكبيرة وجدي كل هذا شكل مخزوناً لي، ومنهلاً لا ينضب لكتابة القصة القصيرة، وعندما أعيد قراءة ما كتبت على هذا الصعيد لا أستطيع أن أحدد فيه مصادر قصصي.
لقد مارست التعليم ثلاثين عاماً، وبالتأكيد لعبت هذه المهنة دوراً محرضاً على الكتابة، لاسيما في العقد الأخير منها، إذ كنتُ مشرفاً تربوياً في معهد للتربية الخاصة للصم والبكم، وأغنى هذا العقد وهذا الاحتكاك بهذه الشريحة من الأطفال المعوقين تجربتي في الحياة وفي الكتابة، فلمْ تعدْ ملكة التعبير عندي تقتصر على اللغة واللسان، فالعيون لها لغتها، وإيماءات الجسد لها لغتها، بل إن الصمت لغة قد يجمع بين اثنين، فعندما عجز بطل رواية زوربا أن يعبر عما يكنه لتلك السيدة حلَّ الرقص لغةً بينهما.
ربما أتى البعد الإنساني إلى قصتي مما ذكرت، فأنا أصدِّق الممثل على خشبة المسرح عندما يتقمص شخصيات أدواره، لأنني أتقمص شخصيات القصص والروايات عند قراءتي، وتبقى لفترةً ممسكةً بتلابيبي، من هنا كنت من الداعين على الصعيد السياسي بتهذيب جفاء السياسة بقراءة الأدب.
 فأنا يا سيدتي أحب الحياة وهي بنظري جميلة وجديرة أن تعاش، وعلينا أن نجعلها أكثر جمالاً وسعادة، وأنا لا أنكر حبي للمرأة والوطن. ولا أخفي عشقي للجمال والحرية، وأغمس يديَّ في كل الألوان لأصنع لوحةً بديعةً.

4- إلى أي حد يتلاشى المحظور الاجتماعي كواقع لدى عبد الحفيظ عندما يكتب القصة؟
++ تنازعني قصة قصيرة وتراودني عن نفسها. أكتبها، ولا أبحث أثناء كتابتها عما يتلاءم فيها مع مكوناتي وخياراتي، أكتب ما يفرض نفسه ويتطلبه النص وأشخاص القصة الذين يفلتون من يدي، بعيداً عن المحظور الاجتماعي أو قريباً منه، فالإبداع بنظري وكل أشكال الإبداع لا يُرسم بالمسطرة والفرجال، ولا يخضع لقوالب مسبقة الصنع، مع يقيني أن لكل جنس أدبي وإبداعي شروطه وقواعده.

5- أخذت في قصصك جانب المرأة مدافعاً عن حقوقها على أنها مظلومة ومهضومة الحقوق. بودي أن أعرف دورها في حياتك؟.
++ كيف أهرب من قدري كإنسان وإنسانيتي مرتبطة مع شقي الآخر، وهو الأجمل وهو ينبوع الحياة، أعتقد أن الإنسان الأول خضع للمرأة برضاه، لأنها أدهشته بقدرتها على الإنجاب، بهذه القدرة استمر اندهاش الرجل قروناً في ظل حضارة الأم.
غياب أمي وأنا طفل ترك في حلقي ظمأً لا يروى، الأنثى هي زوجتي ورفيقة درب سرناه معاً يداً بيد منذ أربعين عاماً، بالرغم من منغصات الحياة، فحبها يزداد عاماً بعد عامٍ بغض النظر عن قربها أو بعدها، وقربي أو بعدي من الحلم بالآخر الذي يحلم كل منا به، المرأة ابنتي وحفيدتي، زميلتي وقريبتي، وأنا مع المفكر "حليم بركات": إن تحرر المرأة هو الشرط الأول لتحرر وتقدم المجتمع وليس العكس.
وكما استدعى مشروعي النهضة العربية الأولى والثانية تحرير المرأة تعليماً وحقوقاً ومساواة وممارسةً، فإخفاق المشروع ذاته في هذا القرن الجديد، يجعل من هذه القضية مسألة راهنة، تفرض نفسها بقوة الواقع، كما فرضت نفسها على " قاسم أمين "، وربما جعل هذا قصصي تنحاز إلى جانب المرأة.
مسألة أخرى، منذ عشتار ربة الخير والعطاء، منذ تدجين غانية المعبد لأنكيدو حسب ملحمة جلجامش السومرية، كذلك العذراء مريم، والسيدة خديجة وعائشة وفاطمة الزهراء، وجميلة بوحيرد، وسناء محيدلي، وتلك الأم التي ودعت طفليها منذ مدة، لتقوم بعملية استشهادية في فلسطين المصلوبة على جدران مساجدها وكنائسها القديمة، وأنتِ وزوجتي... يا سيدتي قدرنا نحن الرجال أن تكن أنتن نصفنا الآخر، النصف الأجمل والأشهى، ويسجل التاريخ أن الحضارة البشرية لم تكن على هذه الدرجة من التوحش، كما هي عليه في ظل حضارتنا نحن الذكور، التي تقودها الولايات المتحدة باسم العولمة.

6- توقفت طويلاً عند قصة (ليلة في دمشق) وشخصية بهيرة المليئة بالرقة والشفافية تنم عن عاطفة تنبض بالحياة، وإدانة لبعض المثقفين لتعاملهم مع المرأة، فماذا تحدثنا عن القصة وبهيرة؟.
++ أما قصة "ليلة في دمشق" فقد كتبتها في ظروف خاصة، قبعتُ في منفردةٍ لمدة شهر، وللمنفردة باب حديدي دائم الإغلاق وكوة صغيرة، لا تُفتح إلا للتفقد وتقديم الطعام، وحدود هذا القصر مترين، متر، مترين.
من هذه المنفردة الرطبة الباردة، انطلقت روحي فراشةً مغردةً تطير في سماء دمشق، تزور أحياءها القديمة، تستنشق عطر ياسمينها وليمونها، ثم تستريح في حدائقها ومقاهيها العتيقة، تدخل المسجد الأموي قارئةً على أعمدته ما سطره الفنان الدمشقي، وفي إحدى جولات روحي اصطدمتْ في ذاك المطعم ببهيرة، وتعرفتْ إليها.
كتبتُ قصة "بهيرة" على صفحات ذاكرتي في تلك المنفردة، لأهرب من كابوس السجن والمنفردة والقهر. خشيتُ على الروح من العفن، ولأبقي نفسي متوثبةً تنشدُ الحياة والسعادة والحرية، وتقاوم ذلَّ الانكسار، أعدتُ كتابتها قبل النوم، وأعدتُ قراءتها بعد كل جلسة تحقيق، فشدتْ بهيرة بتمردها وعنفوانها من أزري، ضمدتْ جراحي، وبعد خروجي من قاعة
"فرساي" التي كنتُ فيها، وبعد عودتي إلى أسرتي من "سويسرا" التي أقمت فيها، دونتُ من الذاكرة تلك القصة، رداً لجميل بهيرة وعرفاناً لها بما قدمته لي في محنتي.
والآن أعجب من نفسي، أنني بالرغم من معاناتي في تلك المنفردة اللعينة، كتبتُ في قصة " ليلة في دمشق – بهيرة " كما كتب "مورغان".
إن السجين إذا فكر أن يضع في السجن مَنْ سجنه بعد خروجه، لا يكون قد تعلم من السجن، وأعدتُ النظر فيها بعلاقتي مع المرأة.
أما قضية المرأة فسأعترف الآن: لم أقدمْ لأمي يد المساعدة وهي تعاني المرض، ظلمتُ أختي قبل زواجها وتعاملتُ معها بعقلية الأخ الشرقي مع أني الأصغرُ منها، أوغلتُ في اضطهاد زوجتي التي أحب، إذ تركتُ لها عبء تربية وتعليم أطفالنا وهي معلمة مثلي، بذريعة أعبائي الاجتماعية والسياسية، لذا ما جاء في قصة "ليلة في دمشق" هو إدانةٌ لي بالدرجة الأولى، ونيابة عن أبناء جنسي الذكور، الذين يلهثون ركضاً خلف المرأة، وينقضون عليها تهشيماً وتشويهاً، ثم ينفضون أيديهم براءة أخوة يوسف من دمه، وأذكر نصاً لياسين الحافظ يقول فيه:
إن صدور قانونٍ للأحوال الشخصية متقدم، كان أفضل من كل قرارات التأميم التي صدرت في البلدان التأخراكية.

7- في كل ما تكتب يشم القارئ رائحة بيئة مدينتك من خلال الحروف حتى لتبدو في بعضها صورة توثيقية لحياة مضت وأبطالك عاشقون لها. لم هذا الاستغراق؟.
++ يا سيدتي أنا أعشق حمص، وأعرف أن بعض الحب ما قتل، أحب نسيمها، سكانها الطيبين، أرتاح لرائحة أبنائها في الازدحام، تتراءى لي في الأحلام أشجار الجوز والأكاسيا والصفصاف التي تغسل شعرها بمياه العاصي، لكنني لا أكره المدن الأخرى، فدمشق أم التاريخ، والقاهرة حاضرة العرب وعاصمتهم، وبغداد مجد الحضارة العربية الإسلامية، والقدس مدينة السلام والأنبياء، ومكة كعبة الإسلام وباريس نبع الفلسفة الذي لا ينضب، وطوكيو أم الأتمتة، لكن لحمص طعمها الخاص. من يقع بحب حمص لا يبرأ منه!.
هي التي استوطنها ومات فيها خالد بن الوليد، هي التي قتل شاعرها ديك الجن جاريته بوشاية كاذبة، فأمضى بقية حياته مخموراًً يبكيها شعراً على عزف الطواحين الحزين، حمص يا سيدتي هي التي ترأس أحد أبنائها المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913، وهي مدينة مصطفى السباعي وهاشم الأتاسي وجمال الأتاسي ورياض الترك وحافظ الجمالي وعبد المعين الملوحي، وطيب تيزين وبرهان غليون، وهي مدينتي، حمص أرضعتني مع حليب أمي انتمائي القومي و انتمائي لهذا العالم.

8- أنت كاتب واقعي. ولكن الذباب – الآخر – رسالة من متوفي – الغريب. عناوين لقصص تحمل فسحة من السريالية والغرائبية لماذا؟.
++ قصة "الذباب – الصيصان – الآخر – بطاقة اليانصيب – المقبرة.." و "رسالة من متوفي – والغريب..". ربما تحمل فسحةً من السريالية والغرائبية، كتبتها لأتحدث فيها عن مدينتي التي أحب. كيف تعيش في ظل العولمة المتوحشة، كيف تتصرف كمدينة، كعقلٍ جمعي عندما يداهمها الطوفان، وتركت فسحةً لكل قارئٍ ليعيد صوغ هذه القصص من جديد ويسمي مدينته، وطناً، أمة، حبيبةً، ذاتاً، لكن عشقي لمدينتي لم يمنعني من الإمساك بمبضع الجراح بلا ترددٍ، وبمنتهى التصميم غاص المبضع وهو بيدي في جسد تلك الفاجرة، وربما أدين لعبد الرحمن منيف بالكثير مما تعلمته منه.
9- بعيداً عن مهرجانات القصة ومسابقاتها. هناك حلقة مفقودة غالباً بين الكاتب والمنبر الثقافي والجمهور. كيف يمكن إجراء المصالحة بينهم؟.
++ قبل الحديث عن النشر والتواجد والمشاركة بالمنبر الثقافي والمسابقات وجوائزها، أنا لا أدعي أن الجمهور يعرفني كأديب وقاص، وهذه حالةٌ عامة، فهناك مسافة بين الجمهور والجماهير وبين الكاتب، وهاتان الكلمتان (جمهور – جماهير) عُهرتا كثيراً في الساحة العربية، لذا أفضل استخدام كلمة شعب.
 هناك خندقٌ يحتاج إلى سنواتٍ طوالٍ للردم، ليتعرف الشعب على أدبائه وشعرائه بل وأحزابه السياسية التي تدعي الدفاع عنه، ربما الشعب لا يعرف ممثليه في السلطة التشريعية وفي المنظمات الشعبية، فكل الشعوب العربية تعيش منذ عقودٍ حالة حصار خارجي وحصار داخلي، وقبل مؤتمر القمة الذي عقد في بيروت خاطبته: أيها الحكام العرب أطلقوا سراح شعوبكم من أسر حصاركم.
 إن أجيالاً ولدت وعاشت في ظل حالة الطوارئ وسريان قانون الأحكام العرفية، وأنا قاص أخذتني السياسة في دروبها المتعرجة المظلمة والموحلة أحياناً، مع اعتقادي أن هناك حلقات مفقودة عديدة في حياتنا، وهذا لا يقتصر على العلاقة بين الأديب والمنبر الثقافي، وعلاجه يبدأ باحترام الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم.
 جراح الأمة تنزف من تطوان إلى بغداد ومن الخليج إلى المحيط، وعجزت دول الجامعة عن عقد مؤتمر القمة في تونس، ويسير العراق الشقيق على خطا فلسطين، ومنذ أيام ودعت فلسطين إمام شهدائها الشيخ أحمد ياسين. ألا تلح هذه الأمور على الأديب؟.

10- بعد هذه المسيرة مع الكتابة هل أضاف النقد شيئاً لأعمالك. سلباً أو إيجاباً؟
++ لا أدعي أنني متابعٌ لما يصدر على صعيد النقد الأدبي، لكنني أعتقد أن النقد عامة ونقد القصة تحديداً باهتٌ وضعيف، ولا يرتقي إلى مستوى نقدٍ يدفع بهذا الجنس الأدبي إلى الأمام، كما تعجُّ الساحة الأدبية بمدعي النقد، وهم لا يجيدون قراءة هذا الجنس الأدبي، وأزعم أن هناك ما هو جديد ورفيع في الساحة العربية على صعيد القصة القصيرة، مع أن الجامعات العربية فيها كليات آداب تدرِّسُ النقد والنقد المقارن.

11- هل هناك موضوعات يحلم عبد الحفيظ بكتابتها ولم يفعل؟
++ أحلم بكتابة قصة ترتقي إلى مستوى ما قدمه المبدعون الأوائل في الستينات والسبعينات من القرن العشرين بمجال القصة القصيرة، ربما تحرِّض هزائم الأمة وإخفاقاتها على الكتابة الأدبية المبدعة، التي تسهم هي الأخرى في استحضار مشروع نهضوي جديد.

حوار: شهيناز عبد الغفور


خاص: "نساء سورية

 
< سابق   تال >

أبواب نساء سورية
الصفحة الرئيسية
مرصد العنف
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
قالت لي العصفورة
مواطنيات..
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
أرشيف الافتتاحية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 5999
عدد القراء: 3600041



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.