|
رهادة عبدوش
|
|
2006-10-10 |
خلال ساعتين كاملتين قضيتهما معه لم أكن أفعل شيئاً سوى البحث عنه. أنظر في عينيه تارة، وأصغي إلى صوته تارة أخرى.. وفي كل مرة أهم بالسؤال عنه..
إنه نفسه الجسد والصوت والعينين! لكنهم دونه! لم أجده بينهم! أين البريق؟ أين القوة والحزم والإصرار، بل أين هي رائحة الأمل والحلم التي كانت تسبقه أينما حل، فتعرف من تغير الهواء وارتجاج الأرض أنه في الطريق إليك؟ كلمني كثيراً.. لم أسمع شيئاً ولم أع شيئاً سوى أنه ليس هو! وحينما هم بالرحيل لم أرى الا يداي تتشبثان به. وأسمع صوتي يسأله عنه: لماذا لم يأت معك؟ أين تركته؟ أين انت؟ تلعثم، تهرب. ألححت بالسؤال: كنت عندما أراك أشعر أن الحياة ستبدأ الآن.. وأشعر أنها لن تستطيع الوقوف، فأنت تحركها إن تكاسلت، وأنت تعصف فيها الشغف الدائم بالجريان. االآن أراك بعيداً عنها.. بل سعيداً بأنك لم تعد تجادلها أو تتعارك معها أو تبادلها الحب والحلم… ضحك بهزيمة شممتها من جسده كله، من عينيه ويديه وشفتيه، من تقاسيم وجهه وحركات جسده من كل ذرة منه، رجوته الكلام فقط ما الذي حصل؟ صرخ: نعم هزمتني الحياة، هزمتني وأنا الشاب المفعم بالقوة والذكاء والعلم والأمل… هزمتني حتى غادرت ذاتي وطردت طموحي وحلمي وحبي هذا الحب الذي كان سيملأ الدنيا ضجيجاً من أغنيات وضحكات.. هذا الطموح الذي كان قادراً على اجتثاث الجبال وابتلاع مياه المحيطات، هذا الحلم الذي لم أكن أدرك نهايته.. هزمتني… نعم أحبت.. تعلمت.. عملت.. لكني لم أتحرك ميلاً واحداً إلى الأمام! بل كنت فقط أحاول ألا أغادر الخط الذي أقف عليه لأني حتما سسأرجع الى الوراء. هاجر أصدقائي، تركوا أحلامهم وأمانيهم القديمة وهاجروا الى المجهول، الأفضل حتماً.. حاولوا معي كثيراً لكنني كنت مصمماً على المتابعة والعمل، فأنا هنا في بلدي التي أحبها والتي أريد أن أترك فيها شيئاً يدل عليّ تتذكرني به الأرض يوماً. وتابعت وتابعت.. إلى أن وجدت نفسي بعد سنوات أني مازلت على الخط نفسه ولم أحرك ساكناً! مزقني الروتين.. مزقتني الأفكار المهترئة.. مزقني الفقر.. وجدت نفسي في مستنقع، وعند نقطة القرار: إما أن أحركه فأثور على حلمي، واما ان أبقى فأصبح كمائه برائحته العفنة وجراثيمه المميته. وهنا قررت.. سأنسى كل ما كتبته أيام مراهقتي وشبابي الأول! سأنسى كل مارغبته وصممت على تغييره وتجديده! سأنسى كل من أحببتهم لأبدأ من جديد في بلاد أخرى لا تعرفني ولا أعرفها.. وعوالم جديدة لم أكن أرغب يوما العبور إليها.. ومددت يدي الى أصدقائي الذين سبقوني وهاجروا. صافحني وغادر مسرعا بعد أن ودع أشيائه القديمة تاركاً خلفه قبوراً من أحلام وأمنيات كان عازماً يوماً على تحقيقها.. زارها ووضع أكاليل الزهور عليها وبكى بحرقة.. بكى روحه وروح أحبائه.. ولم ينسى أن يكتب في دفتر الزوار: "لا تحلم! فهنا بلد تموت بها الأحلام"رهادة عبدوش
|