|
العنف ضد التلاميذ.. ماذا بعد أن نقول لا؟ |
|
|
|
منى سويد
|
|
2006-10-10 |
بين مقولة (العصا من الجنة) و(العصا لمن عصا) وغيرها من المقولات التي تكرس في الأذهان مفهوم العنف بشقيه الجسدي والمعنوي كوسيلة للتربية، وبين أخرى تنادي بضرورة اعتماد أساليب تربوية بديلة تتخذ من النصح والإرشاد وسائل تقويمية تحل مكان أساليب باتت مرفوضة من حيث مبدئها والمفاعيل التي تنتجها على المدى القريب أو البعيد. ينفتح الحوار على تلك المقولات بحديها، فيخلق مساحة للتدقيق وإعادة النظر بما هو سائد، وبما ينبغي أن يكون عليه أسلوب التعامل مع التلاميذ في مدارسنا.
"لا للعنف ضد التلاميذ" ملصق تصدر اللوحات الإعلانية الطرقية في شوارع دمشق وغيرها من المحافظات السورية منذ بداية العام الدراسي الحالي، بالشراكة بين الهيئة السورية لشؤون الأسرة ومنظمة اليونيسيف، ليأتي ضمن الحملة الإعلامية التي انطلقت في إطار الخطة الوطنية لحماية الطفل المقرة من قبل الحكومة السورية لخلق بيئة آمنة للأطفال في المنزل و المدرسة ودور الرعاية. وكواحدة من الخطوات التي تمضي بها الحملة الإعلامية المستمرة إلى أجل لم يحدده القائمون عليها، يأتي تسليط الضوء على ظاهرة العنف ضد التلاميذ، لقرع ناقوس ينبه إلى أن الظاهرة مازالت موجودة، رغم إقرار القانون الذي يحظر هذا الفعل ويدينه ويرتب عقوبات على من يلجأ لاستخدامه.القانون موجود ولكن التنفيذ الفعلي دون المأمول في قرارها الصادر بتاريخ 9/12/2001 حظرت وزارة التربية استخدام الضرب في جميع المدارس بمراحلها المختلفة كأسلوب في معالجة أمور التلاميذ ومشكلاتهم. وأصدرت العديد من التعليمات الوزارية التي تطالب المعلمين بإتباع الأساليب التربوية في التعامل مع التلاميذ وعدم استخدام العنف الجسدي أو المعنوي باعتبارهما من الأساليب غير التربوية. كذلك حددت الوزارة أشكال العقوبات التي تنزل بالطالب المخالف للأنظمة كما وردت في النظام الداخلي لمدارس التعليم الأساسي بعد استنفاذ كافة الوسائل التربوية الإيجابية كالنصح والإرشاد والتشجيع وحصرتها بعقوبات تنفذ بشكل تدريجي (التنبيه الخطي، الإنذار المسجل، الإنذار بحضور ولي الأمر، الإخراج المؤقت، النقل الإجباري من المدرسة، الفصل النهائي). في هذا الإطار تؤكد الآنسة رانيا الحاج علي منسقة الخطة الوطنية لحماية الطفل في سوريا من الهيئة السورية لشؤون الأسرة على أهمية توفر الغطاء القانوني لحماية التلاميذ من العنف الذي قد يتعرضوا له في المدرسة « لدينا قانون يحظر الضرب في المدارس، لكن المشكلة تكمن في آلية التنفيذ وصعوبة المتابعة في ظل عدد هائل من المدارس، والعقلية التي ما تزال ترى الضرب وسيلة للتأديب والتربية، سواء من قبل الأهل، أو في المدرسة نفسها». ويبدو أن تغير العقلية التي تأصلت فيها هذه المفاهيم ليست من السهولة بمكان، إذ ترتبط بسلسلة متكاملة، تبدأ بالعمل على رفع الوعي وتعزيزه لدى مختلف شرائح الناس بحماية الأطفال من سوء المعاملة ومن بينهم التلاميذ، مروراً بإعادة تأهيل المعلمين وتمليكهم مهارات جديدة وطرق بديلة للعقاب تضمن التعامل مع التلاميذ بطريقة تحترمهم نفسياً وجسدياً. وصولاً إلى تضمين مناهج التعليم الأساسي مفاهيم حقوق وحماية الطفل. وهو ما يتم العمل عليه من قبل الهيئة السورية وشريكتها اليونيسيف بالتعاون مع وزارة التربية بالإضافة إلى إعداد دليل خاص بالمعلمين في هذا الشأن، تقول الآنسة سلمى كحالة مديرة برنامج حماية الطفولة في اليونيسيف في سوريا «نعمل كيونيسيف مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة وبالتعاون مع وزارة التربية للوصول إلى تحقيق هذه السلسلة التي لا فكاك من أحدها، فبدون تأهيل المعلمين وخلق بيئة ملائمة لانتشار حقوق الطفل في المدرسة، سيكون من الصعب تطبيق القانون، وهو ما يتطلب وقت وجهود متواصلة، كذلك لدينا مشروع مع وزارة التربية، وهو المدرسة صديقة الطفولة التي ستطبق في خمس عشرة مدرسة ويهدف إلى تكييف المدارس لتكون بيئة آمنة وداعمة للطفل». المشكلة عالمية إن كان الحديث عن ظاهرة العنف ضد التلاميذ عنواناً فضفاضاً يتخذ صفة عمومية، يصبح اللجوء إلى الأرقام والدراسات حاجة ملّحة لتوضيح حجم وانتشار الظاهرة، حيث باشرت الهيئة السورية بإجراء بحث بالتعاون وزارة التعليم العالي والجهات المعنية في الدولة حول مدى انتشار سوء معاملة الطفل سواء في المدرسة أو الشارع أو المنزل أو دور الرعاية، تقول الآنسة حاج علي « نحن كهيئة حكومية نفضل الاعتماد على دراسة معدة من قبل جهة حكومية، وعلى ضوء نتائج البحث والنسب التي سيحددها سنوجه الخطوات القادمة». إذاً لا دراسات معتمدة حتى الآن... ولكن بالنظر إلى دراسة مسحية أعدتها اليونيسيف بإشراف د. مطاع بركات في عام 2004 تناولت واقع أطفال المدارس في المحافظات السورية، وشملت عينة البحث 8962 تلميذاً من تلاميذ الصفين الخامس والثامن موزعين على 290 مدرسة رسمية وخاصة ومدارس وكالة الغوث في مرحلة التعليم الأساسي. أتت النتائج لتشير إلى أن نسبة الأطفال الذين يتعرضون للعنف من جهة المعلم تبلغ 80% في حالة العنف المعنوي (الكلام النابي والمهين) و73% في حالات الضرب بالمسطرة، وتبين أن الإناث هن الأكثر عرضة للعنف من قبل المعلم بما في ذلك العنف الجسدي، كذلك بالنسبة لأطفال الريف مقارنة بأطفال المدينة. وأظهر البحث وجود اتجاهات قوية بين الأهالي لتأييد العنف كوسيلة تربوية، سواء في المدرسة أو في المنزل، وبلغت نسبة الآباء الذين يرون فائدة من لجوء المعلم للضرب 80%. وفي هذا السياق تعلق الآنسة كحالة على حجم الظاهرة في سورية «الظاهرة ليست موجودة في سوريا وحسب. شاركنا مع الدولة السورية في إعداد دراسة عالمية حول العنف ضد الطفل في المجتمع، وهي دراسة شملت بلدان العالم كافة، وفي 11 تشرين الأول ستقدم هذه الدراسة إلى الجمعية العمومية لمناقشتها، واتخاذ الإجراءات المناسبة فيما يتعلق بالتوصيات الواردة فيها، وما تؤكده الدراسة أن مشكلة العنف ضد الطفل عالمية، ولا تنحصر فقط في البلدان النامية». كما هناك حقوق... هناك واجبات الدعوة لإنهاء العنف ضد التلاميذ، انطلقت مبدئياً على شكل ملصقات، يرافقها عدد من الفعاليات الإعلامية المخصصة للترويج للخطة الوطنية لحماية الطفل وأهدافها ومن الفعاليات برنامج إذاعي يذاع على أثير صوت سوريا الغد، وتخصيص صفحتين من صفحات مجلة أسامة سيبدأ الإعداد لها اعتباراً من الشهر المقبل للغرض نفسه، وستضمن هذه الفعاليات جانباً للتوعية بسوء معاملة الأطفال في المدارس كجزء من إطار عام، تقول الآنسة حاج علي «نرجو أن تصل الرسالة الإعلامية من الملصق بطريقة صحيحة، فالهدف ليس دعوة التلاميذ للتمرد على مدرسيهم، أو الانتقاص من مكانة المعلم، وإنما هي دعوة ليتحمل الجميع المسؤولية تجاه الطرف الأضعف في هذه الحالة وهو الطفل»، وليس من باب التبرير تضيف «يقع على كاهل المعلمين في مدارسنا أعباء ثقيلة الحمل، سواء من حيث ازدحام القاعات الدراسية التي يصل حد استيعابها في بعض الأحيان إلى 40 طالب وما فوق، أو حيث الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يتحملونها، ولكن هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال اللجوء إلى العنف لضبط الصف». وهنا تبرز أهمية الارتقاء بواقع المعلمين والنظام المدرسي، وأيضاً ضرورة تحميل التلاميذ مسؤولية انضباطهم في البيئة المدرسية، ولن يكون هذا إلا في حال تكاتفت جهود الأسرة والمدرسة والإعلام «يترافق الحق دائماً مع الواجب، لذلك نخطط للقيام بحملات توعية للأطفال بواجباتهم، تكون رديفة لحملات التوعية التي نكرسها لنشر ثقافة حقوق الطفل ومفهوم حمايته من سوء المعاملة». "لا للعنف ضد التلاميذ"، دعوة تستحق الإقرار بأهميتها، طالما أنها تنبه لوجود المشكلة بشكل علني، بيد أن الأعمال المزمع القيام بها بحسب ما ينوي القائمون على هذه الخطوة وما ينتج عنها فعلياً، هي الكفيلة ببرهنة قدرتها على خلق مناخات موطئة لإنهاء سياسة العصا ومرادفاتها من قاموس الثقافة المدرسية وحياة التلاميذ وهي النقطة الأهم. 1/10/2006منى سويد
|