|
عزيز العطاتري
|
|
2006-10-10 |
لقد تطلب لمس حقيقة ظاهرة "امتهان" الدعارة أو البغاء أوبيع الهوى، كما يحلو للبعض تسميتها عن قرب جهدا كبيرا، خصوصا إذا عمدنا إلى النفاذ إلى كنهها من خلال المقابلة المباشرة والمعاينة عن قرب، في فضاء يعتبر فيه الجسد بكل تمثلا ته ومعانيه الموضوع الرئيسي والمركزي والعملة المتاجر بها.
فإذا كانت الظاهرة كمفهوم عام تأخذ خصائص ثابتة من الناحية المعيارية داخل المجال التداولي لعلم الاجتماع، فإن ظاهرة الدعارة والبغاء في الأوساط الشعبية المهمشة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، تحوي في طياتها ظواهر أخرى: كالعنف المادي والرمزي والكلامي، الفقر، العنوسة، والأمراض بكل أصنافها....فبعد ثلاثة أيام من محاولات الإقناع، قبلت ابنة 19 ربيعا وأم لرضيع والصغيرة "وجدان" إجراء المقابلة في مأواها الصغير الذي تغلب عليه الظلمة والعتمة، وبحضور "أمها" وإحدى جاراتها ورفيقاتها في " الضياع " حسب تعبيرها. فما إن خرجت إلى الوجود حتى تلقفها شر القدر، إذ لم تجد أما ترضعها، أو أبا يعيلها، اللهم امرأة سكن المرض أحشائها وقد بلغت من الكبر عتيا.وتعتبر العربة الصغيرة مصدر رزقهما الوحيدة، لتكون بذلك محدودية مدخول العربة، ومرض مربيتها، سببا رئيسيا في انقطاعها عن الدراسة بالقسم الثاني بإعدادية فاطمة الفهرية بمدينة أسفي.ف"الكراء والكهرباء والأدوية ومتطلبات العيش" كما تقول "س" سببا رئيسيا في خروجها إلى هذا الميدان. ما إن أقررت باستنتاجي بخروجها لامتهان الدعارة والسهر الليلي بشكل صريح ومباشر حتى انفعلت لتعنف معي قائلة "الواقع صعب أرجو أن تحس بي أنا لا أريد هذه الأمور، أنا مجبرة أنا لم أجد من ينفق علي ولا على أمي فإذا طلبت منك أن تعطيني 20 درهم أو حتى 30 درهم ستعطيها لي بدون مقابل ولوجه الله، لكن الوحوش والكلاب لن يهنأ لهم بال حتى يأخذوا حقهم بفرجهم ماذا تريدني أن أفعل هل عرض علي أحدا الشرف والستر ورفضته".اعتادت "س" على طلبات وعروض أسبوعية وأحيانا يومية، والتي تتراوح مدتها الزمنية ساعة والساعتين وأحيانا الليلة، مع شباب تفوق أعمارهم 24، وأزواج يخونون زوجاتهم.أما فيما يتعلق بالشعور الذي ينتابها أثناء الممارسة الجنسية أقسمت أنه "الله يكذب عليك شي واحد يقول ليك أني أشعر بالمتعة والنشوة الجنسية إني أشعر بالمرارة إني أتعذب في الدنيا قبل الآخرة هذه هي الصراحة".فبعد التفصيل في الجوانب الأخرى التي تصاحب العمل الجنسي من سكر ومخدرات، وفي محاولة لمعرفة مدى صحة سخطها وتدمرها من وضعها، والحالة التي تعيشها سألتها عن سلكها لطرق عمل صحيحة وشريفة، فكان جوابها أنها ذهبت إلى معامل تصبير السردين، فوجدت الأبواب موصدة في وجهها، لتتعرض بعد ذلك لعملية تحرش من طرف صاحب المقهى التي لجأت إليها قصد العمل، ولم يقف كدها وبحثها عند هذا الحد بل بدأت تطرق أبواب بيوت الموظفات اللواتي يطلبن خادمات في البيت، لكن كانت كل محاولاتها توصد بالرفض، لسبب واحد كما صرحت بذلك هو أن "صاحبات البيت كن يتخوفن من أن يقع "سي سيد البيت" في شباك حب إحدى الخادمات".وحول مصدر البنت والطفل الرضيع ردت "س" أنه "ذنب لن أغفره لنفسي، الحاجة جعلتني لا أفكر فيما قد سيحصل "وهنا زادت المعاناة ضعفا "فبعد حاجاتي وحاجات أمي أصبحت الآن مهمومة بحاجات أطفالي الذين لا ذنب لهم فحاجاتهم تزداد يوما بعد يوم لتزيد معاناتي معهم وضياعي أكثر فأكثر".فبعد اشتداد الأزمة، لجأت إلى إسكافي بالحي الذي تقطن به- تحت ضغط الأم- من أجل البحث عن أسرة تكفل إبنها الرضيع على الأقل لكن"لحسن حظي تكفلت الأسرة التي وعدني الإسكافي بالتوسط لي عندها بتوأم" الشيء الذي جعل الحزن والفرح يختلجا صدر الأم، فرحا ببقاء إبنها بقربها وحزنا باستمرار المعاناة.لكن الذي لم أتوقعه وشكل بالنسبة لي صدمة، هو أني عندما سألتها عن الإجراءات والتدابير التي ستتخذها لإيقاف هذا النزيف، ووضع حد لهذه المعاناة أوضحت أنه لا يمكنها أن تلجأ إلى طريقة "عقد القرون" لسبب واحد هز نفسي وشعوري، أنها مازالت تنتظر "ولد الناس الذي سيسترني ويصون كرامتي والذي سألد معه دون شك". وفي الأخير أبت الأم العازبة إلا أن تختم كلامها بتطلعها، في أن تجد الإنسان الشريف الذي سيسعى إلى صون كرامتها، وحفظ عرضها، وكفالة أولادها، تفهمه ويفهمها، يقدرها وتقدره.هذا يبقى آمال لكن المآل مر، فقبل التساؤل عن من يتحمل مسؤولية ما يقع والذي تشكل فيه حالة"س" جزءا من كل، لابأس أن نستفهم عن المنقد: هل هي جمعيات المجتمع المدني أم مخلصي هذا الوطن والغيورين على شرف وعرض بنات هذا البلد الحبيب؟ هذه صرخة مدوية من أم عازبة سفيانية فهل من قلوب وعقول واعية؟. سؤالي ستجيب عنه الأيام.عزيز العطاتري
|