|
قراء في مجموعة "البيت الأخضر" |
|
|
|
عبد الحفيظ الحافظ
|
|
2006-10-10 |
قصصٌ قصيرةٌ بدأت "بالرغبة" ولم تنتهِ "في زمن الغابة". سبعة عشرة قصة قصيرة غرسها الأديب عبد جعفر في ذاكرتي. حدد زمانها ومكانها 1983 / 1993 دمشق. عدن. لندن. عرفت هذا الأديب من خلال مجموعته القصصية "البيت الأخضر". قرأت هذه القصص القصيرة أعدت قراءتها، غصت في مستنقع أشخاصها، دخلت معهم إلى الأقبية والزنزانات المظلمة، تعرضت لحفلات تحقيق وتعذيب بربرية، عشت آلام هذه الضحايا المشردة في المنافي المتشابهة، عجزتُ عن الإجابة عن أسئلة الكاتب الأديب، أسئلة عديدة وكبيرة بحجم آلامنا. "البيت الأخضر" ليست قصصاً قصيرة، إنها روايةٌ، ملحمة شعب حوصر من الداخل ومن الحرب، ثم دُمر من الخارج بآلة حربٍ من قبل دولةٍ متوحشة، فاكتمل الطوق والحصار ولا يزال. ضاع أبناؤه في المنافي وفي السجون، ومن أحب فقد أحبَّ ابنة عقيد الشرطة الذي يطفئ أعقاب سجائره بأجساد المعتقلين، كسر العقيد ظلال قامته بكلماته، فود لو يهرب، أن يكون طيراً في مدايات واسعةٍ أو مطرقة تهشم هذا الخواء الضيق. تمنى الكاتب في قصة "محاولة لكتابة قصيدة" أن "يجعل بيروت بلا حرائق وبغداد بلا صلبان معقوفة". وخاطب حمورابي: "هل تستطيع أن تسنَّ قانوناً للإنسان" يا أبا المشرعين لقد تعفنت الأحكام العرفية في وطني، وانجدلت على هزائمنا الداخلية أمام حكامنا هزائمنا الخارجية أمام الأعداء، أصبحنا يا سيدي "كالنهر لا نعرف كم فقدنا على مر السنين". فالحرب المعولمة حصدتنا، وتركتنا مخصيين، والسياسة لعنها الله عرفتنا على السجون. لا أعرف الأديب عبد جعفر معرفة الصديق ولم أره رؤية العين. لكنني عرفته من سنين طوال من خلال مجموعته "البيت الأخضر"، لسعتني شفافيته. سكنتني رقة أحاسيسه. كلماته تطنُّ في أذني ليل نهار: - "مَن يُخرج الوطن من حدود القلب يمت غريباً، ومن يغشُّ خمرة الحبِّ بالخيانة يمت غريقاً بالمستنقعات". عبَّر هذا الأديب الكبير أصدق تعبيرٍ عن معاناة شعبه. أرَّخ آلامه بأجمل الكلمات، وصاغ بلغةٍ شاعرية تقطر دماً قصصاً تنطق بهذه المعاناة، فكانت ملحمةً. لم يبقَ "لصالح سالم" سوى "أنينه المتقطع يمزق وحشة المكان ويدلف معها إلى أنحاء الروح، ويخفت مكملاً مؤامرة الصمت". بما أن "البيت الأخضر" ملحمةٌ سأكتب عن قضيتين: "المنفى" و "المرأة" عند الأديب عبد جعفر من خلال قصص هذه المجموعة.. المنفى: في "أوراق مبعثرة" قال له أبوه: "إن عدت من السفر ستجدني أو تجد شاهد قبري بانتظارك". وفي قصة "الرغبة" تسأل "بديعة": مَنْ هذه الأم التي تكلمها بعد عشرة سنوات من الفراق؟. و"هل ما زالت في البيت أم؟". وأسأل بدوري: - لمَ تخلت الأمة العربية عن ابنتها الغالية بغداد؟.. إنه "منفى لا حدود له، حقائب متنقلة.. انكسارات جارحة، بطالة دائمة". لقد أصبح القطار وطننا المتحرك. سيحتفل "علي" في "صوت القطار" وسيشرب حتى الصباح، وسيدعو جميع المحشورين أمثاله في الغرف المستأجرة مجيباً عن الأسئلة: - "رجلٌ عضته الغربة والشيب يحتفل بعيد ميلاده". ويحمُل جعفر الأشياء معاناته. ففي قصة "البيت الأخضر" يكتب: "عوالمٌ متناقضة وسر تشابهها هو هذه الحجارة الواسعة التي تحتوي براكين من الغضب وأميالاً من التشرد وأطناناً من الرغبات المكبوتة"، ويسأل ولا نعرف أين يعلق الأجوبة: - "هل يعرف هؤلاء الأطفال أنهم لا يستطيعون أن يدخلوا بأمان إلى أوطانهم". إنهم يحملون أوزار آبائهم، وستأكلهم الغربة والمنفى والسفر، وأجمل اللوحات التي رسمها الفنان جعفر هي معاشرة الحزن. إن بطل اللوحة هذه يتكلم بضمير المتكلم: - "تمددت على السرير فتمدد حزني معي كامرأة عاشقةٍ تحرقك أنفاسها"، ثم يبوح بأسراره: - "كآبتي تنتفض ثانيةً، كأنها تحررت من النشوة، لماذا تتكرر آلامنا؟. إن أحزاننا تتناسل كالأرانب حتى تصبح أبناءنا، أمهاتنا، قطعةً منا وفينا. يقولون من تشابه يوماه فهو مغبون، وها هي سنيننا تتشابه، أعمارنا تتكرر". وفي قصة "نهار بلون السماء" يدخل الرجل بيته بعد غيابٍ طويل، يسأل عن طفلته، تجيبه الأم: - "ستأتيك راكضة متربة، إنها مشتاقة إليك كثيراً، وأضافت بانكسار، وأنا أيضاً" بهذه الكلمات البسيطة، الموجزة، الراكضة، لخصت كل معاناتهما وآلامهما التي لحقت بهما في غيابه، أما هو فقد اكتفى واصفاً حالته بجملة يتيمة من كلمتين: "كلبٌ ضال". وطالما عشق هذا الوجه، وكان يقول لها: - "أنتِ سمائي". وعندما اغتسلت الأرض بالمطر، عمَّد عودته إلى بيته باغتساله بالمطر ذاته. في المنفى التقى "عبد الكريم" و"عمران" وجهاً لوجه. الضحية والجلاد. سأله عمران: متى ترجعون؟.. سنرجع... الزمن طويل. و" صباح الحضرمية" في قصة "الصدف" تقول له: - "تستقرون... تتزوجون... تعاشرون... ولكنكم لا تملون الحنين". وكيف يمل الحنين يا سيدتي من خبأ الأهل والوطن في الذاكرة؟.. المرأة: نبدأ من الإهداء مع الأديب عبد جعفر "إلى ساهرة حسين صديقتي". أهدى هذه المجموعة القصصية إلى زوجته ساهرة. لكنه قال عنها صديقتي!!... في قصة الرغبة "بديعة" تسترد أنفاسها كمهرة أرهقها الجري، تسأل من لندن عن المرأة الأخرى التي تركتها في بغداد: - "هل ما زالت في البيت أم؟" وفي قصة "المستنقع" عندما أخذ مستنقع "صالح سالم" يتسع، وحوله أجساد متطايرة تنزف جروحها على الخنادق، لمح شبح زوجته سعاد، سأل: - "مَنْ؟. – أنا سعاد... جئتُ أراك... الأطفال مشتاقون إليك.. لن أستطيع... إذن أنت لست زوجي؟.. أنا؟.. زوجي طويل.. طويل جداً.. ليست له عيون القتلة"، وكانت قد هجرته عندما أفشى لها سر اعترافاته على أصحابه.. فماتت رجولته بلا قطع من المحقق. وزوجة أخرى تقول في قصة "نوارس بلا بَر": - "لماذا لا تنام؟... إنني أنتظرهم.. لا أريدهم يرعبون الأطفال. لو عرفوك لما تأخروا عن سحبك من الشارع". امرأة تهدئ من روع زوجها، إنها أدمنت تعاطي القهر وعلمتها الحياة، بل إن سعاد أنكرت زوجها لأنه يغوص بالمستنقع المدمى. عجز عن السعي إليها ورأت في وجهه عيون القتلة. هذه هي المرأة التي يعانقها بحرارة الأديب عبد جعفر في قصصه. ابنة عقيد الشرطة كانت الاستثناء "قفزت.. صبت فرحها قبلات في وجهه، قبل أن تنفجر باكيةً لاطمةً". عندئذٍ تلمس جدران الغرفة وخطوط الطفولة عليها، كل شيءٍ سيصبح ماضياً. ابنة "العقيد وضعت يدها ورائحتها في روحه وسارت به، لم يقل شيئاً، فالحب واللهفة لامتلاك جسدها الجميل أغلق فمه" واستمر يغمر رغباته بطراوة جسدها. قد نجد العذر لهذا الموقف الظالم من المرأة. ابنة العقيد. لقد كره الرائحة التي تلبستها. كره العقيد الذي فيها، فرائحته تسد المسامات في روحه. يحذرنا الكاتب في قصة "أوراق مبعثرة": - "إياك والكتابة للنساء فجميعهن خائنات" والرجل؟. "يا غبي.. كيف تحدث خيانة النساء بلا رجال؟" فمن " يغش خمرة الحب يمت غريقاً بالمستنقعات". هنا نتساوى بالخيانة، ويبرز وجه الكاتب الذي خرج من عباءة الرجل الشرقي إلى فضاء الحرية والمساواة. يصف لنا المرأة في "البيت الأخضر" و"امرأة متوحدة تفتح ذراعي غرفتها للعاشقين" يتحدث عن هذه المتوحدة بإجلال. فعاشق الحرية لا يضنُّ بها على المتوحدة ولا على العشاق فالحرية حق طبيعي للإنسان وتلك المرأة في قصة "لحظات تشبه الزئبق" تدعو الغريب الذي يبحث عن بيت صاحبه "مروان المغربي"، تدعوه ليذهب معها. لكنه يسأل عن الجامع الكبير "قهقهت بصوتٍ عال، ووضعت حفنة نقود في يديه وقالت: في المسجد لن يعطوك أكثر". أما قصة "الصدف" بعد قراءة هذه القصة القصيرة لا نستطيع أن نتخيل العيش ممكن في هذا البناء المتآكل على شكل صدفة كبيرة سوداء بدون صباح الحضرمية ونجلاء اليافعية ذات الصدر البارز كثيراً. "البيت الأخضر" مجموعةٌ قصصية قصيرة لخصت معاناة الكاتب ومأساة شعب. معاناة إنسان وعائلة ومجتمع. شعبٌ ينتظر أن يستيقظ ضمير العالم النائم، ليرفع عنه يد سلطة استبدادية، ويد رأسمالية متوحشة، استمرت طوال عقد من السنين تزرع الرعب والموت والدمار في أرجاء وطنه باسم شرعية مهترئة. شعب ينتظر أن يرى الحرية في ربوع وطنه ليتخلص من هذا الكابوس المرعب ليحيا بأمان وسلام."البيت الأخضر": مجموعة قصصية – ص117. الكاتب الأديب: عبد جعفر – العراق. دار الكنوز الأدبية: بيروت ط1 / 1994.عبد الحفيظ الحافظ
نشر في جريدة تشرين 10/9/2000
|