|
"أسس البحث العلمي لظاهرة العنف" في ندوة بقسم الطب الشرعي |
|
|
|
نساء سورية
|
|
2006-10-03 |
للطب الشرعي دور مهم في كشف وتوثيق، وأحياناً مواجهة العنف بكافة أنواعه، خاصة المنزلي منه. إلا أن الطب الشرعي في سورية،
الذي يعاني أصلاً من التهميش والإهمال، يجد نفسه بعيداً عن أداء دوره الهام لأسباب كثيرة، لعل على رأسها أن الطبابة الشرعية في سورية تتبع عملياً لوزارة الداخلية، وليس للجامعة. وبالتالي فهي لا تتمتع عموماً بصلاحيات واسعة لتقوم بدورها. وسورية من بين الدول التي لم تعتمد بعد التقنيات الحديثة في الكشف عن الجرائم. خاصة تحليل الـ DNA، والذي بات أساسياً في العديد من دول العالم، ليس في علم الجريمة فحسب، بل أيضاً في قضايا أخرى كإثبات النسب..jpg) وفي محاولة لتجاوز هذا الواقع، وليتقدم الطب الشرعي كي يأخذ دوره الهام في مواجهة العنف المنزلي المستشري في بلدنا، رغم إنكار البعض بحجة غياب الأرقام. عقد قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق، بالتعاون م معهد الطب الشرعي في جامعة هامبورغ، ألمانيا، ندوة خبراء تحت عنوان: أسس البحث العلمي لظاهرة العنف. قدمت خلالها العديد من الأوراق الهامة. وقبل أن نبدأ باستعراض وقائع الندوة، والنقاش المختصر الذي دار فيها، لا بد أن نشير إلى ثغرات هامة جداً اعترت هذه الندوة. يقف على رأسها الحشد الهائل للمحاضرين. إذ بلغ عدد المتحدثين وفق البرنامج 15 مداخلاً قدموا جميعاً، باستثناء شخص غاب، مداخلاتهم! إضافة إلى عدة مداخلات من مدراء الجلستين! وطبعا برمج هذا على أساس 10 دقائق للمداخلة الواحدة! وهذه مساحة زمنية قصيرة للغاية في مواضيع مهمة جداً. وخاصة في بعض المجالات القانونية. والأمر هنا لا يتعلق (بالاقتصاد) في الكلام. بل بمسخ الكثير من المواضيع من حيث النتيجة. ولم نجد أي مبرر لهذا الحشد. إذ كان يمكن أن تقسم الندوة إلى أكثر من ندوة، أو أن تختصر المداخلات إلى ثلاث أو أربع مداخلات. مما كان سيسمح، ليس بإمكانية تقديم حد أدنى من الوضوح في المداخلات وحسب، بل أيضاً بإفساح المجال لبعض النقاش الذي كان ضرورياً للغاية، أو على الأقل لاستفسارات هامة. يمكن أن نقسم مواضيع هذه الندوة إلى قسمين: الأول هو المتعلق بالطب والشرعي منه خاصة. والثاني هو المتعلق بما يتم العمل عليه في مجالات أخرى في ظاهرة العنف.أولاً: الطب الشرعي، هموم وآفاق:.jpg) يبدو أن الأطباء الذين تحدثوا في الندوة (أ.د. محمد فوزي النجار، أ.د. سلوى الشيخ، د. ياسر صافي علي، د. سحر الياس، د. بسام المحمد، د. عصام خوري، أ.د. هيام بشور) متفقين على بضعة محاور هامة. يقع في أولها الحاجة الماسة إلى تطوير قطاع الطب الشرعي ليس تكنولوجيا فحسب، بل أيضاً تدريبياً عن طريق دورات وورشات عمل تهدف إلى تمكينهم من مقاربة حالات العنف المختلفة. وبينما أشار البعض إلى أهمية أن تتبع مراكز الطب الشرعي في المحافظات للجامعة، بدلا من وزارة الداخلية كما هو الحال، من أجل ضمان أعلى مستوى من المصداقية العلمية، أكد البعض الآخر على دور الطب في كشف وتوثيق ومواجهة ظاهرة العنف بوجه عام، وظاهرة العنف المنزلي بوجه خاص. وقدم د. بسام محمد دراسة هامة جداً أجراها عبر مركز الطبابة الشرعية بحمص، شملت 216 حالة ممن راجعن المركز عام 2004-2005. وخلصت الدراسة إلى أن 98 % من الحالات كان الزوج هو المعتدي. وفي 99 % من الحالات تكرر الاعتداء، و81% منهن تعرضن لسجات وكدمات نتيجة هذا العنف. (اقرأ المداخلة..). إلا أن الجميع اتفق، بدرجة أو أخرى، على أن مجتمعنا يعاني من ظاهرة العنف المنزلي، وأن هناك مشكلة في انعدام الإحصائيات حول هذا الأمر. ربما باستثناء د. محمد توفيق البوطي، رئيس قسم الفقه الإسلامي في كلية الشريعة بدمشق، الذي أشار إلى حجم ظاهرة العنف ضد المرأة في الغرب رغم المساواة والقوانين، عاداً مجتمعاتنا لا تعاني من نفس مستوى الظاهرة. ومؤكداً أن أحداً لا يمكن له أن يدافع عن العنف ضد المرأة. ولعل مداخلة د. مطاع بركات تميزت أيضاً، رغم الوقت القليل الذي لم يسمح له بإكمالها. وكانت تحت عنوان: الاستغلال الجنسي للأطفال كما يتذكره الراشدون من طفولتهم. وهي عبارة عن دراسة نتائج استبانة تضمنت 123 سؤالاً وزعت على 400 طالب وطالبة في جامعة دمشق. وأشارت الدراسة إلى أن 40 % من المفحوصين قالوا أنهم تعرضوا لخبرة جنسية في فترة الطفولة ومنعهم الخوف من إخبار أحد بذلك. (اقرأ المداخلة..). وقد بات واضحاً الآن مدى الحاجة إلى دراسات موسعة وعلى نطاق واسع لظاهر العنف العائلي. إلا أنه لا بد من القول أن مثل هذه الدراسات لا يمكن أن تنجز دون تسهيلات أساسية من الجهات المعنية. فهي تحتاج إلى تمويل جيد من ناحية، وتحتاج أولاً إلى تعزيز قانوني يسمح للدارسين بالوصول إلى كافة الملفات المتعلقة، سواء في وزارة العدل أو وزارة الداخلية أو وزارة الصحة، دون معوقات ومضايقات. وهذه الدراسات الموسعة، برأينا، هي التي يمكنها أن تصل إلى الأسباب الدقيقة لهذه الظاهرة، بشكل منهجي علمي. وبالتالي يمكنها أن تصل إلى تصورات حلول معقولة.ثانياً: عمل دؤوب على عدة جبهات: في المجالات الأخرى المتعلقة بظاهرة العنف، عزت الآنسة لينا شيخاني شيوع ظاهر العنف المنزلي إلى الابتعاد عن الدين. وهي صيغة بتنا نسمعها دائماً دون أن تقدم براهين وحجج مناسبة، فهل بعض الأئمة الذين يحاضرون على ميكروفونات الجوامع، داعين إلى تأديب المرأة، هم بعيدون عن الدين؟ وهل البلدان التي تدعي تطبيق الإسلام على أصوله هي خالية من العنف المنزلي؟ يبدو لنا أن وضع الدين في مواجهة ظاهرة العنف المنزلي هو المشكلة، وليس وضع االظاهرة في مواجهة الدين كما أشار د. البوطي. فالذين يدعون إلى مواجهة علمية مع هذه الظاهرة لا يدعون أن الإسلام هو السبب، أو أنه يدعو إلى هذا العنف، بل هم واضحون في أن الفهم الذكوري السائد هو المسؤول تحت مسميات عدة بينها الدين الإسلامي. ويرون أن للإسلام، ولرجال الدين الذين يعبرون حقاً عن جوهره، دور هام جداً في مواجهة هذه الظاهرة. وهذا الدور يحتاج إلى نقاط ملموسة واضحة لا لبس فيها. وأما القول دائما أن المشكلة هي الابتعاد عن الدين، فهي لا تعدو أن تكون، بشكل آخر، دفن للرأس في الرمال. د. كندة الشماط أشارت إلى دور القوانين في تأكيد أو مواجهة ظاهرة العنف، خاصة الموجه ضد المرأة، (اقرأ المداخلة..). والمحامية حنان نجمة قدمت عرضاً بينت فيه بعض المواد القانونية التي تساهم في تكريس ظاهرة العنف المنزلي. والمحامية منى أسعد قدمت عرضاً سريعاً جداً لمشروع قانون الطفل الذي تعده الهيئة السورية لشؤون الأسرة. والسيدة صباح الحلاق أكدت على العمل الذي تقوم به الهيئة السورية لشؤون الأسرة في هذا الإطار. وتحدث بسام القاضي عن المعوقات التي تعترض نشر التوعية بقضايا العنف المنزلي (اقرأ المداخلة..). وفي التعقيبات التي تلت الندوة، تحدث د. العاسمي عن ضرورة تحديد مفهوم العنف وأشكاله. واعتبر العنف مسألة نسبية. فهناك عنف إيجابي، وهناك عنف سلبي. وضرب مثلاً في ذلك المقاومة كعنف إيجابي! الواقع أن هذا الرأي سائد على نطاق واسع. ويكفي فقط أن نستبدل هنا "المقاومة" بالتأديب، والإصلاح، والتقويم... حتى نجد بالضبط المبررات الأكثر شيوعاً للعنف الممارس في مجتمعنا بكافة أشكاله، والمنزلي منه خاصة! ود. العاسمي الذي أرجع المسألة إلى "موقعنا" من هذا العالم الذي "يفرض" علينا أن نكون عنيفين، نسي على ما يبدو، أن العنف الذي نتحدث عنه هنا هو عنف داخلي محض! عنف مصدره وهدفه المواطن السوري، والمرأة والطفل خاصة. عنف لا نتيجة له سوى التدمير والتشويه والأذى، الجسدي والنفسي. مع ذلك، يبدو أنها إضافة قيمة من د. العاسمي أن وضع مثل هذا التمييز: العنف الإيجابي البناء، والعنف السلبي الهدام! (بما يذكر مباشرة بالمآسي التي حملتها صيغة مشابهة تتحدث عن "النقد البناء والنقد الهدام"!) وإن كان لم يقدم لنا، بفرض إمكانية قبول مثل هذه النظرية، أية قواعد ومعايير للتمييز بينهما! هل هي نوايا من يمارس العنف؟ أم مستوى ما "ارتكبه" المننف؟ أم اعتبار اجتماعي سائد في مرحلة ما؟ أم اعتبار أخلاقي مطلق؟ أم مصلحة خاصة أو عامة؟.. د. لينا الحمصي، ساهمت أيضاً بتأكيد دور رجال الدين الوسطيين المعتدلين في مواجهة هذه الظاهرة. وأشارت إلى أن الرجال يمارسون هذا العنف مستخدمين ما يعتقدون أنه سلطة دينية ممنوحة لهم بذلك. والنساء يقبلن هذا العنف للسبب نفسه. ولذلك رأت ضرورة مشاركة رجال الدين في كافة أوجه العمل المتعلق بهذه الظاهرة. د. محمد توفيق البوطي، عقب بتأكيد أن هذا العنف يشكل ظاهرة سلبية. لكنه شكك بأن يكون المثال الغربي هو الدافع، متسائلا عن الأرقام الكبيرة التي تنشر عن العنف الممارس في الغرب. وأشار إلى أن سوء فهم بعض النصوص يلعب دوراً مهما في هذه الظاهرة. ورأى ضرورة أن تكون هناك ثقافة واسعة وتأهيل أسري مناسب لمواجهة هذه الظاهرة، بما يشكل ما يشبه المعالجة المسبقة. على وجه العموم كانت الندوة غنية إلى حد بعيد. لولا أن هذا الغنى تأثر جدياً بالتنظيم الذي عانى من ثغرات هامة. ومن الجدير بالذكر أن د. سحر إلياس، والآنسة أمل إلياس، كان لهما الدور الأساسي في نجاح هذه الندوة، رغم أنها تجربتهما الأولى.
|