|
دور الطب الشرعي في حالات العنف العائلي والعنف الجنسي |
|
|
|
د. سحر الياس
|
|
2006-10-03 |
يسعدني في هذا اليوم أن نكون معاً لنناقش ظاهرة العنف العائلي في مجتمعنا، هذه الظاهرة التي لم تعد تخضع للأسرار العائلية ولا يستوجب الخوض فيها الحياء،
وإنما أخذت تعبر عن نفسها كمرض حقيقي له أبعاده الاجتماعية والصحية والاقتصادية التي يتوجب معها التعمق في هذه الظاهر لإيجاد أنسب الطرق في مقاربتها والوقاية منها. أولاً، وبشكل مختصر عن نشاطاتي، فقد عملت كطبيبة مقيمة للاختصاص في معهد الطب الشرعي التابع لمشفى أبندورف- هامبورغ الجامعي من عام 1999 وحتى 2006. ومن فعالياتي خلال ذلك هي العمل في المركز المؤهل لفحص ضحايا العنف، وهذا المركز الذي يعد من المراكز المؤهلة في ألمانيا وأوربا. وما أريد تقديمه اليوم هو إعطاء فكرة عن دور القطاع الصحي في التعامل مع ضحايا العنف وتدبيرهم مع التركيز علىدور الطبيب الشرعي كأحد عناصر القطاع الصحي. ولم تعد متابعة حالات العنف فقط فعالية من فعاليات قسم الشرطة أو قسم التحقيق والجريمة، بل إنها أحداث يحتاج تدبيرها إلى تقديم سلسلة متكاملة من الخدمات التي يقع جزء منها ضمن نشاط القطاع الصحي الذي يتمثل دوره في الوقاية والتدبير. وتتمثل هذه العناي الصحية في العناية الطبية والنفسية بضحايا العنف، وفي كثير من الحالات يتطلب الأمر جمع آثار ومخلفات حالات العنف الواقعة على الضحية لتوثيقها بشكل جيد حيث يمكن الاستفادة منها لدعم موقف الضحية القانوني في المحاكمة. ومن هنا تأتي أهمية إيجاد المراكز المؤهلة لفحص ضحايا العنف وتدبيرهم، سواء كان ذلك على المستوى الطبي أو الاجتماعي أو القانوني. إن الجانب الصحي مجتمعا مع الجوانب الأخرى الاجتماعية أو القانونية أو غيرها، يمكنه وضع برامج متطورة وفعالة وخطط لمقاربة ظاهرة العنف وتدبيرها والوقاية منها، فيما يلعب الطب الشرعي كجزء من القطاع الصحي دوراً خاصاً ومميزاً في هذه البرامج والخطط. فمن واجبات الطبيب الشرعي توجيه ضحية العنف إلى جهات طبية مختصة ليتأكد من حصولها على الرعاية الصحية اللازمة. ففي حالات الاغتصاب مثلا يجب على الطبيب الشرعي إجراء واجباته بالفحص الشرعي، وأن يقدم للضحية النصح للقيام بالوسائل الوقائية لتجنب عدوة الأمراض المنتقلة بالجنس. دور آخر للطبيب الشرعي، وهو دور معروف يتمثل في تقصي الآثار والأدلة وتوثيق الموجودات سواء كات على الضحية أو الجاني أو في مكان الحادث. ومن مهام الطبيب الشرعي بعد قيامه بعمله أن يوجه الضحية إلى المراكز والجهات الأخرى المختصة لمتابعة تدبير آثار العنف الواقع عليها، سواء كانت هذه الجهات طبية.. نفسية.. اجتماعية.. او غيرها. إجراء مسح وتحليل منهجي للمعلومات التي تم الحصول عليها من خلال دراسة حالات العنف، وهذه تساعد على فهم هذه المشكلة وأبعادها وتساعد بالتالي على وضع خطط فعالة لحشد الفعاليات اللازمة لمساعدة ضحايا العنف وتقديم الخدمات اللازمة لهم، ويتم الحصول على هذه المعلومات عادة خلال عمليات الكشف الطبي الشرعي. وهذه المعلومات تساعد في معرفة عناصر الخطورة التي ساهمت في حدوث حالات العنف، كما تساهم في وضع خطوة جيدة وخطط هادفة في الوقاية والتدبير. ومن هنا نرى أن للطبيب الشرعي دور كبير في مقاربة ظاهرة العنف لا يمكن إغفاله ولا يقل أهمية عن دور الجوانب الصحية الأخرى في تدبير ضحايا العنف. إريد الآن التركيز قليلاً على أحدى حالات العنف ضد النساء وهو العنف الجنسي لما له من خصوصية يستوجب الوقوف عندها. ففي الكثير من الحالات، حتى في دول العالم المتقدم، لا تلقى ضحية العنف الجنسي ما تحتاجه من اهتمام وتدبير طبي ونفسي واجتماعي. وذلك لعوائق عديدة تجعل تقديم الخدمات لهذه الفئة صعبة جداً. ومن جهة أخرى فقد تتعرض الضحية لفحص متكرر قد يكون سبباً في إحداث رض نفسي لديها. خلل آخر ينال الخدمات المقدمة لضحايا العنف الجنسي، هو عدم وجود الكادر المؤهل لفحص وتدبير حالات العنف الجنسي. حيث قد تهمل الآثار الواقعة على الضحية. كما قد لا يتم تقديم التقرير الطبي الجيد والمقنع لدعم موقف الضحية القانوني. ومن هنا كان اهتمام منظمة الصحة العالمية بتقديم الكتيبات والمراجع اللازمة للأخصائيين من أجل تثقيفهم وزيادة معارفهم. كما كان الاهتمام بتطوير برامج لتدبير ومقاربة ضحايا العنف الجنسي. ومن مشاريع منظمة الصحة العالمية في هذا الميدان نذكر بعض الأمثلة: ضمن خطة ههذ المشاريع كان الاهتمام بالدرجة الأولى بتقديم الخدمات الطبية والطبية الشرعية. وأما القائمين على تغطية الجانب الطبي الشرعي فكانوا أطباء عامين أو ممرضات شرعيات أو حتى عناصر من الشرطة تم تدريبهم لهذا الغرض. واختلف مستوى تدريب هذه العناصر كثيراً، مما أدى بالتالي لاختلاف في مستوى التدبير والتوثيق للحالات. نقطة اختلاف أخرى هي المكان الذي يتم فيه تدبير الضحايا (هل هو قسم الإسعاف بالمشفى، أو قسم متخصص لذلك، أو أماكن مختلفة؟ ولكل من هذه سلبياتها وإيجابياتها). كما اختلفت هذه المشاريع في شكل الخدمات التي تقدمها (فهل تتم معاينة الضحايا حتى دون وجود الشكاوى لدى الشرطة؟ وهل يتوجب على الضحية دفع مقابل للخدمة التي تحصل عليها؟). كما اختلفت الوسائل التي تم من خلالها تعريف ضحايا العنف عن وجود مثل هذه الخدمات. أمثلة على هذه المشاريع: في نيوزلادة مثلاً: فإن هناك طاقم طبي مدرب متخصص بتدبير ضحايا العنف الجنسي. وكانت جاهزيته على مدى أربع وعشرين ساعة. ومكان عمله هو قسم خاص مزود بما يحتاجونه للقيام بعملهم. وكان يتم إرسال الضحايا لهذا المركز. أما في الولايات المتحدة فتختلف الخدمات حسب الولايات. وبشكل عام فإن هناك فريق عمل متكامل مؤلف من المدير الطبي ومن الاجتماعي والممرضة الشرعية التي تلقت تدريباً خاصاً لخدمة ضحايا العنف الجنسي في المشافي. ويقدم مركز ضحايا العنف الجنسي في بريطانيا خدماته دون مقابل لضحايا العنف سواء تقدموا بشكروى أم لا. ويعمل عادة بمثل هذه المراكز ممرضات شرعيات يقمن بتقديم الرعاية لضحايا العنف الجنسي وإجراء الفحص الشرعي لهن وتوجيههن وتقديم النصائح اللازمة. وهناك مراكز أخرى يتم فيها تدريب عناصر من الشرطة على القيام بمهمة الطبيب الشرعي. في هامبورغ بدأ معهد الطب الشرعي، ومنذ عام 1998 بتقديم خدماته مجاناً لضحايا العنف حتى لو لم يتقدموا بشكوى لدى الشرطة أو دعوى في المحكمة. وكان العمل في المعهد يقع على عاتق الأطباء الشرعيين. وفي عام 2003 تبلورت نشاطات مجموعة العمل وتم تأسيس المركز المؤهل لرعاية ضحايا العنف. وتضم مجموعة العمل إلى جانب الأطباء الشرعيين المؤهلين اجتماعياً ومعالجيين نفسيين. وأصبح الآن من المراكز المؤهلة في ألمانيا. ويعمل أيضاً على المشاركة في إقامة الندوات والدورات التأهيلية لعناصر الجهات الأخرى الطبية والشرطة والحقوقيين وغيرهم. الخلاصة: يعد الطب الشرعي أحد أجزاء القطاع الصحي المهمة لتقديم الرعاية لضحايا العنف وهو لا يمثل فقط حلقة وصل بين الطب والقانون، بل يربد بين الأجزاء الأخرى من القطاع الصحي والمنظمات الإنسانية التي تعمل على مساعدة ضحايا العنف. ولكي نصل إلى هدفنا في تخفيف معاناة هؤلاء الضحايا ومساعدتهم على تجاوز محنتهم السابقة بالشكل الأسلم والأسرع فإن علينا التعاون معاً مع كل الفعاليات المهتمة للقيام بخدمة ضحايا العنف."قدمت هذه المداخلة في ندوة خبراء بعنوان أسس البحث العلمي لظاهرة العنف، أقامها قسم الطب الشرعي بجامعة دمشق، بالتعاون مع معهد الطب الشرعي- جامعة هامبورغ- ألمانيا، بدمشق 2/10/2006".د. سحر إلياس: قسم الطب الشرعي، كلية الطب البشري-جامعة دمشق |