|
المحامي بديع وسوف
|
|
2006-10-03 |
قديمة هي فكرة الأممية فقد جاءت مع ديني العرب (المسيحية والاسلام) أي انطلقت قوية تحمل كافة مقوماتها من الأرض العربية والثقافة العربية.
فدينا العرب جاءا لكافة البشر وأول خطاب مكتوب يتوجه إلى الانسان أينما كان (فلا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى) والتقوى هي البر بالإنسان من حيث النتيجة. (أخوك هو من يصنع معك الرحمة) فصانع الرحمة إنسان أي كان وأي كانت جنسيته وخاطبا البشر (يا بني آدم) فالناس إخوة وأنزل رحمة بالعالمين. ولا خلاف على أنهما حملا أنبل معاني الرقة والسلام ورفعا قدر الانسان (فهو على صورة الله) ويستحق كل احترام فكرامته لصيقة به كونه إنسان فهو مكرم ويجب أن يعيش بسلام وأمان وكي يعيش بسلام فلا بد له من بيئة صالحة وملائمة بعيدة عن الانفعال والكره والغضب والحرب.. وحتى يعيش ملكوت الله على الأرض يجب أن ينعم بالاستقرار والأمان وهذا لا يتحقق إلا من خلال إشاعة ثقافة السلم والمحبة التي تناقض تماما ثقافة الحرب والعدوان.. ولكن تعثر هذه الفكرة حينها يعود إلى أن السلطة الرومانية استغلت الدين المسيحي وكذلك سلطة الخلافة في الشرق استغلت الدين الاسلامي. وبذلك ابعدا عن مضامينهما وأصبح السلاطين والقياصرة يبنون أمجاد سلطانهم باسم الدين والدين منهم بريء. فلم تجد الفكرة الاممية طريقا إلى تنظيمها لتصبح هيئة لها نظام قانوني وشرعية دولية إلا في العصر الحديث.. فبعد مخاض طويل وعسير ولدت هيئة الأمم المتحدة من رحم العنف المجنون الذي حصد أرواح الملايين من البشر مع نهاية حرب الثلاثين (1618 – 1648) في أوربا التي انتهت بمؤتمر وستفاليا. مرورا بالحرب العالمية الأولى وتشكيل عصبة الأمم المتحدة وانتهاء بالحرب العالمية الثانية.. فارتفع صوت دماء الضحايا ليصل إلى ضمائر المصلحين في أنحاء العالم لتحصين الانسان ومنع الاتجار بدمه ومشاعره. فليس هناك ما هو أغلى من هذه الدماء البشرية التي تسفك بالمجان لينتفخ تجار الحروب بالثروات.. فكل النزاعات تحل بالسلم والمفاوضات بدل الحرب الذي يتناوب فيه الأطراف بالخسارة والربح وتتحول خيرات هذه البلاد إلى بواريد وقنابل. فالحرب تاريخيا لم يثبت نصرا دائما ومستقرا فالهزيمة ممكنة لكن يبقى الشعب المهزوم يراكم عناصر النصر إلى أن تكتمل فينتفض ليأخذ نصرا في دولة كانت منتصرة ولكنها دخلت في طور الضعف.. هذا شأن الحرب الذي لا ينتهي ويأتي على كل شيء جميل.. من هنا كانت الأمم المتحدة الخيار الأفضل للبشرية مقاصدها, نشر الأمن والسلام في العالم استنادا على قوانين وإعلانات وعهود ومعاهدات وهذا ما يسمى الشرعية الدولية وابتدأت هذه الشرعة بميثاق الأمم المتحدة الصادر في 26/ حزيران/ 1945 بسان فرانسيسكو والذي صدر في ختام مؤتمرها الخاص بنظام الهيئة الدولية وأصبح نافذا في 24/ تشرين أول 1945. ومن خلال ديباجته يتضح العمق الانساني الذي جاء منه فقد صدر باسم شعوب العالم ليقول: ((نحن شعوب الأمم المتحدة , وقد آلينا على أنفسنا , أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الانسانية مرتين أحزانا يعجز عنها الوصف ,وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدرهوبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية , وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي , وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدما وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح , وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا: 1- أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار. 2- وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي. 3- وأن نكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها ألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة.4- وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها.5- قد قررنا أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الغراض., ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة فرانسيسكو الذين قدموا وثائق التفويض المستوفية للشرائط قد ارتضت ميثاق الامم المتحدة هذا وأنشأت بمقتضاه هيئة دولية تسمى المم المتحدة)).. وبذلك أصبحت هيئة الأمم ذات شخصية اعتبارية مستقلة ومتميزة عن أعضائها لها قوانينها التي يجب على الدول ذات السيادة والموقعة على ميثاقها احترام هذه القوانين كاحترام المواطن لقوانينه الوطنية وذلك لاجتثاث آفة الحرب من على هذا الكوكب الجميل لأن الحروب من أشد أعداء الانسان والبيئة. وإن كان هذا الوضع القانوني للمنظمة الدولية إلا أن الواقع يثبت أن هناك قوة امبراطورية لا ترى في هذا العالم سوى مصالحها الرأسمالية وتستغل هذه المنظمة تارة من خلال قوانين الهيئة التي تفسرها بغير حسن نية أو من خلال قوتها الغاشمة على الأرض لتفرض عليها الأمر الواقع أو من خلال التمويل لوكالاتها وتارة من خلال الأحلاف السرية التي تدمر السلام العالمي أو من خلال عدم تنفيذ بعض قراراتها عندما تتعارض مع مصالحها.. وقد قال أحد هم إن (العالم بحاجة للقانون الدولي والولايات المتحدة بحاجة إلى العالم). ففكرة هيئة الأمم المتحدة هي الخيار الأفضل ويجب النضال من أجل استمراره وتقدمه ليكون القانون الدولي هو الحكم العادل والمحايد الذي يقول كلمته بمواجهة الدول كبيرة كانت أو صغيرة فقيرة أو غنية قوية أو ضعيفة.. وهناك الكثير من أحكام محكمة العدل الدولية صدرت تدين أعمال الولايات المتحدة الأمريكية وألزمتها بالتعويض.. ويترافق مع وجود هذه الهيئة أدبيات وثقافة السلم لإطفاء التوتر بين الدول للوصول إلى سياسات دولية توئد الحروب وتقوم على حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية بإحلال منطق العقل والعدل بدلا من بطش القوة.. فالسلام يقوم على المحبة والتسامح أما الحروب فتقوم على إشاعة الكره والحقد لتوفير شروط القتل الذي يقوم عليه النصر في الحرب وهذا يتحقق في الدول المعتدية. أما الدول التي تملك حقا مغتصبا فلا تحتاج إلى الكراهية بل بكل محبة تنتصر لأن الحق لها وعندما تحارب فإنها تحارب لاسترجاع حقوقها المغتصبة وعندما تقتل المعتدي فإنه حقها في الدفاع عن حقوقها وكافة الشرائع الدولية والأخلاقية تعطيها هذا الحق لرد العدوان. وهنا فمن خلال ميثاق الأمم المتحدة (فقرة 1 من المادة 1 من الميثاق) فعلى العالم أن يحشد جيوشا لمساعدة هذه الدولة في رد العدوان. كم ذلك رائعا عندما يطبق بعدالة.. وعلى الجميع بذل الجهود من أجل تعديل وتطوير نظام الهيئة ليصبح أكثر عدلا وأكثر فاعلية لحماية حياة الأجيال القادمة ومستقبلهم. المحامي بديع وسوف |