|
لا ينقذ الإصلاح إلا المرأة |
|
|
|
عبد السلام هيكل
|
|
2006-10-03 |
افتتاحية مجلة الاقتصاد والنقل شاءت الصدف أن ألتقي في مصر بعرّافة ذات شهرة تقرأ الفنجان. وقد قادها ما رأته في فنجاني لأن تقول لي بأن النساء ناقصات عقل ودين، وأنّ على الرجل السعي دائماً لإصلاحهن وإلا فإنّه سيتحمّل أوزار أخطائهن، وكلاهما محاسب عليها يوم الدين! ووصل بها الأمر لـ"تنوّرني" عن "واجب" الزوج بضرب زوجته ليعيدها إلى جادة الصواب الذي لا بدّ أنها ستحيد عنه. كلام العرافة وإن أضحكني حينها، يأخذ منحىً جديّاً عندما نرى أن هذا الرأي هو بالفعل جزء من هويتنا الثقافية بالرغم من كل ما قيل ويُقال عن المناصب التي وصلت إليها المرأة في سورية، وعن مكانة المرأة التي ضمنها التشريع الإسلامي، وعن المبادرات الرسمية والأهلية لتمكينها. وعقلية التفوق الذكوري على المرأة موجودة بصيغ مختلفة في مجتمعنا، قد تصل أو لا تصل إلى الحدّ الدرامي للضرب (تبلغ نسبة النساء اللواتي يضربهن أزواجهن في سورية 38%). وما زالت هذه العقلية منتشرة بشكل واسع في أوساطنا الشعبية، بل وفي بعض الأوساط التي يُفترض أن سعة إطلاعها وجودة حياتها قد أبعدتها عن مثل تلك النظرة المسيئة والخاطئة للمرأة. وما زالت أغلب دول العالم الثالث تفضل المواليد الذكور على الإناث، وبينما يلجأ الصينيون إلى الإجهاض المولود الأنثى، يلجأ السوريون إلى استمرار التفريخ إلى أن يأتي الصبي الذي سيحمل اسم العائلة. إلا أن المرأة قد أثبتت عالمياً- وفي إطار التطور الذي وصلت إليه الدول المتقدمة- أنها ندّ للرجل بل وتتفوق عليه في العديد من المجالات التي كانت تعتبر حكراً على الرجل، ومن ذلك القيادة والإدارة في المجال الاقتصادي. وتدل العديد من الدراسات بأن بالرغم من أن أسلوبي القيادة لدى المرأة والرجل مختلفان، إلا أن لدى المرأة في الحقل الإداري ميزات تسبق بها الرجل. فنشأة المرأة وفيزيولوجية دماغها تجعلاها أفضل من الرجل في بعض الصفات الإدارية والقيادية. والاختلافات عموماً بين الرجل والمرأة تتعلق إما بأسباب طبيعية بيولوجية، أو بأسباب مكتسبة من التربية والمجتمع. أما بالنسبة للاختلافات المتعلقة بالتركيب الفيزيولوجي فدماغ الرجل مثلاً أكبر بحوالي 10% من دماغ المرأة، ولكن المرأة لديها نهايات عصبية أكثر في عدة أجزاء من الدماغ. كما أن الجسم الثفني (وهو مجموعة ألياف عصبية توصل نصفي الدماغ الأيمن والأيسر) أكبر لدى المرأة مما هو عند الرجل، مما يجعل المرأة أقدر على نقل المعلومات بشكل أسرع بين النصف الحسابي اللغوي، والنصف الحسي البصري وهذا بدوره يؤدي إلى أن المرأة أقدر على القيام بعدة مهام في وقت واحد. أما بالنسبة لتأثيرات التربية والمحيط، فالمدير الرجل تتطور لديه شخصية مسيطرة ومتحكمة، أما المرأة فيتكون لديها أسلوب يعتمد بناء فريق والتشاور للوصول إلى الإجماع. وتشير العديد من الدراسات في الإدارة والقيادة بأن الدافع الرئيسي لدى المرأة هو الرغبة بالبناء أكثر من الرغبة بالفوز، على عكس الرجل. وبالتالي فالمديرة المرأة لا تمانع في تقديم بعض التنازلات أو في الاحتكام إلى آراء أشخاص غيرها بمن في ذلك مرؤوسيها. بينما يعتقد أغلب الرجال أنهم إذا استشاروا مرؤوسيهم أو زملاءهم فإنهم سيبدون وكأنهم قادة غير أكفاء ليس لديهم حلول للمشاكل أو أجوبة للأسئلة التي تطرح. وفي الوقت الذي يتمتع الرجل بمزايا رئيسية تتجلى في سرعة وثقة باتخاذه للقرارات تفتقدهما المرأة، فإن المرأة تميز عن الرجل بإمكانيات تجعلها مرغوبة وناجحة كمدير وكقائد. فالمرأة أقدر على تمكين موظفيها من الرجل، وهي تسمح لهم بمجال للقيام بمبادراتهم وتحقيق طموحاتهم، كما أن الوصول إليها أسهل مما يشجع فريقها على الوضوح والانفتاح. والمرأة القائد لديها استجابة أسرع لطلبات المساعدة التي تردها من موظفيها، وهي أقدر على تحمّل الاختلافات وعلى إدارة التنوع في المهارات والكفاءات. وتشير الدراسات المستخدمة من قبل بعض مؤسسات تنمية الموارد البشرية إلى أن المرأة أقدر على تحديد المشكلات وإيجاد الحلول لها بسرعة أكبر وبدقة أكثر، ومن ذلك تحديد توقعات مرؤوسيها من عملهم وتزويدهم بانطباعاتها ورأيها عن أدائهم. بالإضافة إلى ذلك فإن مهارات التواصل لدى المرأة أفضل من الرجل، مما يمكنها من إبقاء فريقها متحمساً ومندفعاً للعمل وشاعراً بقيمته في المؤسسة. وفي دراسة لأحد أكبر شركات الاستشارات الإدارية، أجري مسح لـ 6.000 مدير حول أمور تتعلق بالسلوك الإداري مثل إيجاد حلول للمشكلات، والسيطرة، والقيادة، والتواصل، إلخ.. وكانت النتائج مثيرة إذ استطاعت غالبية النساء المديرات المشاركات في المسح تحقيق تناغم بين فصّي الدماغ الأيمن والأيسر بحيث جمعت بين غالبية مواهب الرجل ومواهب المرأة في آن معاً. كما أظهرت الدراسة أن المرأة أكثر مرونة من الرجل فيما يتعلق بتقديرها لذاتها، الذي تستمدّه من مصادر عدا الإنجاز. فالمرأة توكل المهام وتفوّض المسؤوليات بسهولة وتعبر عن تقديرها لعمل فريقها بكثرة. أما الرجل فاعتداده بنفسه يأتي في أغلبه من إنجازه في العمل، وبالتالي فهو أقل مرونة في علاقته مع زملائه وفي توزيع المسؤوليات على مرؤوسيه ليبقي النجاح متعلقاً به وحده. ** أنشأتني أمّي على نصرة المرأة، واتفقت أيام الجامعة مع نظريات سيمون دو بفوار ومنها أن المرأة لا تولد امرأة بل تصبح امرأة (بظروفها)، وأن المرأة مسؤولة عن تحرير نفسها. وهذه المقالة ليست دعوة للرجال ليكونوا أكثر فهماً للمرأة، بل دعوة للمرأة لتكون أكثر فهماً لنفسها. ولهذا فإني أغار على نساء بلدي، وعلى ما أراهن عليه اليوم من تخاذل أمام ظروف بيئة غير ممكنة، ومن غوص في مشكلات كانت حاضرة وستبقى حاضرة دائما لا تقدّم ولا تؤخر مثل الحجاب والسفور. أنا لا أتحدث عن قلة ناجحة، بل عن أغلبية راضية بما هي عليه. لا شك أن هناك نظرة موروثة قد يستمدها البعض خطأ من الدين تضع المرأة في موقع غير متساو مع الرجل، إلا أن من يعزز هذه النظرة هو المرأة ذاتها وذلك بشرنقة ذاتها داخل أوهام الضعف وعدم الثقة بالنفس والدونية أمام الرجل، وبقبولها أن تبقى على الهامش بسبب ميل للكسل والاتكالية، بعدم سعيها وراء حقّها وحريتها بشكل حقيقي يتجاوز الشعارات والهتافات وكلام النواعم. وبالتالي فإن ما يروج له بأن الرجل هو عدو المرأة وهو المعيق لنهوضها هو تشويه للواقع. دعونا ننظر إلى أول تنشئة المرأة في عائلتها أولاً، هل على الفتاة دون إخوانها الذكور المساعدة في أعمال المنزل؟ هل على الفتاة الاهتمام بمظهرها وعلى إخوانها الذكور الاهتمام بتحصيلهم العلمي؟ هل شهادة الفتاة رفاهية وضمانة للمستقبل، وشهادة الشاب ضرورة معيشية لا بد منها؟ هل على الفتاة أن تكبر وهي تسمع من جدتها وأمها وجيرانهما أن المرأة تعمل لتتسلى، والرجل يعمل ليعيل الأسرة؟ هل على الفتاة أن تكبر وهي تنتظر السترة، التي قد تأتي مع واحد من "العرسان" الذين يتوافدوا للفرجة عليها و "إن شاء الله بيصير خير"؟ وبالرغم من حرية أي امرأة بالغة راشدة باتخاذ الزي الذي يناسبها دون ضغوط الأهل والمجتمع، فهل على الفتاة القاصر لأن تتحجب -دون وعي منها- ما إن تبدأ أنوثتها بالظهور كي لا تفتن الشباب فتحميهم هي وتفديهم من الوقوع بالخطأ؟ هل عليها أن تعيش في ظل انتقاص حقوقها في الولاية والقوامة والوصاية، وفي ظل عدم المساواة في الزواج والطلاق والإرث؟ وهل عليها أن تسكت عن حقوقها وأن تحافظ على زوج لا يحافظ عليها من أجل "السترة" وكأن الأسرة مسؤوليتها وحدها، بالرغم من أن صبر المرأة وحكمتها في الاستمرار والشعور بالمسؤولية تجاه أولادها هي التي تحافظ على الأسرة من التفكك. كل ذلك يكرّس في أذهان الجيل الناشئ نظرةً دونية للمرأة ومكانتها، وفي هذا مسؤولية مشتركة للمرأة والرجل، وفي إصلاحه فائدة مشتركة لكليهما كذلك. انتقاص الحقوق في سورية لسي مقتصرا على المرأة فقط، فالإنسان السوري سواء كان ذكرا أم أنثى يتمنى أن توفّر له سورية ظروفاً حياتية أفضل. ومشكلة الإدارة في اقتصادنا لا تتعلّق بغياب المرأة عن مواقع القرار فيه، بل المشكلة في الأنظمة والقوانين وفي غياب المحاسبة والمسؤولية وضعف الكفاءة وغير ذلك من مآس لا مجال لذكرها الآن. وبالرغم من أن التراجع الذي نعاني منه لن يحله الاكتفاء بتمكين المرأة في مواقع القرار، وبالرغم من أن المشوار سيكون طويلاً إلى أن تصل المرأة السورية للنموذج الذي أثبتته الدراسات الأنفة الذكر، إلا أننا يجب أن نبدأ منذ اليوم ببناء جيل الغد. يجب أن يتضمن الإصلاح مبادرات حقيقية تستهدف تمكين المرأة في المدينة والريف على حد سواء. ولا شكّ أن هناك أمثلة ساطعة لنساء سوريات في جميع المجالات، أثبتن أنهنّ لا يأبهن بالإطار الذي رسمه المجتمع لعمل المرأة وحياتها، وهنّ يتركن أثراً لا يُمحى في بلدنا. ولابدّ لذلك من إعادة القراءة للتراث الإسلامي والعربي وإبراز القيمة المحورية التي أولاها للمرأة، ولابدّ من تأسيس ثقافة جديدة أن الرجل شريك في العمل داخل المنزل، والمرأة شريكة في العمل خارج المنزل، ولهذا فلا بدّ من وجود مؤسسات وشركات تقدم الخدمات الاجتماعية لمحدودي الدخل من حضانة وإطعام وتنظيف وغير ذلك. ستبقى المرأة السورية في مرتبة دونية طالما أنها تسعى وراء المهر، والمسكن، والزوج الذي "يستتها" فلا تحتاج هي لأن تعينه ولا "تضطر" للعمل. وستبقى في مرتبة دونية طالما ارتضت القبول بالثقافة السائدة بأن "بيتك مملكتك" وبالتالي لا تشارك الزوج في أعباء المنزل وتربية الأولاد. وسيبقى الرجل ينظر إليها كذلك طالما أنه يكدّ ويعمل قبل الظهر وبعد الظهر دون أن تلتزم زوجته بإعانته، فما يدخل عليها من عائد لقاء عملها تصرفه على نفسها وهذا لا يعتبر تحريراً اقتصادياً للمرأة. ولا بدّ من تغيير هذه الثقافة بمجملها الظالمة للمرأة والرجل معاً إن أردنا تحقيق ما يصبو إليه الإصلاح والخطة الخمسية العاشرة والتي تتضمن فصلاً مستقلاً عن تمكين المرأة. فدور المرأة حتميّ إن تم بالوجه الصحيح، ولا يمكن للمجتمع أن ينهض ونصفه مكبّل – خاصة وأن ذلك النصف قادر على القيادة والإدارة بتميز. سيبقى دور الرجل – الأقل انفعالاً – على أهميته، وسيبقى الرجل مختلفاً عن المرأة وقادراً على أمور كثيرة لا تقدر عليها المرأة ولا تريد القيام بها، إلا أنني سأختم باقتراح يتجاوز موروثنا الديني الذي يقول: " لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" (حديث موضوع) لنستفيد من تجربة رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر، التي قالت ذات مرة: إن كنت تريد كلاماً فاطلب ذلك من الرجل. أما أن كنت تريد أفعالاً، فليس لك إلا المرأة. وباعتبارنا ما زلنا نجرّب، فدعونا نجرّب هنا أيضاً. فربّما تكمن في رأي تاتشر مشكلة الإصلاح في بلدنا.عبد السلام هيكل: رئيس تحرير مجلة الاقتصاد والنقل |